القرار الأخير لوزارة التعليم العالي بإلغاء بحوث الإجازة اساسا والماستر وتعويضها بتدريب ميداني مع تقرير، أثار نقاشاً هاما بين المتابعين والمعنيين . فبين من يراه خطوة عملية نحو ربط الجامعة بسوق الشغل، وبين من يعتبره تجريداً للعمل الجامعي من روحه النقدية والمعرفية، ليبرز سؤال أعمق ،هل ما زالت لهذه البحوث نفس القيمة التي كانت لها سابقا ؟(بدون عقدة العصر الذهبي ).
في دردشة مسائية بمقهى الحي مع صديق تقاعد هذه السنة من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، حيث قضى أكثر من 35 سنة .طرحت عليه سؤالاً بسيطاً لماذا لا تطلب التمديد لفترة إضافية؟ فأجابني بابتسامة غامضة "عرض عليّ الأمر بإلحاح، لكنني كنت قدحسمت الأمر منذ مدة، حين اكتشفت أنني لم أعد أدرّس الطلبة… بل أدرّس ChatGPT!».
استغربت من جوابه، فاستدرك هامساً: «كل الأسئلة التي أطرحها، تأتي الأجوبة جاهزة من الذكاء الاصطناعي. كل تساؤلات الطلبة من ChatGPT. وكل تقرير أطلبه، أكتشف أنه مكتوب بأسلوب لا يليق بمستواهم ولا ينسجم مع فكرهم، لكنه منسجم تماماً مع أسلوب الآلة. إلا من رحم ربك… أنا لا أملك وسيلة للتتبع أو للتحقق.
بعد هذه الحكاية الطريفة، عادت بي الذاكرة إلى أواسط الثمانينات، كنت حينها طالباً بكلية الحقوق بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس. وكان عليّ إنجاز بحث الإجازة حول «العمل النقابي في ظل شروط الأزمة بالمغرب». يومها لم يكن هناك ذكاء اصطناعي ولا محركات بحث، ولا حتى الحاسوب بل مكتبات وكتب وأرشيف ولقاءات. اضطررت أكثر من مرة إلى السفر إلى الرباط لألتقي بمسؤوليْنِ نقابيَيْن وهما من العيار الثقيل: الأستاذ حسن بنعدي عن الاتحاد المغربي للشغل، وقد التقيته تحت قبة البرلمان، والبروفيسور عبد المجيد بوزبع رحمه الله، عن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والذي استقبلني بشقته في إقامة بدر بأكدال.
اليوم تغيّر المشهد ،الطالب لا يحتاج إلى السفر ولا إلى التفاوض على موعد، بل يكفيه أن يضغط على زر، ليأتيه “ChatGPT” محمّلاً بالخطاب النقابي والتحليل السياسي والتفسير الاقتصادي… في أقل من دقيقة. فأيهما أسهل؟ وأيهما أنفع؟
هذه الحكايات تكشف واقعاً جديداً للبحث الجامعي في مرحلتي الإجازة والماستر الذي لم يعد تمريناً حقيقياً على التفكير النقدي.
في الجامعات البريطانية والأمريكية، يُنظر إلى البحث في مرحلة البكالوريوس باعتباره تمرينًا محدودًا؛ إذ يركز الطالب أكثر على التدريب العملي والقدرة على بناء مشروع شخصي أو جماعي، مع اعتماد آليات صارمة للكشف عن الانتحال والسرقات العلمية. في المقابل، يظل البحث في مرحلة الماستر والدكتوراه ذا قيمة حقيقية، لأنه يخضع لإشراف علمي دقيق، ويُعتبر جسراً نحو الإنتاج المعرفي.
أما في الجامعات الفرنسية، فقد حافظت تقليديًا على مكانة بحوث الإجازة والماستر، بوصفها امتحانًا أكاديميًا يختبر قدرة الطالب على التحليل وبناء خطاب علمي. لكن مع تضخم أعداد الطلبة، وتكرار المواضيع، وظهور الذكاء الاصطناعي، باتت هذه البحوث تفقد شيئًا فشيئًا قيمتها الأصلية. ومن هنا يظهر أن الوزارة بقرارها الأخير، يميل أكثر نحو النموذج الأنجلوساكسوني الذي يعطي الأولوية للتدريب الميداني والتجربة العملية، على حساب البعد الأكاديمي التقليدي الذي ما زالت الجامعات الفرنكوفونية تتمسك به رغم التحديات.
لكن، هل يعني ذلك أن الحل هو إلغاء البحث تماماً؟ أم أن الحل يكمن في إعادة ابتكار طرق التقييم، بحيث يتحول البحث من «وثيقة مكتوبة» إلى مسار تعلمي من نقاش، وعرض شفوي، واختبار قدرة الطالب على تفسير ما كتب وفهمه، لا مجرد تقديمه؟
ما فعله صديقي الأستاذ، بقراره مغادرة الجامعة لأنه وجد نفسه أمام «ChatGPT»، هو في جوهره صورة ساخرة عن أزمة أعمق. فالجامعة، إن اكتفت بإلغاء البحوث وتعويضها بتقارير تدريب، لن تُعالج المشكل بل ستغير شكله فقط.
قد نضحك من قصة الأستاذ الذي تقاعد لأنه وجد نفسه أمام «ChatGPT»، لكن خلف الضحك سؤال جدي ،هل الجامعة قادرة على التكيف مع زمن الذكاء الاصطناعي دون أن تفقد رسالتها الأكاديمية؟
