السبت 4 فبراير 2023
سياسة

الطيب دكار: بإرغام بوتفليقة على الاستقالة.. الجيش يؤكد بالدليل أنه هو الحاكم الفعلي في الجزائر (10)

الطيب دكار: بإرغام بوتفليقة على الاستقالة.. الجيش  يؤكد بالدليل أنه هو الحاكم  الفعلي في الجزائر (10) الطيب دكار والجنيرال قايد صالح ومشهد من حراك الشعب الجزائري
لم تصل العلاقات قط بين المغرب والجزائر، يقول الطيب دكار، الخبير في الشؤون الجزائرية، إلى هذا المستوى من التدهور أبدا طوال العقود الماضية، باستثناء حقبة الرئيس هواري بومدين، وتلك ميزة النظام الجزائري الذي أرغم بوتفليقة على الاستقالة سنة 2019 لإخماد غضب الشارع، لينادي بعهد جديد لم ير منه الجزائريون، في عهد عبد المجيد تبون المدعوم بالعسكر، إلا تكسير "الحراك الشعبي" الذي تعرض لقمع شديد طوال أيام الاحتجاجات التي كانت تنتظم في مسيرات حاشدة كل يومي ثلاثاء وجمعة قبل أن تتوقف خلال شهور الجائحة التي كانت بردا وسلاما وهدية من السماء نزلت على جنرلات الجيش وأنقذتهم من الجزع الذي أخذ بتلابيبهم. وحتى عند محاولتها العودة واجهتها قوات تبون وشنقريحة بالسجون والاعتقالات والتعذيب، لتخمد أنفاس الحراك. هذا الحراك الذي طالما نفى الشرعية عن رئاسة عبد المجيد تبون ورفع شعاره بصوت عالي: "تبون مزور جابوه العسكر.. ماكانش الشرعية"؛ كان هذا هو الشعار الذي ظل يصدح به الشارع الجزائري بالرغم من الحملة التطهيرية التي قام النظام الجديد بشنها على رموز النظام القديم. 
ويكشف الطيب دكار، في كتابه  "الجزائر/ اللاستقرار السياسي يطيل أمد القطيعة مع المغرب"، أن العديد من الوزراء السابقين تمت محاكمتهم بتهم الفساد وتحويل أموال عمومية، كما أن 30 جنيرالا تم الحكم عليهم وإدانتهم بأحكام قضائية، لكن بعضهم أطلق سراحه في ظروف غامضة، وآخرون عادوا من المنفى على متن الطائرة الرئاسية.
وفي النهاية، يؤكد المدير السابق لمكتب وكالة المغرب العربي للأنباء بالجزائر العاصمة،  أنها لعبة الجيش لإلهاء الشارع الغاضب من النظام الجديد الذي خرج من جبة العسكر، والذي أعلن منذ البداية وفاءه للعداء الموروث ضد المملكة المغربية، وبشكل أكثر فحشا بدا ذلك على لسان قائد الجيش الجنرال سعيد شنقريحة، وفي افتتاحيات مجلة الجيش التي تخلت عن دورها في نقل أخبار وأنشطة الجيش الجزائري وتفرغت لمهاجمة المغرب.
أما صوت الحراك المطالب برحيل جميع رموز النظام، فقد ظل مخنوقا لم تتأثر الانتخابات بالحشود الرافضة لهذه المسرحية، المطالبة بدولة مدنية حقيقية، وبعودة الجنرالات إلى ثكناتهم وانسحابهم من الحياة السياسية أو كما يسميهم الشارع صراحة: "العصابة".
يقول الطيب دكار: "يدعي مراقبون أن الجنيرال ماجور أحمد قايد صالح "استعرض كثيرا" الجيش بعد إعفاء بوتفليقة، وطوال الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية التي كان يعتبرها أساسية وذات أولوية  من أجل أي انتقال سياسي ومؤسستي في الجزائر. وبتعبير، جعل نائب وزير الدفاع السابق وقائد أركان الجيش، لعدة شهور، الجيش في واجهة الأحداث، إلى درجة أن الجميع يتفق، على المستوى الداخلي كما على المستوى الخارجي، بأن الجيش هو الذي يمسك في الواقع بزمام الحكم في الجزائر". ويتابع "ليس من العسير أن نعثر على حجج وأدلة على ذلك. أليس قائد صالح هو الذي استخدم الفصل 102 من الدستور لطرد الرئيس، بسبب عجزه الجسدي عن القيام بالمهام التي يفرضها رئاسة الدولة؟".
وتنص  هذه المادة على أنه "إذا استحال على رئيس الجمهورية أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدستوري وجوبا، وبعد أن يتثبّت من حقيقة هذا المانع بكل الوسائل الملائمة، يقترح بالإجماع على البرلمان التصريح بثبوت المانع.
ويُعلِن البرلمان، المنعقد بغرفتيه المجتمعتين معا، ثبوت المانع لرئيس الجمهورية بأغلبية ثلثي (2/3) أعضائه، ويكلّف بتولّي رئاسة الدولة بالنيابة مدة أقصاها خمسة وأربعون (45) يوما رئيس مجلس الأمة الذي يمارس صلاحياته مع مراعاة أحكام المادة 104 من الدستور.
وفي حالة استمرار المانع بعد انقضاء خمسة وأربعين (45) يوما، يُعلَن الشغور بالاستقالة وجوبا حسب الإجراء المنصوص عليه في الفقرتين السابقتين وطبقا لأحكام الفقرات الآتية من هذه المادة.
وفي حالة استقالة رئيس الجمهورية أو وفاته، يجتمع المجلس الدستوري وجوبا ويُثبِت الشغور النهائي لرئاسة الجمهوريّة. وتُبلّغ فورا شهادة التصريح بالشغور النهائي إلى البرلمان الذي يجتمع وجوبا.
ويتولى رئيس مجلس الأمة مهام رئيس الدولة لمدّة أقصاها تسعون (90) يوما، تنظّم خلالها انتخابات رئاسية.
ولا يحِق لرئيس الدولة المعين بهذه الطّريقة أن يترشح لرئاسة الجمهورية.
وإذا اقترنت استقالة رئيس الجمهورية أو وفاته بشغور رئاسة مجلس الأمة لأي سبب كان، يجتمع المجلس الدستوري وجوبا، ويثبت بالإجماع الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية وحصول المانع لرئيس مجلس الأمة. وفي هذه الحالة، يتولى رئيس المجلس الدستوري مهام رئيس الدولة. يضطلع رئيس الدولة المعين حسب الشروط المبينة أعلاه بمهمة رئيس الدولة طبقا للشروط المحددة في الفقرات السابقة وفي المادة 104من الدستور. ولا يمكنه أن يترشح لرئاسة الجمهوريّة"[.
"إن قائد صالح، يتابع الطيب دكار، هو أيضا من قام بإبلاغ بوتفليقة وأرغمه على تقديم استقالته "فورا"، داعيا إلى التطبيق الفوري للحل الدستوري القاضي بعزل الرئيس بعد نحو شهرين من المظاهرات الحاشدة التي تطالب بعدم ترشيحه لولاية خامسة. كما استقبل، مرتديا الـ "كندورة"، رئيس المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) ورئيس المجلس الدستوري، وهو أيضا الذي قرر بأن الانتخابات هي الحل الوحيد من أجل الانتقال المؤسستي في الجزائر، لاغيا بشكل نهائي تشكيل مجلس تأسيسي من أجل وقف ترتيبات الانتقال السياسي في الجزائر. بل إن قايد صالح هو من كان يجوب البلاد، طولا وعرضا، من أجل رصد المناورات العسكرية، بالذخيرة الحية، بينما كانت الجزائر ترزح تحت ثقل أزمة متعددة الأشكال، مقترنة بحراك يضع موضع تساؤل شرعية النظام القائم والطبقة السياسية التي انحدرت منه، بما فيها دور الجيش. وقد اختار قائد صالح المرشح تبون، بينما كانت طبقة أخرى من الجيش تشجع مرشحا آخر".
وأضاف دكار: "خلال تلك الشهور، كان قايد صالح هو  الذي يلقي خطب طويلة، أثناء زياراته للمناطق العسكرية، والتي كانت تبث في التلفزة العمومية، ليؤكد أن الجيش في كامل جاهزيته للمعارك، وأنه أنهى تدريباته. لكن ضد من كان الجيش يستعد؟ الجواب، للحفاظ على وحدة الجيش وتماسكه، في بلاد تشهد غليانا. غير أن العدو الخارجي الذي تلوح به الجزائر، منذ استقلالها لتوجيه الرأي العام نحو التهديدات تسعمله السلطات الجزائرية حين لا تجد أي شيء تمنحه للشعب الذي يواجه صعوبات في وجوده وعيشه، بما فيه الماء الشروب في العاصمة. إنها تريد من الشعب أن يصدق أن الجزائر  هي أقوى دولة إفريقية، وأنه نظامها الصحي هو أفضل نظام في العالم، وأن الجزائريين هم الذين نشروا الإسلام في الأندلس".
لقد كان الجنرال قايد صالح، قبل سعيد شنقريحة الذي حل محله بعد رحيله إلى دار البقاء، هو الكل في الكل، وهو وجه الجزائر الداخلي والخارجي عندما ركن بوتفليقة إلى الكرسي المتحرك وظلت الجزائر تسير مدة طويلة بدون رئيس أو على الأقل برئيس مشلول لا يتكلم ولا يرى ولا يسمع، ويثير شفقة الجميع، حتى خصومه. وهكذا ترك الجنرال قايد صالح ثكنته العسكرية لممارسة السياسة وتهيئة الظروف للرئيس الجديد، وهو ما كان الشعب الجزائري يخشاه عندما قفزت إلى ذهنه ذكريات العشرية السوداء التي أودت بحياة 200 ألف جزائري جلهم من المدنيين، وشردت آخرين وطردت الآلاف من قراهم بسبب غياب الأمن.