Saturday 30 August 2025
كتاب الرأي

محمد براو: قراءة بلا رؤية وتحليل بلا فهم.. كيف تعالج لوموند إصلاحات الملك محمد السادس (3)

 
 
محمد براو: قراءة بلا رؤية وتحليل بلا فهم.. كيف تعالج لوموند إصلاحات الملك محمد السادس (3) محمد براو

نقد مسجون في عدسة ضيقة: الإصلاحات تُختزل في كونها مظاهر زائفة

في الحلقة الثالثة من سلسلتها، تواصل صحيفة لوموند محاولتها "فهم" عهد محمد السادس. تركّز هذه المرة على الفترة التي أعقبت سنة 1999، والتي تميزت بزخم إصلاحي غير مسبوق في العالم العربي. لكن سرعان ما تتحوّل القراءة الصحفية إلى محاكمة نوايا مفتوحة.

الرؤية التي تعتمدها الصحيفة واضحة: هذا العهد، في نظرها، ليس سوى مسرحية محبوكة، تمزج بين وهم ديمقراطي وتكريس للنظام القائم. هكذا، تُصوَّر الملكية كفاعل يُتقن "فن المظاهر"، دون أي مضمون حقيقي.

غير أن هذه المقاربة تختزل الواقع المغربي في صورة كاريكاتورية، وتتجاهل السياق التاريخي وتعقيدات التغيير السياسي والاجتماعي في بلد ذي هوية مركبة ومؤسسات عريقة.

إصلاحات هيكلية... لا تُرى أو يتم التقليل من شأنها

تعترف الصحيفة، على استحياء، ببعض الإصلاحات الكبرى: مدونة الأسرة، هيئة الإنصاف والمصالحة، دستور 2011. لكنها سرعان ما تُقلل من قيمتها، وتُلبسها لباس الشك.

عندما لا تكون الإصلاحات مثالية، تراها لوموند مجرد أدوات توظيف سياسي. وإن كانت سابقة في نوعها، تشكّك في نواياها. وإن نجحت، تصفها بـ"الواجهة".

لكن الإصلاح الحقيقي، خصوصاً في مجتمعات مركبة ثقافياً وتاريخياً، لا يُمكن إلا أن يكون تدريجياً، مرحلياً، ومتفاعلاً مع الواقع. وهذا لا يُنقص من قيمته، بل يُعزز واقعيته ومصداقيته.

تطور مشتبه فيه: عندما يُصبح التقدّم محلّ ريبة

تُظهر لوموند نوعاً من الانزعاج من النجاحات الاقتصادية والتنموية للمغرب. ميناء طنجة المتوسط، الطرق السيارة، القطار الفائق السرعة، الطاقة المتجددة، الكهرباء القروية، التموقع الإفريقي... تُذكر باقتضاب، ثم تُصنّف ضمن "الواجهات التسويقية".

هذا النمط من التفكير يُسقط في فخ تشويه كل ما ينجح: ما يعمل يُعتبر مظهرياً، وما يتعثر يُعدّ فشلاً بنيوياً، وما يتطور يُنظر إليه كخدعة.

لكن هذه الإنجازات ليست فقط أرقاماً أو صوراً. إنها تحوّلات ملموسة غيّرت حياة ملايين المغاربة، وتُجسّد رؤية تنموية متكاملة، لا تقتصر على جاذبية خارجية، بل تستجيب لحاجيات داخلية عميقة.

السلطة الملكية... دائماً ما تُقدَّم كعائق

طوال المقال، تُصوَّر المؤسسة الملكية كعائق أمام التقدم. قراءة تبسيطية تُغفل البعد الدستوري والسياسي العميق للملكية المغربية، ودورها كضامن للوحدة والاستقرار والتوازن.

ما تنساه لوموند، أو تتجاهله، هو أن الملك ليس فاعلاً سياسياً عادياً. بل هو حامل لشرعية تاريخية ودينية وشعبية، يُمثّل عنصر التوازن والحكمة في دولة متعددة الأقطاب.

دستور 2011 عزّز من صلاحيات الحكومة والبرلمان، لكنه لم يُفرغ الملكية من مضمونها، لأن المغرب لم يختر النموذج البريطاني أو الإسباني. بل اعتمد نموذجاً سيادياً خاصاً به، يزاوج بين الإصلاح واستمرارية المؤسسات.

خطأ منهجي جوهري يتكرر: إسقاط نموذج واحد على واقع متعدّد

الخلل الأكبر في تحليل الصحيفة هو سعيها الدائم إلى مقارنة المغرب بمعايير غربية محضة، كأن الديمقراطية لا تكون إلا على النمط البرلماني الأوروبي، وكأن السيادة لا تتحقق إلا بنزع الطابع الملكي عن الحكم.

لكن المغرب، بتاريخه وتعدديته ومحيطه الجغرافي، ليس مستنسخاً عن أحد. بل هو يُصيغ مساره الخاص، بإصلاحات منسجمة مع هويته، وبتدرج يحترم بنيته الاجتماعية والدينية والسياسية.

الخلاصة: تحليل يُكرّس أحكاماً مسبقة بدل أن يكشف "لغزاً"

في نهاية المطاف، لا يكشف هذا المقال عن "لغز محمد السادس" كما يزعم. بل يعيد إنتاج رؤية جاهزة ومتحيّزة، تُجسّد شكوكاً مُسبقة، وتُهمّش الإنجازات، وتُهوّل التحديات، وتُقزّم الأبعاد العميقة للتجربة المغربية.

هذا ليس تحليلاً، بل سرد متحيّز مغلّف بلغة تحليلية.

لقد غابت الموضوعية، وسادت السطحية. وغابت الفهم الحقيقي للتحول المغربي، فحلّ محلّه خطاب إيديولوجي يفتقر للتوازن والتبصّر.

المغرب يتطور وفقاً لإيقاعه، بتحدياته وطموحاته، بسيادته ومؤسساته. وهو في ذلك ليس بحاجة إلى وصاية تحليلية، بل إلى فهم منفتح، نزيه، ومسؤول.

 

 
محمد براو، خبير دولي في الحكامة
مؤلف كتاب الحكامة الجيدة في ضوء التوجيهات الملكيةَ