Sunday 31 August 2025
كتاب الرأي

محمد الغيث ماء العينين: الحرب السردية ضد المغرب.. أربعون عامًا من إعادة إنتاج الوهم

 
محمد الغيث ماء العينين: الحرب السردية ضد المغرب.. أربعون عامًا من إعادة إنتاج الوهم محمد الغيث ماء العينين
سلسلة مقالات Le Monde في غشت 2025 حول “أجواء نهاية حكم” الملك محمد السادس لم تكن كشفًا جديدًا، بل مجرد صدى لسردية قديمة. هذه السردية، التي رافقت المغرب منذ عقود، تقوم على ثلاث ركائز: زعزعة صورته، التشكيك في شرعية ملكيته، وتمجيد الجزائر بوصفها البديل الثوري.
لكن قوة هذه السردية لا تكمن في أصالتها، بل في تكرارها المستمر، وتجدّد أدواتها، وتحوّلها إلى شبكة متعددة الأطراف، تتقاطع فيها مصالح متناقضة: تيارات فكرية فرنسية، آلة دعائية جزائرية، صحافة يسارية، واجهات رقمية مجهولة، بل وحتى صحافة ابتزاز مالي.
 
الأطراف في شبكة السردية المعادية
عند النظر إلى هذه الحرب السردية بمنظار نسقي، يتضح أن الأطراف ليست كيانات منفصلة، بل حلقات مترابطة داخل شبكة أكبر.
فرنسا الرسمية بدأت مؤخرًا تعلن تمرّدها على المنطق الذي جعلها أسيرة لمزاج الجزائر، ساعية إلى وضوح في علاقتها مع المغرب. غير أن هذا التوجه لا يزال يصطدم بما يمكن تسميته بـ فرنسا العميقة: أوساط إعلامية وأكاديمية يسارية ما بعد كولونيالية، أسيرة نوستالجيا الجزائر الثورية، تنظر إلى المغرب باعتباره “الحليف المريب” و”التابع”.
أما الجزائر فتتحرك داخل عقدة مزدوجة: الأولى عقدة العشيقة الغيورة تجاه فرنسا، فهي لا تحتمل أن ترى باريس تنفتح على الرباط وتعتبر أي تقارب خيانة للتاريخ الثوري. والثانية عقدة نقص هوياتية–تاريخية تجاه المغرب، جعلتها تسعى منذ الاستقلال إلى إعادة تعريف ذاتها بالضد من المغرب، حتى لو اقتضى ذلك افتعال نزاع مفتعل في الصحراء. ومن رحم هذه العقدة وُلدت البوليساريو كأداة رمزية لإدامة النزاع وتثبيت هذه الهوية السلبية.
إلى جانب ذلك، يواصل الإعلام اليساري الفرنسي إعادة تدوير نفس السردية منذ كتاب Notre ami le roi (1990) وصولًا إلى مقالات Mediapart (2025): الجزائر هي الرمز التحرري، والمغرب هو البلد التابع للغرب.
ومع دخول العصر الرقمي، برزت واجهات رقمية غامضة مثل Chris Coleman في 2014 وJabaroot في 2025، مستهدفة المؤسسات المغربية عبر التسريبات والاختراقات، في محاولة لزعزعة الثقة الداخلية وضرب مصداقية الدولة. وفي الوقت نفسه، انكشف بعد جديد أكثر خطورة تمثل في صحافة الابتزاز المالي، كما برهنت فضيحة لوران وغراسيي (2015)، حين تحوّل المغرب إلى بضاعة قابلة للمساومة، في سابقة خطيرة أظهرت أن العداء لم يعد فقط إيديولوجيا أو بروباغندا، بل صناعة مربحة.
هكذا تتضح بنية النسق: أطراف متعددة، دوافع مختلفة، لكن الهدف واحد – السعي إلى تقويض صورة المغرب وتشكيك الرأي العام في مشروعيته.
 
الحملات المعادية ليست وليدة اليوم
في بداية التسعينات، أطلق كتاب Notre ami le roi الشرارة الأولى لبناء صورة نمطية قاتمة عن الملكية المغربية، مقابل تمجيد الجزائر كثورة حية.
ثم جاءت مرحلة الإنترنت في منتصف التسعينات وبداية الألفية، حيث تحركت مواقع مثل arso.org وغرف PalTalk كمنصات للبروباغندا الانفصالية. المغرب لم ينجرّ إلى لعبة الدعاية بالدعاية، بل بدأ يتبنى خطابًا أكثر عقلانية، قائمًا على الحجة والشفافية.
مع بداية العقد الثاني من الألفية، تزايد الوعي بأن المعركة لم تعد فقط دبلوماسية أو عسكرية، بل هي معركة على الرأي العام. النقاش الفكري المغربي بدأ يتحدث صراحة عن السيادة السردية كشرط لحسم المعركة.
ثم جاءت تسريبات Chris Coleman في 2014، كأول اختبار ضخم في ميدان الحرب الرقمية. آلاف الوثائق الدبلوماسية سُرّبت عبر حساب مجهول على تويتر، لتُظهر أن المغرب أصبح هدفًا معلنًا في حرب التسريبات، قبل أن يظهر Jabaroot بعد عقد من الزمن ليواصل الوظيفة نفسها بوسائل جديدة.
وفي 2015، انتقلنا من الدعاية إلى الابتزاز المالي المباشر: صحافيان فرنسيان طلبا ملايين اليوروهات مقابل عدم نشر كتاب ضد الملك، وهو ما كشف أن العداء للمغرب أصبح عند بعض الأقلام صناعة قائمة على بيع السمعة وتشويهها.
اليوم، مع 2025، نرى المشهد يتكرر: Le Monde يعيد إنتاج خطاب “نهاية الحكم”، Mediapart يكرر مقولة أن الجزائر هي الشريك الحيوي، بينما يقوم Jabaroot بمحاولة ضرب الثقة المؤسسية من الداخل عبر تسريبات متتالية.
 
التحالف غير المعلن
ما يجمع هذه الأطراف ليس مشروعًا واحدًا، بل هو تحالف ظرفي للمصالح:
    •    الجزائر تحتاج إلى إبقاء المغرب ضعيفًا لتثبيت هويتها الناقصة.
    •    البوليساريو يعيش فقط باستمرار القضية.
    •    الصحافة اليسارية تجد في الجزائر رأسمالًا رمزيًا، وفي المغرب مادة نقدية سهلة.
    •    الصحافيون المرتزقة حوّلوا المغرب إلى مصدر ربح سريع.
    •    الحملات الرقمية توظّف “الفرجة” لتضخيم الأزمة وضرب الثقة.
النتيجة: شبكة غير متجانسة، لكنها متضافرة في هدف واحد.
 
الدلالات الدبلوماسية: نحو سيادة سردية
المغرب لم يضع فرنسا أبدًا أمام خيار ثنائي: إما هو أو الجزائر. بل كان مطلبه بسيطًا: الوضوح. رفض أن يتحمل تبعات علاقة باريس المعقدة – وأحيانًا المرضية – مع الجزائر، التي تتصرف كـ «عشيقة غيورة» ترى في أي تقارب مع المغرب خيانة.
المفارقة أن فرنسا الرسمية بدأت تدرك مؤخرًا حدود هذا المنطق، وأعلنت تمردها عليه، لكنها تصطدم بفرنسا العميقة التي ترفض القطع مع الماضي. هذه الأخيرة، العاجزة عن فرض منطقها على القرار الرسمي، تكتفي باللجوء إلى سلاحها المفضل: حملات إعلامية متكررة ضد المغرب.
وهنا تبرز ضرورة أن يكرّس المغرب سرديته السيادية، التي تؤكد أنه شريك لا غنى عنه في الأمن والهجرة والطاقة والربط الإفريقي–الأوروبي. ليس المطلوب من فرنسا أن تختار، بل أن تتخلى عن ازدواجية الخطاب وأن تعترف بأن المغرب ركيزة المستقبل في المنطقة.
 
إن مقالات Le Monde الأخيرة لا تخرج عن كونها نسخة جديدة من خطاب قديم، ظل يتكرر منذ أربعين عامًا. من Notre ami le roi إلى Chris Coleman إلى Jabaroot، نفس السردية، نفس الهدف: التشكيك في المغرب.
لكن في المقابل، راكم المغرب مناعة استراتيجية، وصاغ سرديته الخاصة: سردية الاستقرار، التنمية، والشرعية التاريخية. وبينما يكرر خصومه الوهم ذاته، يكتب المغرب روايته بنفسه: رواية الفاعل لا المفعول به.
محمد الغيث ماء العينين، نائب رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات