السبت 10 يناير 2026
منبر أنفاس

محمد دليل: جماعة عين حرودة.. تطبيع مع الحفر أم سردية الإهمال ؟

محمد دليل: جماعة عين حرودة.. تطبيع مع الحفر أم سردية الإهمال ؟ محمد دليل
                                     من مِنّا لم يقرأ بعض قصص ألف ليلة وليلة؟ تلك الحكايات التي لم تكن خيالًا صرفًا، بل تمرينًا مبكرًا على الصبر الإنساني. فشهرزاد لم تكن تسرد للتسلية، بل لتأجيل المصير، ليلة بعد ليلة، إلى أن يملّ الموت من الانتظار.
ويبدو أن هذا الدرس قد استُحضِر بعناية فائقة في جماعة عين حرودة؛ حيث لا تُروى الحكايات، بل تُعاش وتُعاد، دون أن يصل أحد إلى الصفحة الأخيرة. 
في عين حرودة، لا تحتاج إلى خيال خصب كي تصدّق أنك داخل نسخة معاصرة من ألف ليلة وليلة، فقط السينوغرافيا مختلفة.
هنا، تُستبدل القصور بالطرقات المهترئة، وتُعوَّض الأبهة السلطانية بالحفر، ويحلّ السجاد الطائر محلّه بأكياس الأزبال المتطايرة على قارعة الطريق. وهكذا تولد رواية جديدة يمكن أن نعنونها – دون مبالغة – «ألف حفرة وحفرة»؛ رواية جماعية، أبطالها المواطنون، وراويها الصبر، وناشرها الإهمال.
في ألف ليلة وليلة، كان كل صباح ينتهي بإعدام. أما في عين حرودة، فكل صباح يبدأ بتحدٍّ جديد: هل ستنجو سيارتك من حفرة الأمس ونحن نستعد لتسديد “لا فينييت”؟ هل سيصل التلميذ إلى مدرسته دون أن يتعلّم الجغرافيا التطبيقية عبر تضاريس الطريق؟ هل ستبقى النفايات في مكانها احترامًا للتقاليد، أم ستغيّر موقعها لتجديد المشهد؟ إنها مفاجآت يومية لا تقل تشويقًا عن مغامرات السندباد.
اللافت أن الجماعة لا تعاني من قلة الزيارات الرسمية. على العكس، فالمسؤولون يزورونها بانتظام، كما كان الملوك يمرّون على المدن في الحكايات: يأتون، يتفقدون، يلتقطون الصور، ثم يرحلون، تاركين خلفهم وعدًا جديدًا يُضاف إلى أرشيف الوعود السابقة.
وهنا تتجلّى العبقرية السردية: كل وعد هو بداية حكاية، وليس نهاية مشكلة.
لم يعد في الأمر ما يستحق الاستغراب؛ فالقبح صار اعتياديًا، والإهمال ممارسة يومية لا تستدعي حتى الاعتذار. المواطن لم يعد يسأل عن الإصلاح، بل عن كيفية التعايش، وهكذا انتقلت الجماعة بسلاسة إلى مرحلة متقدمة من التطبيع مع الحفر. لم تعد الحفر عطبًا في الطريق، بل سياسة أمر واقع: موجودة، مزعجة، لكنها خارج جدول الأولويات… إلى أجل غير مسمّى.
في ألف ليلة وليلة، كانت شهرزاد ذكية؛ تعرف متى تتوقف عن الحكي لتُبقي الملك معلّقًا بين الفضول والرحمة. أما في عين حرودة، فعقارب الساعة متوقفة منذ مدة طويلة، كأن الزمن نفسه في استراحة غير مدفوعة الأجر. الحكاية لا تتوقف، لأن لا أحد يعرف متى يبدأ الحل.
كل شيء مؤجَّل: الإصلاح مؤجَّل، المحاسبة مؤجَّلة، وحتى الغضب الشعبي صار مؤجَّلًا، لأن الناس اعتادوا العيش داخل الرواية، لا خارجها.
ومن المفارقات العجيبة،  أن كثرة المقالات وكثرة الشكايات وكثرة الصور المتداولة، لم تُفضِ إلا إلى نتيجة واحدة: تكريس الوضع القائم. كأن الإهمال، مثل بعض شخصيات ألف ليلة وليلة، يزداد قوة كلما تمّ الحديث عنه، ويتغذّى على الصمت أكثر مما يخشاه.
الفرق الوحيد بين الحكايتين أن ألف ليلة وليلة انتهت نهاية سعيدة: تغيّر الملك، وتوقّف القتل، وانتصرت الحكمة. أما في عين حرودة، فما زلنا في الليلة الأولى…أو ربما الليلة الألف، لا فرق. فطالما أن الطرقات تُصلَح بالترقيع، والنظافة تُدار بالموسمية، والمساءلة تُؤجَّل باسم الصبر، فإن الرواية ستظل مفتوحة.
في الختام، لا تحتاج عين حرودة إلى شهرزاد جديدة تحكي، بل إلى قرار يضع نقطة في آخر السطر. لأن الحكايات، مهما كانت ممتعة، تتحوّل إلى عبء حين تصبح واقعًا. ولأن جماعة «ألف حفرة وحفرة» تستحق أن تُذكَر يومًا، لا كاستعارة ساخرة، بل كقصة إصلاح حقيقية… بلا تهكّم، وبلا ألف ليلة إضافية.