الأحد 23 يونيو 2024
سياسة

عائشة البصري:دروس مواطنة من المنتخب المغربي لم يلتقطها فلول الاستعمار

 
 
عائشة البصري:دروس مواطنة من المنتخب المغربي لم يلتقطها فلول الاستعمار عائشة البصري، مسؤولة أممية سابقة، وعناصر المنتخب الوطني
تحدّي قطر الحملة الغربية، وتقديمها نسخة استثنائية لكأس العالم لكرة القدم، وإنجازات المنتخب المغربي وسلوك لاعبيه، أجبرت جزءًا من الإعلام الغربي على مراجعة نظرته إلى العرب والمسلمين، فأشاد بمَشاهد لاعبين مغاربة وهم يقبّلون جبين أمهاتهم ويحتفون بعائلاتهم وبهويتهم المسلمة. ظهر ذلك في غزارة العناوين الإيجابية لكبرى الصحف العالمية، بما فيها "الغارديان" البريطانية التي تناست حملتها ضد قطر وتنميطها العرب والمسلمين، فعنونت "فريق كرة القدم المغربي يحطم الأرقام القياسية والصور النمطية في المونديال" و"فخر المغرب بالإسلام يجب أن يُلهمنا جميعاً". لكن التوقف عند هذا الجانب المشرق لا يكفي لاستخلاص دروس من الفرْق الذي أحدثته مشاركة المنتخب المغربي في هذا المونديال، فلقد وُجّهت له ولمشجّعيه انتقادات تعدّدت بتعدّد الأطراف التي تلعب بنار الهوية والانتماء، ليس فحسب في أوروبا وبعض دول عربية، بل في المغرب ذاته.
لا بدّ من الاعتراف، بداية، بأن الصّور النمطية للعرب والمسلمين التي تراكمت قرونا ما زالت راسخة في أوروبا، ولن تزول بفعل الانطباعات الطيّبة التي تركها مونديال قطر، فقُبيل مباراة نصف النهائي بين المنتخبين المغربي والفرنسي، نشرت صحيفة "دي فولكس كرانت" الهولندية رسم كاريكاتير يُصوّر شابّين مغربيين مبتهجين وهما يمتطيان درّاجة نارية مُسرعة ويرفع أحدهما علما أحمر تتوسطه نجمة خضراء، بينما يحمل الآخر كأس العالم الذهبية وقد سرقها من يدي رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، صورة تُختزل فيها إنجازات المنتخب المغربي في السّرقة، في إشارة إلى الصورة النّمطية لأبناء الهجرة المغاربية المرتبطة بالإجرام والانحراف.
أما قناة "فيلت" (Welt) الألمانية، فلقد بثّت تقريرًا يتهم ضمنيا لاعبي المنتخب المغربي بالتعاطف مع إرهابيي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بمجرّد وضعها صورة اللاعبين عبد الحميد صابيري، وزكريا بوخلال، وإلياس شاعر وهم ُيمسكون بالعلم المغربي ويرفعون سبابة الحمد احتفالا بتأهلهم لنصف نهائي مونديال قطر، إلى جانب صورٍ لعناصر "داعش"، وهم يرفعون سبابتهم إلى السماء. وقد دفع احتجاج المغاربة على القناة إلى الاعتراف بـ "خطئها"، على عكس لا مبالاة القنوات الفرنسية التي عجّت شاشاتها بضيوف نفثوا بكل أريحية عنصريتهم في وجه الفرنسيين المتحدّرين من أصول مغربية الذين احتفوا بفوز المغرب على دُول يحملون جنسيتها في بلجيكا وإسبانيا والبرتغال، في لحظةٍ نادرةٍ للتعبير عن فخرهم بهويتهم، ورفعهم تقدير الذات في أوطان تحطّ من شأنهم وشأن أمهاتهم وأَخَواتهم باستمرار.
في فرنسا، لوّحت شخصياتٌ سياسية وإعلامية ومثقفو الكراهية بخطر "الولاء المزدوج"، و"الإدماج المستحيل" و"فشل سياسات الهجرة" وأنذرت بـ "تمرّد" و"انتفاضة" و"حرب أهلية" في حال فاز المنتخب الفرنسي على نظيره المغربي، وقد حدث عكس ذلك. عقب فوز فرنسا، شنّت مليشيات عنصرية ُمُلثّمة، بما فيها مليشيا "زواوة باريس" Les Zouaves de Paris، هجمات بالعصي على مشجّعي المغرب في باريس ونيس وليون ومونتبيلي، مردّدة شعار "أزرق، أبيض، أحمر، فرنسا للفرنسيين"، وتسبّبت إحدى هذه الهجمات العنصرية في مدينة مونتبوليي في وفاة طفل لا يتعدى عمره 14 سنة.
كالعادة، لم يحظ اعتداء الفاشيين الفرنسيين على أبناء الجيل الثالث للهجرة المغربية في فرنسا بالتغطية العالمية التي تخصّص لأحداث الشغب المنسوبة إليهم. ولا شك في أن الاعتداءات العنصرية والإهانات والتمييز والتنمّر الذي يتعرّض له المتحدرون من الهجرة المغاربية في أوروبا، وعائلاتهم المهمّشة في غيتوهات المدن الأوروبية، لعبت دورا في اختيار 14 لاعبا مغربيا ولدوا في فرنسا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وكندا، الانضمام إلى صفوف المنتخب المغربي، رفضا لأوطان طاردة، استثمرت في تكوينهم، لكنها تحارب هويتهم، ولا تُشعرهم بدفء الانتماء الذي تمنحه لهم أصولهم المغربية.
رحّب مغاربة الداخل بإخوانهم في المهجر، سيّما وأنّ عددا منهم قدّم أكبر دليل على مغربيتهم، برفضهم اللّعب في صفوف الدول التي نشأوا فيها ولعبوا في أنديتها، أشهرهم حكيم زيّاش، الذي هاجمه الإعلام الهولندي وشتمه جمهور فريق "أجاكس" وقذفه بقوارير مياه لرفضه الدفاع عن القميص البرتقالي الذي ارتداه في فئة الشباب، قبل أن يُنصِت لقلبه ويردّد قولته الشهيرة: "دمي ليس برتقاليا كي ألعب لهولندا، دمي أحمر مثل علم المغرب". زيّاش الذي عاش طفولةً قاسيةً طبعها الفقر والشعور بالضياع بعد وفاة أبيه، وتعاطَى المخدّرات وكاد أن ينحرف لو لم ينقذه حبّه أمّه التي يعيش لإسعادها، كما قال.
تكرّر الموقف ذاته مع أشرف حكيمي، الذي نشأ في إسبانيا، ولعب مع منتخب الشبّان الإسباني بضعة أيام بالكاد لَمَسَ خلالها الكرة، فأدرك بعد يومين أنه سيكون مهمّشا في صفوف المنتخب الإسباني، واعترف أن تجربته القصيرة لم تشعره أنه في بيته، فاختار لاحقا القميص المغربي رغم إصرار إسبانيا على ضمّه لمنتخبها الوطني. هو ابن بائع متجوّل وأمّ نظّفت بيوت الإسبان كي يحقّق حلمه، ولم يخذل الابن الموهوب تضحياتهما. تكرّرت التجربة مع سفيان أمرابط ونصير مزراوي وعبد الحميد صابيري، وغيرهم ممّن آثروا ولاءهم لوطن الأمّ والأب. ولم تختلف مسيرتهم عن تجربة مدرّبهم، وليد الركراكي الذي ولد في وسط متواضع في فرنسا، في ضواحيها المهمّشة تحديدا، فاضطرّ لاستعارة أول حذاء رياضي من صديقة البرتغالي. يتقن الفرنسية والاسبانية والإنكليزية، إضافة إلى الدارجة المغربية. وقد توفّق في التواصل بأريحية مع جميع أعضاء المنتخب، ولمَّ شمل مغاربة الداخل والخارج في وقت قياسي، مردّدا أن المغربي يظل مغربيا بغض النظر عن موطن نشأته، طالما يقاتل من أجل القميص الأحمر. ولعلّ أهم إنجازات هذا المنتخب أنه وسّع الهوية المغربية المركّبة ليتلاحم المُكون الأوروبي مع نظيره العربي البربري الأفريقي. أن تكون مغربيا بعد مونديال قطر يعني أيضا أن تكون أوروبي النشأة أو الترعرع أو الاحترافية.
أصرّ أفراد هذا المنتخب المغربي الدولي، المطبوع بخلفية الهجرة، على إبراز هويتهم المُبغَضة في زمن الإسلاموفوبيا، فأعلوا من شأن الأمّ، المرأة المحجّبة المنبوذة في أوروبا المتطرّفة، حتى أدرك الاعلام الغربي أن قيم مجتمعاتنا تدور حول تلاحم العائلة وطاعة الوالدين ورضاهم، وتبجيل الأمهات؛ مجتمعات لا ينفصل فيها الأبناء عن الآباء بمجرّد بلوغهم سن الرشد، ولا يُلقي الأولاد بالوالدين في دور العجزة بمجرّد أن يتقدّم بهم العمر؛ مجتمعات لا تقبل بدكتاتورية الجندرة والجنس الثالث ولعبة العبور والإبهام الجنسي وغيرها من قيم تسعى الإمبريالية الثقافية الغربية إلى فرضها على مجتمعاتنا، والتشويش من خلالها على الهوية الجنسية البيولوجية، مثلما أجج الاستعمار الطائفية والحروب الإثنية والهويات القاتلة في أوطاننا.
وبينما التُقطت هذه الرسائل البليغة في الغرب، لم تصِل فئةً من مجتمعاتنا غير المتصالحين مع العروبة، مثلما جسّدتها تصريحات كل من المحلّل الرياضي التونسي، خالد حسني، والإعلامي الطبيب المصري خالد منتصر. كاد ينفجر الكابتن حسني في تعليقه على بلوغ المغرب نصف نهائي المونديال، مردّدا أن الفريق المغربي ليس عربيا وليس أفريقيا، وإنما أوروبي فقط. اختزل حسني المنتخب في الـ 14 لاعبا الذين ولدوا خارج المغرب، وأقصى الآخرين، الـ 12 لاعبا الذين ولدوا وتكوّنوا في المغرب، إضافة إلى الحارس ياسين بونو، الذي ولد في كندا وعاد طفلا مع عائلته إلى المغرب، في هجرة عكسية، وتكوّن في صفوف الوداد البيضاوي، قبل أن تشتريه أندية إسبانية، شأن ثلاثة لاعبين من التشكيلة الرئيسية، عز الدين أوناحي الذي أبهر المدرب الإسباني لويس إنريكي، ويوسف النصيري، ونايف أكرد، ورضا التكناوتي، الذين تكوّنوا في أكاديمية محمد السادس لكرة القدم. لم يعترف حسني بأن نوادي المغرب وأكاديميته تصنع النّجوم وتصدّرها إلى أوروبا، بل أضاف أكذوبة يروّجها بعض غلاة الحركة الأمازيغية في المغرب وخارجه، بادّعائه أن "كل أعضاء المنتخب المغربي أمازيغ"، يتحدرون من هجرة الريف المغربي إلى أوروبا؛ ادّعاء لا يحتاج إلى المحاججة لشدة عبثيته.
أما الإعلامي خالد منتصر، فقد أضاف إلى هلوسة حسني بعدًا عرقيا بقوله: "محاولة تصوير الانتصار المغربي أنه انتصار عربي هو تدليس لا علمي، فمن خلال رسم الخريطة الجينية معظم المغرب أصلهم أمازيغ لا عرب". روّج كثيرون مسألة "جذور البربر" التي يجري طرحها في قالب عِلمي، لا لخدمة أهداف معرفية بحتة، وإنما لتوظيفها أداة لمعاداة العرب والعروبة، وخدمة أسطورة "شعب الأمازيغ" الأصلاني التي تخدم أجندات سياسية انفصالية. انتشرت مثل هذه الادّعاءات مع زيادة الدراسات الجينية وشركات اختبار الحمض النووي لتحديد النَّسب الجيني، ما جعل "الجمعية الأميركية لعلم الوراثة البشرية" تشكّل لجنة علمية نظرت في الموضوع، وأوضح تقريرها الذي نشر في مايو/ أيار 2010 أن جلّ الدراسات في مجال الوراثة الجينية تستند إلى قاعدة بيانات "فريق التنوع الجيني البشري"، التي لا يزيد عدد عيّناتها الجينية عن 1.100 في عالمٍ يمكن رصد تطوّر البشرية فيه إلى ما يزيد عن ستة ملايين سنة، واعترفت أن الباحثين في هذا المجال لا يملكون القدرة على "أخذ عيّنات من السكان الأسلاف"، ولذلك يكتفون بدراسة "الشعوب بالوكالة"، ما يجعل نتائج دراسات الوراثة الجينية "علما غير دقيق"، يكون أحيانا "مجرّد تخمينات".
ومع ذلك يتشبث بعضهم بهذه الدراسات الملتبسة ليبرهن على أن العرب "دخلاء"، وأن "الأمازيغ" هم سكان المغرب الأصليون، ليذهب أكثرهم تطرّفا إلى الدعوة إلى طرد العرب "الوافدين". أما "الناشطون الأمازيغيون" فما زالوا يردّدون ما أنتجته الدراسات الكولونيالية الفرنسية وسياسة "فرّق تسد" التي انتهجتها فرنسا لضرب الإسلام، وما زالوا حبيسي التقسيم الاستعماري للمغرب إلى "شعبين" منفصلين جغرافيا ومُتناحرين عرقيا وسياسيا وثقافيا: العربي/ المسلم/ الغازي/ المستبد، وساكن السّهول من جهة، والبربري/ الأصلي/ المُضطهد في الجبال من جهة أخرى. وبينما فرّق الاستعمار بين البربر والعرب، فقد عمل أيضا على التقريب بين البربر والأوروبيين، ونفي وجود أي تأثير للموروث الإسلامي والعربي على البربر الذين تصدّروا الدفاع عن الإسلام ولغة القرآن 12 قرنا من عمر بلاد المغرب وإمبراطورياتها. لقد سعت فرنسا إلى عزل بعض المناطق البربرية عن السلطة المركزية للسّلطان (المخزن)، وحاولت إقصاء التشريع الإسلامي واستبداله بالأعراف في المناطق البربرية كي يخضع للقانون الفرنسي، فثار المغاربة جميعا على ما يعرف بـ "الظهير البربري".
صدَم البربر فرنسا وكانوا أول من حمل السلاح في وجهها، رافضين التفرقة بين الناطقين بالبربرية وباقي إخوانهم المغاربة. لكن من يحقّ توصيفهم بـ "فلول الاستعمار الفرنسي"، الناشطون الأمازيغيون المتطرّفون، يسعون اليوم إلى تحقيق حلم فرنسا المستحيل الذي مضى عليه حوالي قرن، متجاهلين حقيقة اختلاط الدماء والجينات، وتلاقح الثقافات العربية والأمازيغية والأفريقية على مدى قرون، إلى درجة يستحيل فيها الفصل بين أفراد المجتمع على أساس إثني أو ثقافي، أو حتى لساني. وأضاف هؤلاء إلى الموروث الكولونيالي الاستشراقي أساطير "شعب أمازيغ" المُتخيل، فنجحوا في ابتكار لغةٍ مصطنعةٍ تُكتب بحروف فينيقية (تيفيناغ) من اليسار إلى اليمين، في تضاربٍ مع الحرف العربي المكتوب من اليمين إلى اليسار، ثم اخترعوا جملة من الأساطير والأبطال والأعلام، وهم يضغطون اليوم بقوة على السلطات المغربية لترسيم "السنة الأمازيغية"، التي لا يوجد لها أثر قبل الدراسات الكولونيالية الفرنسية، في خطوةٍ إضافيةٍ تسعى إلى ترسيخ أسطورة "شعب الأمازيغ"، وفصل المغاربة الناطقين بالبربرية عن عمقهم العربي - الإسلامي، بمساعدة المنظمات الدولية، بما فيها البرلمان الأوروبي الذي يتحدّث عن "الشعب البربري"، والأمم المتحدة التي تصنّفه في خانة "الشعوب الأصلانية"، و"الأقليات"، بما يوحي باضطهاده من "شعب" آخر، ويبرّر مطالب الانفصال.
لم يعد النقاش في المغرب فئويا ونخبويا كما كان من قبل، فلقد تحوّل إلى مطالب بـ "الحكم الذاتي" من قادة احتجاجات الحسيمة (حراك الريف، 2016 - 2017) في حين جهر شركاؤهم في الخارج بمطلب "الانفصال" عن المغرب. وقد لعب فلول الاستعمار، بمن فيهم أحمد عصيد، ومنير كجي، وأحمد بودهان، وناصر الزفزافي الذي لم يتردّد في التصريح إن "الاستعمار الإسباني كان أرحم من الاستعمار العروبي المغربي"، لعبوا دورا في تلوين الأجندة الأمازيغية الموروثة عن الاستعمار الفرنسي بشعاراتٍ حقوقيةٍ قد تقود المغرب من الهوية إلى الهاوية، خصوصا وأنه يقابل تطرّفهم "الأمازيغي"، غلاة القوميين العرب الذين ينفون المكوّن البربري للهوية المغربية جملة وتفصيلا، ليختزلوها في العروبة، والعروبة فقط.
لقد فجّر مونديال قطر هذا الاستقطاب المُزمن، وعجّت منصّات فيسبوك وتويتر وإنستغرام، بنقاش في هوية المنتخب الوطني، بين من يرى فيه ممثلا للعرب فقط، ومن يرفض عروبته ويستبدلها بأمازيغيته، ومن يجزم بأفريقيته أولا، ومن ينفي كل ما سبق ومن يرى فيه فريقا أوروبيا خالصا. من الواضح أن هذه الفئة من المغاربة وغير المغاربة لم تلتقط رسالة المواطنة التي ضرب بها المنتخب المغربي المثل بالتحام أفراده، عربا وبربرا وأوروبيين وأفارقة، والتفافهم حول علم المغرب والنشيد الوطني وألوان القميص الوطني، وما يرمزون إليه من انتماءٍ إلى وطنٍ متعدّد اللغات والهويات والأهواء، غير قابل للتقسيم والتجزئة.