منذ أن أنزل الله تعالى الديانات السماوية على أنبيائه ورسله، كان الهدف الأسمى منها هو تهذيب النفس البشرية، وإقامة مجتمع يسوده العدل والمحبة والسلام، بعيداً عن الصراعات والفتن التي تشعلها المصالح السياسية أو الأطماع المادية، فالمؤمن الحقيقي، سواء كان مسلماً أو يهودياً أو مسيحياً، يُفترض أن يكون داعية للخير، وبانياً لجسور التفاهم، وناشراً لثقافة الرحمة التي تجعل من الإنسان مواطناً صالحاً لا يؤذي أحداً من خلق الله.
علما ان الديانات السماوية ليست مجرد طقوس أو شعائر، بل هي غذاء روحي يربط الإنسان بخالقه، ويزرع في داخله القيم التي تجعله قادراً على مواجهة نوازع الشر، وحب السيطرة، والأنانية المدمرة، فهي تعلم الإنسان كيف يضبط غضبه، وكيف يفتح قلبه للمحبة والتسامح، لتصبح علاقته بالآخر قائمة على الاحترام لا على الإقصاء أو الكراهية.
وهنا يبرز الدور الجوهري لرجل الدين، الذي يفترض أن يكون بمثابة "رجل الإطفاء"؛ يسارع إلى إخماد حرائق الفتن التي يشعلها الساسة وتجار الحروب، لا أن يكون جزءاً من وقودها، رجل الدين الحقيقي هو الذي يطفئ نار الأحقاد، ويذكر الناس بأن الأرض ملك لله، وأن حياة البشر أمانة يجب الحفاظ عليها.
لكن حين يتحول رجل الدين إلى أداة بيد الساسة أو المتطرفين، ويزرع بذور الكراهية بين الناس، فإنه يفقد رسالته ويصبح داعية لحزب الشيطان لا حزب الرحمن. فالمؤمن الحق، كما وصفه القرآن الكريم: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً".
إن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى عودة رجال الدين إلى رسالتهم الأصلية: رسالة السلام والرحمة، ودعم الشعوب بالخطاب الروحي النقي الذي يصنع مجتمعات آمنة متماسكة، ويضع حداً للفوضى التي يولدها تجار الدماء. فبالحكمة والموعظة الحسنة تُبنى الأوطان، وبالكلمة الطيبة تُطفأ نيران الحقد، وبهذا فقط تتحقق إنسانية الإنسان؛ لهذا يرى العديد من الخبراء في الحوار الديني على أن المرحلة الراهنة، التي يشهد فيها العالم توترات سياسية وحروب وفتن وأزمات اجتماعية واقتصادية متصاعدة، تجعل الحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز دور رجال الدين في نشر ثقافة السلام، ودعم المجتمعات بخطاب قيمي يرسخ الأمن الروحي، باعتباره حجر الزاوية في استقرار الشعوب وبناء الأوطان.
الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
