الجمعة 24 مايو 2024
كتاب الرأي

وحيد مبارك: فاتح ماي.. الورش النفسي لمقاربة النوع داخل الإدارات العمومية؟

 
 
وحيد مبارك: فاتح ماي.. الورش النفسي لمقاربة النوع داخل الإدارات العمومية؟ وحيد مبارك
العديد من مطالب الشغيلة، ونحن على بعد أيام قليلة عن عيدها الأممي، فاتح ماي، ليست بالضرورة مالية، تقوم على تحسين الأجور والزيادات فيها وغيرها من "الماديات" التي يرى عدد ليس بالهين من العاملين أنها تحفّز أكثر على العطاء والمردودية، فهناك تفاصيل أخرى تؤلم  أكثر من ألم "الفقر". تفاصيل توجع الأنفس، وتدمي القلوب، وتحزن العيون، تلامس ما هو نفسي في العمق فتكسر شخصية الإنسان وتحرق كل ما هو جميل فيه وتدفع به إلى اليأس والإحباط وإلى فقدان الثقة.
 
مطالب، لايصرّح بها الكثير من الموظفين والمستخدمين، لكن نقاشاتهم الخاصة تكشف عن حجم اتساع رقعتها، وتؤكد حضورها بقوة بين "تركيبات مصلحية" تحتمي في بعضها البعض، باعتماد منطق يقوم على الولاءات وعلى أشياء أخرى، ويتعلق الأمر بأعطاب في السلوك والمعاملة، سببها تسلط بعض المسؤولين، وليس الكلّ، وسعيهم لتصريف أمراض وعقد يعانونها، بالتحكم في رقاب من جعلتهم الأيام، والمراتب، والمناصب، والسلاليم تحت إمرتهم، فلا يخجلون من البحث عن الفرص والمناسبات لتأكيد ساديتهم، بتعنيفهم وإهانتهم بشتى الطرق، مستغلين عدم قدرتهم على الكلام تفاديا للشطط في استعمال السلطة، وتلافيا لأجرأة الانتقامات الشخصية في التنقيط، والتنقيل، وفي غيرهما من الخطوات الإدارية...
 
إنه واقع مسكوت عنه، وإذا ما تم الكشف عن تفاصيله في حال ما توفرت إرادة فعلية لذلك، فالأكيد أن طبقة الثلج "المستترة" التي توجد في القعر ستُدهش بشكل كبير من كان يظن بأن حجمها يقتصر على ما كان يطفو على السطح، بين الفنية والأخرى، علما بأن هذا الوضع المعتل، لا يقف عند حدود "الذكور" الذين يدفعون النساء لمواجهة كل "الهوامش المرضية" والتصدي لكل "البيئات" التي تزكم نتانتها الأنوف، متوارين خلفهن بهدف الحفاظ على صورهم من "الخدش"، حتى وإن كانت عنوانا على كل "البشاعات"، وإنما يشمل كذلك بعض "الإناث" هن أيضا، اللواتي وبكل أسف، يجعلن من بنات جنسهن خصما لهن على أكثر من مستوى، وهذا نقاش آخر؟
 
وبالعودة إلى "عيد الشغيلة الأممي"، يمكن لنا أن نطرح سؤالا عريضا حول ما الذي يحول دون أن يشكل الحدث مناسبة لفتح هذا "الورش النفسي"؟ وما الذي يمنع من تشكيل الحكومة لخلايا مستقلة، تحظى مكوناتها بالمصداقية، بعيدا عن مراكز استماع "شكلية"، بالاعتماد على مكونات مدنية وحقوقية لما لا، تسهر على البحث في تفاصيل يوميات موظفات في إدارات عمومية مختلفة وفي جماعات ترابية وحتى في بعض مؤسسات القطاع الخاص، فتلتقي بهن وتستمع إليهن وفقا لجدولة زمنية ومجالية، على أن تكون الإفادات المتوصل بها محاطة بكل ضمانات السرية واحترام الخصوصية؟ خطوة من هذا القبيل، كم سيبلغ حجم العطب النفسي الذي قد تكشف عنه، وبهذه المناسبة وعلاقة بتصريحات رسمية سابقة لوزارة الصحة تتعلق بمدّ الأمراض النفسية في بلادنا بشكل عام، ما الذي يحول دون البحث في عدد وطبيعة الملفات المرضية ذات البعد النفسي التي وجدت موظفات أنفسهن يدلين بها في مرحلة من مراحل مسيرتهن الوظيفية، وهن اللواتي ولجن الإدارة في اليوم الأول لهن في وضعية نفسية لا يطبعها التعثر ولا تحتاج لأدوية ومسكّنات وغيرها، فإذا بحالهن ينقلب بعد طول صبر ومعاناة، ولما لا كذلك لا يسلّمن المشرفين على عمليات الاستماع ما يتوفرن عليه من "توثيق" يتبث ويؤكد طبيعة ما يعشنه من آلام تعرضن لها ومصادرها؟
 
إن جردا من هذا القبيل، إذا ما تم القيام به، وتم تقاسم نتائجه مع الرأي العام، سيزيل غماما كثيرا يغلّف العديد من الشعارات، وسيمحي كمّا ليس بالهيّن من المساحيق الرديئة، التي لم تتمكن السياسات "الوظيفية" والتدابير ذات الصلة بمجال "الشغل" من علاجها، لأنها أعدّت على أساس معطيات معزولة لا تلتقي عناصرها مع باقي التفاصيل التي من شأنها أن تسمح بتشكيل صورة فعلية لواقع يحتاج لأكثر من دواء، ويحول ولو في حدّ أدنى من أن "ترتقي" مثل هذه الممارسات لتجد نفسها ضمنها خانة "الاتجار في البشر" بشكل أو بآخر!