في سياق تقديم الأحزاب السياسية المغربية لمقترحات حول تعديل مدونة الإنتخابات بناءا على إجتماعها الأخير مع وزير الداخلية،لابد من تسجيل بعض الملاحظات وطرح بعض التساؤلات:
1-على المستوى المنهجي:يتضح أن معظم الأحزاب السياسية لم تعتمد المقاربة التشاركية في بلورة إقتراحاتها عبر إشراك تنظيماتها الداخلية ( الفروع المحلية،الإقليمية والجهوية والتنظيمات الموازية) وكذلك الرأي العام عبر منصات التواصل الإجتماعي والرقمي في بلورة مقترحاتها بإستثناء القلة القليلة مما يجعل من الأحزاب السياسية في موقع ضعف في التفاوض حول التعديلات الجوهرية،مما يعطي إنطباعا أوليا أن أغلب الأحزاب السياسية المغربية لا تريد المغامرة وتنتظر الإشارات وفي وضعية الغير الفاعل وكأنها إستحضرت مقولة المفكر الإيطالي انطونيو غرامشي الشهيرة:"القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد...."
2-على مستوى إعداد مذكرات الأحزاب السياسية :يطرح سؤالين رئيسيين:
-أولهما:هل تمت قراءة دقيقة للسياق الدولي الغير الآمن والوطني الغير المستقر إجتماعيا وإقتصاديا مع تزايد الاحتجاجات ومسيرات الكرامة والعدالة المجالية والإجتماعية (أيت بوكماز،إقليم تاونات الذي عرف حركات إحتجاجية غير مسبوقة خلال الشهرين الأخيرين حول أزمة العطش،زراعة القنب الهندي الصحة) ؟
حيث أن هذه لحركات الإجتماعية أضحت تأخذ بعدا قرويا،وهي سابقة في تاريخ المغرب المعاصر وقد تشكل تقطة تحول كبرى في الاستحقاقات القادمة وتحديا كبيرا أمام الدولة أولا والأحزاب السياسية ثانيا التي كانت تعتبر دائما العالم القروي بمثابة ذلك الخزان الإنتخابي من حيث نسبة المشاركة المرتفعة أو من حيث إنجاح المحطات السياسية وخلق التوزنات الإنتخابية.
-ثانيا:هل تم إستحضار الشروط السياسية والاقتصادية والإجتماعية لإنجاح هذه الاستحقاقات الإنتخابية؟
مغرب اليوم في حاجة إلى أكثر من أي وقت مضى إلى:
-إنفراج سياسي حقيقي (إطلاق سراح معتقلي حراك الريف و سجناء الرأي وعودة نشطاء الحراك والمتعاطفين إلى أرض الوطن).
-إطلاق مبادرة وعرض سياسي جاد وجدي جديد يساهم في إعادة بناء الثقة المفقودة ليس فقط إتجاه العملية الإنتخابية والأحزاب السياسية بل إتجاه المؤسسات وهذا هو الغائب في النقاش العمومي حول العزوف السياسي.
هذا العرض السياسي يجب أن يساهم في إدماج نخب حديدة،نخب الحركات الإجتماعية من الجيل الجديد(حراك الريف،حراك فجيج........)،نخب الجدارة لها وعي سياسي بدقة المرحلة و ما يكفي من الممانعة والإستقلالية و تكوين أكاديمي وميداني في إبداع حلول مجالية تشاركية وممكنة وواقعية وليس نخب القرابة أو نخب الحلول السهلة التقنوقراطية.
-إشارات قوية في ربط المسؤولية بالمحاسبة للسنوات الأخيرة وإعلان الطلاق النهائي بين الإقتصادي والسياسي والديني والدعوي.
3-الهندسية الإنتخابية:معالم في الطريق.
لايمكن فرز نخب سياسية حقيقية تساهم في التشريع البرلماني وإعطاء نفس جديد للمؤسسات المنتخبة بالمغرب من دون إستحضار الإرادة السياسية والكشف عن القواعد الصريحة للعملية الإنتخابية ببلادنا،مما يدفعنا للبوح أن مغر اليوم في حاجة إلى تعاقد سياسي جديد،الإستحقاقات الإنتخابية المقبلة قد تشكل أحد المداخل الكبرى لهذا التعاقد،كما لا يمكن الرفع من منسوب الثقة لدى المغاربة ومواجهة العزوف السياسي دون ملامسة أهم النقاط الرئيسية لإصلاح حقيقي للمنظومة الإنتخابية بالمغرب:
-أولها :تحديد دقيق لأدوار وزارة الداخلية ،هل هي لاعب سياسي في المنظومة؟ أم جهاز إداري؟ أم ماذا؟،أثارني هذا الصباح تصريح الأمين العام لحزب سياسي ترأس الحكومة لمدة عشر سنوات،حيث خاطب وزارة الداخلية بالشكل التالي:
" إتقوا الله فينا وأطلقوا اللعب"،هو إعتراف ضمني من رئيس الحكومة السابق أن وزارة الداخلية تتطبق عليها مقولة:"اللعاب حميدة والرشام حميدة"،وبالتالي حان الوقت ببلدنا لإحداث هيئة مستقلة للإنتخابات تضم خيرة النخب القانونية والقضائية وجمعيات المجتمع المدني واساتذة جامعيين والمجلس الوطني لحقوق الإنسان.
-ثانيا :التسجيل الإرادي للمغاربة في اللوائح الإنتخابية عبر منصات رقمية مع إستبعاد كلي للمنتخبين وأعوان السلطة من هذه العملية مع ضرورة تحيينها في إطار لجان مشتركة تضم الجهاز الإداري المختص بالإضافة الى ممثلي الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني.
ثالثا :إعادة النظر في تقسيم الدوائر الإنتخابية وتوزيع المقاعد البرلمانية وفق نتائج الإحصاء العام للسكنى لسنة 2024.
رابعا:إعتماد القاسم الإنتخابي بناءا على عدد الأصوات المعبر عنها وليس على أساس المسجلين في اللوائح الإنتخابية.
خامسا:إعتماد بطاقة التعريف الوطنية في التصويت مع تقليص مراكز الإقتراع إلى النصف مع تجهيزها بكاميرات المراقبة يتم متابعتها من طرف لجن محلية ولجن إقليمية ومراقبي الإنتخابات،وإعتماد تفتيش دقيق للناخبين عبر الآلات الكاشفة حتى لايحملوا هواتفهم النقالة لمراكز الإقتراع مع حضور رجل أمن في كل مركز إقتراع.
سادسا :قطع الطريق أمام تجار الإنتخابات ومستعملي المال:
يجب الإقرار أنه من الصعوبة مواجهة مافيا الانتخابات و محاربتها حتى و لو توفرت الارادة السياسية لأن تقنيات استعمال الأموال في الانتخابات عرفت تطورا كبيرا و أفراد المافيا تستعمل أساليب جديدة و عصرية لا يمكن اكتشافها بسهولة فالأمر لا يقتصر بإرشاء الناخبين فقط بل يتجاوز ذلك الى رؤساء مكاتب التصويت و ملاحظي الاحزاب السياسية بالإضافة الى المسؤولين المحليين والبعض يتجرأ بادعاء انه مدعم من جهات ما.
معه يطرح السؤال الجوهري :
هل هناك إمكانية ضمان نزاهة الانتخابات في ظل استمرار هذا الوضع؟
أكيد هناك إمكانية كبيرة لأن وزارة الداخلية تعرف جيدا من يستعمل المال و بالتالي ممكن ان تمنعهم من الترشيح والعمل على حماية مكاتب التصويت وصناديق الاقتراع كما أشرت سابقا.
كما يمكن للمغاربة أن يحدوا من تأثير الأموال بالمشاركة المكثفة لانه يصعب المامورية عن المفسدين، كلما زادت نسبة التصويت يصعب التزوير و شراء الذمم.
سابعا:شرط التأهيل العلمي للترشح للانتخابات:
إن التنصيص على التوفر على شهادة الباكالوريا فما فوق كشرط للترشح للانتخابات يُعد مقترحا وجيها، من شأنه الإسهام في الرفع من مستوى الكفاءة داخل المؤسسات المنتخبة وضمان حد أدنى من التأهيل العلمي للمترشحين.
والتنصيص في الميثاق الأخلاقي الذي سيوقع بين الدولة والأحزاب السياسية على شهادة البكالوريا لرئاسة الجماعات القروية،وشهادة الإجازة لرئاسة البلديات والماستر للعمودية والدكتوراة لرئاسة الجهات،وتحديد شهادة الإجازة على الأقل للترشح لمجلس النواب ،كما لايفوتني أن أنبه أن الشواهد الأكاديمية المشار إليها أعلاه يجب أن تكون شواهد التكوين الأساسي المعتمدة قانونيا وليس شواهد التكوين المستمرلأن هذه الأخيرة سهل الحصول عليها في سوق الريكلام الجامعي.
غير أن هذا الشرط يصطدم بالمقتضيات الدستورية التي تضمن حق جميع المواطنات والمواطنين في الترشح، شريطة التمتع بحقوقهم المدنية والسياسية، دون ربط ذلك بمستوى تعليمي محدد. حيث ينص الفصل 30 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 على ما يلي:
" لكل مواطنة ومواطن، الحق في التصويت، وفي الترشح" للانتخابات، شرط بلوغ سن الرشد القانونية، والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية. وينص القانون على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية"
وعليه، يمكن التفكير في صياغة بديلة تراعي التوازن بين روح الدستور وضرورة الارتقاء بجودة النخب المنتخبة، وذلك من خلال:
1/ إقرار ميثاق أخلاقي وطني تلتزم بموجبه الأحزاب السياسية بترشيح الكفاءات العلمية والأطر المكونة سياسيا.
2/ مراعاة التجربة المهنية والخبرة العملية إلى جانب الالتزام المجتمعي كمعايير أساسية في انتقاء المترشحين.
إن تبني هذا التوجه من شأنه أن يعزز الثقة في العملية الانتخابية، ويرفع من مستوى النخب السياسية، كما يشكل تعبيرا صريحا عن إرادة الأحزاب في الارتقاء بالفعل الحزبي وتكريس التنافس الشريف حول البرامج والأفكار.
ثامنا:توسيع اللائحة الوطنية عبر إدماج مغاربة العالم في العملية الإنتخابية عبر تحويل لائحة النساء إلى لائحة مشتركة موزعة بشكل عادل بين الكفاءات النسائية ذات تجربة سياسية ومدنية (دون محاباة "الناخبين الكبار" عبر إدماج بناتهم وزوجاتهم وووو...مما أعطى حضورا باهتا للنساء في المؤسسة التشريعية خاصة في الولاية الحالية بإستثناء بعض الرفيقات) والنخب ومغاربة العالم بشرط أن يكون حاصلين على ماستر عمومي على الأقل ولهم تجربة مدنية وسياسية وفكرية حقيقية لا تقل عن خمس سنوات.
أما فينا يخص الشباب، الأحزاب السياسية مطالبة اليوم بإعطائهم الأولوية في اللوائح الإنتخابية المحلية لأنهم عماد وأساس ترتيبات المرحلة المقبلة،كما حان الوقت لإخراج إلى حيز الوجود المجلس الوطني للطفولة والشباب.
تاسعا:إعتماد وتسهيل مأمورية مراقبي الإنتخابات عبر تمويل وإشراف من المجلس الوطني لحقوق الإنسان وبرامج التعاون الدولي.
عاشرا:إطلاق عملية واسعة وشاملة من برامج وقوافل تواصلية بالمؤسسات التعليمية والجامعات ومراكز التكوين ودور الشباب والأحياء والدواوير من طرف المجتمع المدني الجاد والمسؤول مع إستبعاد كلي لجمعيات القفف الرمضانية والتسول الإنتخابي والتحييش البشري وبتمويل من الدولة.
مغرب 2026 والمسار الديمقراطي في حاجة إلى نفس جديد وعمق إستراتيجي قادران على مسائلة الثابث والمتحول،لأن بناء الثقة ليست عملية إجرائية لحظية بل هي عملية مركبة في حاجة لمجهود جماعي ولتعاقد سياسي جديد.
عادل راشدي
أستاذ باحث بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، جامعة محمد الأول، وجدة
