الأحد 25 فبراير 2024
فن وثقافة

المسرح المغربي في مواجهة وزارة الثقافة: محمد بهجاجي يقترح جيلا جديدا من الإصلاحات

المسرح المغربي في مواجهة وزارة الثقافة: محمد بهجاجي يقترح جيلا جديدا من الإصلاحات محمد بهجاجي

كيف يفكر الكاتب والناقد المسرحي محمد بهجاجي في الوضع الحالي للمسرح المغربي وآفاقه؟ ما هي العبر المستخلصة من التاريخ المسرحي المغربي؟
ما هي الحلول المقترحة من طرفه للنهوض حتى يصبح المسرح المغربي ناهضا مستقبلا؟ 
تلك بعض الأسئلة التي يجيب عنها بهجاجي في تدوينة نشرها مساء 14 مارس 2023. تنشرها "
أنفاس بريس" كالتالي:

شاركت أمس (الاثنين13 مارس 2023) في اليوم الدراسي الذي نظمته وزارة الشباب والثقافة والتواصل حول موضوع "آليات تطوير المسرح المغربي بين التجديد والابتكار"، بمشاركة نخبة من الفاعلين والمهنيين والباحثين والجمعيات والمؤسسات المعنية بالشأن المسرحي. ولقد سعيت، ضمن الوقت المخصص لي، إلى أن أبسط عناصر من دراسة أعددتها بالمناسبة، وسأنشرها لاحقا، تتعلق برصد المنظومة القانونية التي أطرت الممارسة المسرحية منذ الاستقلال إلى اليوم، أعطابها والاستشرافات.
من هذه العناصر أن تاريخ المسرح المغربي، إلى حدود سنة 1998، كان تاريخ اللحظات التأسيسية المجهضة، بدءا من تعطيل مشروع "فرقة التمثيل المغربي" باعتبارها النواة المسرحية الأولى، وتعطيل توصيات اليوم الدراسي سنة 1973، ثم تعطيل أدوار مسرح محمد الخامس، إضافة إلى تعطيل مهام المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي.
لكن في سنة 1998، ستتحقق لحظة تأسيسية جديدة وضعت رهان تأطير الممارسة المسرحية ضمن تصور استراتيجي يقر إرساء نظام جديد يتألف من مباشرة إقرار نظام لدعم الإنتاج والترويج، وتأسيس الموسم المسرحي، مع البدء في مشروع الفرق الجهوية... ثم مباشرة فتح ملف قانون الفنان. ولقد اعتبرتُ أن هذه اللحظة مهددة باستمرار بفعل ارتباك الممارسة الحالية. إلى أن وصلت إلى خلاصات أقترح هنا نصها، كما في الدراسة، إسهاما مني في إثراء النقاش حول راهن ومستقبل مسرحنا المغربي، والتجاوب مع صديقاتي وأصدقائي المعنيين بنهضة القطاع:
نص الجزء الأخير من دراستي:على سبيل التركيب:
نخلص، في نهاية هذه الدراسة، إلى تأكيد عناصر للتفكير تشكل، بالنسبة إليّ على الأقل، مدخلا لبحث قادم حول تصورات مستقبلية للسياسة العمومية في هذا القطاع، وتتواصل مع ما أنجز أو طرح من أفكار ومبادرات سابقة.
لقد عاينا مناظرات وندوات نظمتها وزارة الثقافة حول المسرح المغربي، كما تابعنا مختلف المشاريع والمقترحات التي صدرت عن تلك المنتديات، أو عن تصورات فردية وجماعية على نحو ما عرضناه على امتداد هذه الدراسة، بدءا من توصيات ندوة المسرح المغربي (1973) التي كانت النواة المطلبية الأولى المعلقة في الهواء إلى اليوم، وانتهاء بالخطة الوطنية لتأهيل القطاع المسرحي (2012) التي كانت مشروعا عمليا افترض مهندسوه أن نجني ثماره سنة 2015، وأن تنتهي مرحلته الأولى سنة 2020. والنتيجة أن كل ما تم تقديمه كقوة اقتراحية لم يؤخذ به في بعده الشمولي والاستراتيجي، علما أن كل ما تحقق قد تم فقط بفضل إرادات شخصية لبعض الوزراء الذين تجاوبوا مع القوة التفاوضية لممثلي القطاع.
تنطلق هذه العناصر، أولا، من اعتبار أننا لا نزال نعيش، إلى اليوم، اللحظة التأسيسية الأولى الممتدة من سنة 1998 إلى سنة 2022 (مجال هذه الدراسة)، والتي يمكن اعتبارها رغم منحنيات التطور والتراجع لحظة دينامية بامتياز ما دامت حلقاتها تمتد بفعل جدل تراكم المكتسبات، ومقاومة الأعطاب الذاتية والموضوعية. إنها تمثل إذن الجيل الأول من الإصلاحات، وقيمتها الأساسية ممثلة في تكريس العمل التعاقدي ما بين كل المعنيين، وفي إنضاج مبدإ الشراكة، وإعمال الشفافية في تدبير المال العمومي، والسعي الدائم نحو التطوير والتجديد. ومع ذلك فنجاحها في المستقبل رهين بشرط أن يتجاوز القطاع ذاتيا كل عناصر الهشاشة فيه، وأن تطور الإدارة عملها، وتخلصه من طابعه البيروقراطي الثقيل حتى لا تتعرض المكتسبات الحالية، من حين لآخر، إلى نوع من التهديد بنسفها كاملة، والعودة إلى درجة الصفر في التعامل مع القطاع المسرحي. كما حاولنا إبراز ذلك من خلال مواقف بعض الوزراء. هذا الواقع يفرض على المصالح الحكومية وشركائها في القطاع ولوج زمن الإصلاح من جديد عبر جيل آخر من المبادرات يسير ضمن اتجاهات متقاطعة متكاملة بخطوات متدرجة:
في هذا السياق نرى أن المطلوب مرحليا ليس الاكتفاء بتقديم تصور أو خطة متكاملة لممثلي المصالح الحكومية كما كان يحدث في السابق. بل إعداد ملفات جزئية تخاض حولها معارك جزئية يكون المخاطبَ فيها ليست وزارة الثقافة وحدها، بل الحكومة والجهاز التشريعي معا تماما كما حدث أثناء التفاوض حول موضوع قانون الفنان. ومن المطلوب كذلك أن يكون القطاع الخاص والهيئات المنتخبة المخاطبَ بحسب طبيعة الملفات. كما سيكون من المفيد تنظيم حملات يتم من خلالها إشراك قطاعات واسعة من الهيئات الثقافية والفنية، ومن البرلمانيين وممثلي المجتمع المدني، ووسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية للتوعية والتحسيس والتأثير في الرأي العام.
1- من الملفات التي يقتضيها المدى القريب:
أ- ملف إنشاء هيئة وطنية (1) (أو مجلس أعلى، أو مركز للمسرح المغربي، أو صندوق خاص لتنمية هذا القطاع وذلك بحسب ما تقتضيه السياقات) بهدف مأسسة الدعم العمومي بما يعنيه من هياكل قانونية وإدارية تفكر في الصلاحيات والموارد والتدخلات، بدون البقاء دائما رهينة بقرارات الوزراء واختياراتهم الذاتية وأمزجتهم الخاصة.
ب- ملف التشريع عبر تجديد النضال من أجل التسريع بمتابعة إصدار القوانين التنظيمية المتضمنة في القانون الجديد للفنان والمهن الفنية.
ج- ملف نظام الدعم بمختلف أشكاله (الإنتاج والترويج والتوطين والجولات...)، وإخضاعه لقراءة جديدة تملأ البياضات، وتعالج الأعطاب التي أفرزتها التجربة. قراءة تسير نحو الرفع من نسبة الدعم، وإقرار حوار مثمر بين أعضاء اللجن والفرق المرشحة قصد تعميق الشفافية في اختيار المشاريع...
د- ملف العلاقة بالإعلام المرئي والمسموع من أجل انخراط جدي في دعم الإنتاج والترويج والإشهار للأعمال المسرحية.
2- من الملفات التي يقتضيها المدى المتوسط ثم البعيد:
أ- ملف الفرق الجهوية الذي ينبغي إعادة إحيائه على ضوء دستور 2011، ووفق مرتكزات الجهوية المتقدمة وتوجهات النموذج التنموي الجديد، وذلك بفتح ورش إصلاحي تنخرط فيه الهيئات المنتخبة محليا وجهويا،
ب- ملف وضع استراتيجية لعمل المسارح المتواجدة على تراب المملكة عبر توحيد إطارها القانوني، وتمتيعها بميزانية قارة وببنية إدارية وفنية وتقنية مستقلة مع عقلنة ارتباطها بأجهزة الوصاية (وزارة الثقافة في حالة دور الثقافة، والهيئات المنتخبة في حالة المركبات الثقافية، أو الجيل الجديد من المسارح المنشأة أو التي هي قيد الإنشاء، في وجدة والرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس...). في هذا الإطار يمكن استحضار تجربة إنشاء المسارح وإدارتها في كل من فرنسا(2) ومصر(3) مع مراعاة اختلاف السياقات، والتفكير، من جهة أولى، في وضع تصنيف قانوني خاص بهذه المسارح بحيث يصبح التمييز ممكنا بين المسارح الوطنية والجهوية والبلدية على سبيل المثال، ويحدد حجم الاعتمادات المخصصة لها من الأجهزة الحكومية أو غيرها. كما يمكن، من جهة ثانية، توجيه كل واحد من تلك المسارح نحو اختيارات متعددة: مسرح الجمهور الواسع، مسرح البحث والتجريب، مسرح الريبرتوار العربي والعالمي، مسرح الطفل...
ج- ملف بناء الجسور مع المسرح المدرسي والجامعي، ومع مسرح الهواة من خلال حوار وتنسيق مع وزارات التربية الوطنية والتعليم العالي والشبيبة والرياضة يهم تجويد هذه المسارح من التأطير الفني.
د- ملف التكوين المسرحي الذي تتقدمه فكرة إعادة النظر في الوجود الراهن للمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي لإصلاح الاختلالات التي يعاني منها. يليها التواصل مع شعب التكوين الفني داخل الجامعات، ومع المعاهد البلدية التي تظل على هامش الضوء رغم الدور الحيوي الذي تقوم به داخل المدن التي تتوفر على مثل هذه المعاهد، ورغم حاجتها إلى شروط عمل في مستوى ذلك الدور.
كل هذه الملفات تشكل، في تقديري، المدخل الملائم باتجاه أن نحيا في ظل جيل جديد من الإصلاحات كفيل بحماية اللحظة التأسيسية الراهنة من أي إجهاض أو تعطيل محتمل، وبجعل وتيرة الإصلاح قاعدة لتنظيم القطاع، لا فقط مجرد استثناء.
الهوامش الخاصة بهذا الجزء:
(1)  ظل هذا الموضوع يشكل، منذ عقود، مطلبا حيويا للحركة المسرحية. ويمكن الاعتماد في تطويره على تجربة إنشاء صندوق الدعم السينمائي بالمغرب برغم اختلاف معطيات الواقع بين قطاعي السينما والمسرح. كما يمكن الاستفادة من المشاريع والمخططات التي اعتمدتها دول عربية وأجنبية تبنت مبدأ دعم المسرح باعتباره خدمة عمومية.
(2) تشمل خريطة المسارح التي ترعاها الدولة الفرنسية، المسارح الوطنية في فرنسا، وهي خمس مؤسسات عمومية تعمل، تحت وصاية وزارة الثقافة، بوظائف متنوعة:
- لاكوميدي فرانسيز La Comédie- Françaiseوتناط به، بشكل عام، مهمة تقديم مسرحيات الريبرتوار مع ضمان إشعاعها الوطني والعالمي.
- مسرح الأوديون – مسرح أوروبا Théâtre national de l’Odéon – Théâtre de l’Europe ومهمته تنمية الإبداع المسرحي، خاصة دعم وترويج المسرح الأوروبي.
- مسرح لاكولين Théâtre national de la Colline وتستند له على الخصوص مهمة تطوير الكتابة المسرحية المعاصرة.
- مسرح ستراسبورغ Théâtre national de Strasbourg تناط به، إضافة إلى تقديم الأعمال المسرحية، مهمة التكوين الخاص بمهن العرض في حضن المدرسة العليا للفن الدرامي التابعة له (ESAD).
- مسرح شايوThéâtre national de Chaillot الذي صار يولي الصدراة لتطوير فن الرقص المعاصر، بالإضافة إلى تقديم الأعمال المسرحية.
بالإضافة إلى ذلك توجد مسارح أخرى مع اختلاف في صيغ الدعم وأغلفته من بينها المراكز الدرامية الوطنية (CDN) التي تجسد منظور اللامركزية التي تعتمدها الدولة، وتناط بها مهام دعم البحث والكتابة والتكوين والإنتاج والترويج بناء على تعاقد مع وزارة الثقافة على أساس دفتر تحملات بالتزامات محددة، والفضاءات أو الخشبات الوطنية Scènes nationales والفضاءات أو الخشبات المتعاقد معها Scènes conventionnées.
(3)  يسهر البيت الفني بوزارة الثقافة المصرية، مثلا، على رعاية اثني عشر مسرحا تابعا للدولة. ويوجه أغلب هذه المسارح نحو مهام محددة (الريبرتوار أو التجريب أو الكوميديا أو الاطفال والعرائس...). من بين هذه المسارح: المسرح القومي في الصدارة، ثم المسرح الحديث، مسرح الطليعة، مسرح العرائس، مسرح الغد، مسرح الشباب وغيره.