الرد الثاني على الحلقة الثانية من سلسلة جريدة لوموند "لغز محمد السادس " – الحلقة 2/6
الشكوكية والطموح الصحفي الهزيل
الجزء الثاني من السلسلة التي تنشرها «لوموند» حول الملك محمد السادس يعرض نفسه كصورة قريبة للمشاهد، يركز على شبابه وعلاقته بوالده، المرحوم الحسن الثاني. لكن سرعان ما ينزلق السرد إلى أسلوب يشبه الرواية، مشبعًا بحكايات لا يمكن التحقق منها، وأحكام نفسية مختزلة، وتبسيطات تاريخية. تُقارب الصحافة المغلفة بالشأن العائلي هذا البحث بطريقة تجعل السؤال المطروح: هل من الحكمة تقييم حكم قائد من داخل التوترات النفسية للأطفال؟ ومتى يتوقف الخبر عن كونِه معلومة ليصبح أداة لصياغة رأي عام؟
القائد يُقاس بفعاليته في الحكم لا من خلال التحليل النفسي المشوَه
من خلال مجموعة من الحكايات—بعضها لا شهادة عليه، وبعضها مجتزأ—ترسم «لوموند» صورة لملك يُعاني من انعدام الأمان، نقص الكاريزما، وخفة الروح. لكن هذا الانحياز نحو الجانب النفسي يُغفل الحقيقة الجوهرية: القائد يُقاس بفعاليته في الحكم، بقدرته على الإصلاح، بتعزيز الوحدة الوطنية، وتحريكه للدولة نحو الاستجابة للعالم المعاصر، لا بطعنه بتفضيلاته الموسيقية أو نمط حياته الشخصي. إن هذا التحول إلى السرد النفسي يتعمّد تجاهل المحاور البنيوية للحكم التي حرَكها المغرب منذ 1999. لقد تجاوز عدد هذه المحاور مجرد إغفال؛ بل يُعد خيارًا مقصودًا لتوجيه الرواية بسلبية.
نقائص منهجية واضحة
قدَّم الكتاب الملك شابًا مهمَّشًا، مشوَّهًا، غير جاهز لإدارة شؤون الدولة. لكن المسار الفعلي يأخذنا إلى: تعليم قانوني وسياسي قوي وامتلاك مؤهلات أكاديمية (دورة في المفوضية الأوروبية ودكتوراه...)، وتدرّج تدريجي في المسؤوليات. وإن كانت هناك مسافة وضعتها أُسرة الحسن الثاني، فهي لا تعكس ضعفًا بقدر ما تعبّر عن نمط تعليم ملكي مبني على الصبر والتدرّج. وهذا التصوير يفتقر لأي تدقيق في المصادر، ويغيب عنه تحليل نقدي واضح للنصوص أو تحقيق مستقل؛ وهو ما يُهشِّم كامل مصداقية الاستقصاء.
قراءة متمركَزة على الذات الغربية
أحد أوجه ضعف التحليل الغربي عموما والفرنسي خصوصا للمغرب هو العجز عن رؤية نموذج مستند إلى خصوصيته التاريخية. يُقدّم مثل هذا التحليل، كما في «لوموند»، صورة ضيقة لحكم قائم على الطابع الشخصي والبعد النفسي، بدلًا من محاولة فهم دور الملكية في ضمان الاستقرار، وضع الرباط في قلب التحولات، واستيعاب التحديات الدولية. السرد يُرفَع لدرجة أن عبارة «حفلات»، «غضب»، «نشاطات فنية» تُستعاد في الحلقة بينما يتم تغييب المشهد السياسي العام.
الشباب ليس بلا مسؤولية
بعيدًا عن شخصية متهورة، كما حاولت لوموند في حلقتها الثانية ترك الانطباع، كان عهد الملك محمد السادس، في سنواته الأولى، محطة لإطلاق إصلاحات متقدمة: مراجعة مدونة الأسرة، إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، الانفتاح على إفريقيا، إصلاحات سياسية وحقوقية، وتعزيز المؤسسات. هذه الحقائق لم تُذكر لا في الحلقة الأولى ولا في الحلقة الثانية، لكنها ذكرت بتفصيل في الفصول الأربعة من كتابي ولا سيما الفصلين الأول (الحكامة السياسية) والثاني (الحكامة التنموية). لقد تجنبتهما لوموند عن قصد بينما تم التركيز على الترفيه. وهذا الخيار المنهجي لا يقدم صورة دقيقة عن ملكية تدرك قيمتها في تبني التحديث بدون إفراط، والتوفيق بين التراث والانفتاح بلا تفريط.
استنتاج: بين طموح الكشف الواهم وواقع التشويه الصادم
الحلقة الثانية، التي رسمت لأن تكون مفتاحا لفتح المغاليق وكشف النقاب عن «لغز محمد السادس»، لم تكشف في الحقيقة عن أي لغز؛ بل أسبغت على نفسها ضبابية المنهج ولا موضوعيته: التحقيق المبني على الأحاسيس، والحبكة المتحيّزة، والتغليب المتكرر للجانب النفسي. عبر عدسة نفسية ضيقة، يشارك المؤلفان أو المخرجان لهذه الحبكة في إعادة بناء شخصية تطغى عليها سمات السطحية والانغلاق، بينما الملك، على مدى ربع قرن، قدّم نموذجًا استراتيجيًا وذهنيًا وسطيا أفلح إلى حد كبير في التوفيق بين عراقة النظام ورؤية سياسية حداثية.
الحقيقة الساطعة هي أنه ما وراء الكليشيهات الساعية بخبث لتحطيم الشخصية، الملك محمد السادس هو نموذج ملكية مغربية ديناميكية تقترح للشعب: الحكامة، العدالة الاجتماعية، والاستقرار.
أخيرا، لسنا هنا بصدد تأليه الملك أو تجريده من صفاته البشرية، لكن من الإنصاف القول إن هذا النوع من الخطاب المختزل والمشوَّه الذي تبنته ''لوموند'' في الحلقة الثانية من سلسلة "لغز محمد السادس" لا يرقى إلى مستوى الجدية والتحليل المسؤول.
الدكتور محمد براو، خبير دولي في الحكامة ومؤلف كتاب "الحكامة الجيدة على ضوء التوجيهات الملكية"
