الأربعاء 30 نوفمبر 2022
كتاب الرأي

سكينة سربوت:تعزيز تشريعات النوع بقوانين لضمان حسن تنفيذها

سكينة سربوت:تعزيز تشريعات النوع بقوانين لضمان حسن تنفيذها سكينة سربوت

كثف المغرب مجهوداته لترسيخ حقوق الإنسان عامة، وحقوق المرأة بوجه خاص، من خلال تحديثه لترسانته القانونية وملاءمتها مع أحكام دستور 2011 والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها أو انضم إليها. هذا التفاعل الإيجابي مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية المتعلقة بتعزيز وتكريس هذه الحقوق، تم افتتاحه منذ انخراط المغرب في منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، من خلال مصادقته على مجموعة من الاتفاقيات الدولية، على الخصوص اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والبروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" CEDAW بهدف تكريس حقوق المرأة، فضلا عن مواصلته توطيد الحوار الإيجابي مع مختلف الهيئات الأممية والمؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان من جهة، ورصد إنجازاته من أجل النهوض بوضعية المرأة.

فمنذ اعتلائه عرش المملكة، سنة 1999حرص جلالة الملك محمد السادس، التأكيد على أهمية وضرورة النهوض بوضعية المرأة وإعطائها مكانة لائقة وجعلها فاعلة رئيسية في تطور البلاد، وضمان تكافؤ الفرص بين المواطنين والمواطنات لتحقيق التنمية وإقرار السلم الاجتماعي.

وتبعا لذلك، يعد المغرب من بين 134 دولة التي ينص دستورها على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، وحظر ومكافحة كل أشكال التمييز، بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي، مهما كان، فضلا على تمتيع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.

إدماج المرأة في السياسات العمومية

وفي هذا السياق، أقدم المغرب على القيام بإصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية من أجل إدماج المرأة في مخططات السياسات العمومية والبرامج الحكومية، في مجالات العدل والصحة والتعليم والشغل والمشاركة السياسية، وذلك ضمانا للمساواة بين الجنسين، ولتمثيلية شاملة للمواطنات والمواطنين.

وتضمن البرنامج الحكومي 2021-2026 مجموعة من الالتزامات الرامية إلى الارتقاء بوضعية المرأة المغربية منها العمل الحكومة على التقليص الإرادي للفوارق المرتبطة بمسألة النوع، وجعل كرامة المواطن أساس السياسات العمومية، من خلال الحد من الفوارق المجالية والاجتماعية وتحقيق المساواة وتوفير خدمات عمومية جيدة ومتاحة للجميع؛ ورفع نسبة نشاط النساء إلى أكثر من 30 في المائة عوض 20 في المائة حاليا؛ فضلا عن نهج سياسة شاملة تأخذ بعين الاعتبار نواقص الولوج والفرص والموارد التي تعاني منها المرأة في سائر السياسات العمومية.

وتندرج هذه الإصلاحات في اطار محاولة ترجمة خطة التنمية العالمية التي طورتها الأمم المتحدة مؤخرا والتي تتضمن تحقيق 17 هدفا من أهداف التنمية المستدامة (SDGS)  والذي يتطرق الهدف الخامس منها الى مسألة، " تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات ".

الملائمة مع القانون الدولي

ولضمان حقوق المرأة في جميع أنحاء العالم، أضحت الحاجة ملحة إلى إدخال تغييرات عميقة على بعض المقتضيات القانونية الوطنية لتتلاءم مع القانون الدولي، وهذا ما حتم على المغرب إصدار مجموعة من النصوص القانونية التي تسعى إلى تعزيز مكانة المرأة في عدة مجالات، بدءا بدستور 2011 والذي جاء بعدة فصول التي تكرس منظومة حقوق الانسان بشكل عام، وحقوق المرأة بشكل خاص. وتتجلى أهم الأحكام الدستورية التي تنص على المساواة بين الرجل والمرأة وحظر ومكافحة كل أشكال التمييز في الديباجة، والفصول 6 و 19، الفصل30، الفصل31، الفصل 146، الفصل164).

وبناء على ذلك، تمت ملاءمة التشريعات الوطنية مع عدد من أحكام الاتفاقيات الدولية على مستوى القوانين المبنية على المساواة والمناصفة منها القوانين المتعلقة بمحاربة العنف ضد النساء وبتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعاملات والعمال المنزليين وبمكافحة الاتجار بالبشر وبمجموعة القانون الجنائي بمدونة الشغل وبخطة العدالة بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها.

حسن تنفيذ التشريعات المبنية على النوع

كما تتعلق هذه القوانين بإعادة تنظيم المجالس العلمية وبمثابة مدونة الأسرة وبالصحافة والنشر وبسن قانون الجنسية المغربية وبالقانون الأساسي العام للوظيفة العمومية وبإعادة تنظيم الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بالاتصال السمعي البصري وبهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز وبمؤسسة الوسيط بالتعيين في المناصب العليا.

الرقابة على كيفية تنفيذ التشريعات

وعلى الرغم على أن هذه الإصلاحات الهيكلية تسعى بالخصوص الى تحسين نجاعة التدبير العمومي وإقرار مبادئ العدالة والإنصاف، فإنه أضحى يتعين على الجهات المعنية بصياغة التشريعات المبنية على النوع أن تراعي، أثناء عملية صياغتها، تضمين النصوص الكفيلة بضمان حسن تنفيذها، وعدم الانتظار لرصد عملية تطبيقها على أرض الواقع وتحديد الثغرات والعيوب التي قد تُثار مستقبلا، ومن ثم السعي إلى تلافيها بتعديلات لاحقة.

كما يقتضى الأمر فرض رقابة فعلية على كيفية تنفيذ التشريعات وتفسيرها، لتطبيقها بشكل لا يفرغها من مضمونها، أو يقود إلى نتائج معاكسة للأهداف التي جاءت تلك التشريعات لأجل تحقيقها، أو وجود تشريعات أخرى متعارضة معها يتم ترجيحها، مع تأهيل الجهات المعنية بتنفيذ تلك التشريعات، ورصد ميزانية كافية أو خطط واستراتيجيات واضحة لكيفية تحقيق الغرض من هاته التشريعات، والمساهمة في رفع القيود الاجتماعية والقانونية والثقافية التي تحول دون قدرة النساء على التماس العدالة الاجتماعية.

وهذا ما أشار له جلالة الملك في خطاب العرش لسنة 2022 ) حينما أكد جلالته بأنه لا يمكن النهوض بمغرب التقدم والكرامة إلا بمشاركة جميع المغاربة ومشاركة المرأة في جميع المجالات، ودعا إلى تجاوز سلبيات مدونة الاسرة ومراجعة بعض البنود التي تم الانحراف عن أهدافها. والتزام الجميع بالتطبيق الصحيح والكامل لمقتضياتها لأنها ليست للمرأة فقط وإنما هي مدونة تعطي للمرأة حقوقها والرجل حقوقه والأطفال حقوقهم، مشيرا إلى أن مدونة الأسرة تقوم على التوازن بين الرجل والمرأة على حد سواء.

فهذه التوجيهات الملكية خارطة طريق للحكومة والمجتمع المدني، لتطوير المنظومة القانونية المغربية، بما يتلاءم والتطورات التي يعرفها المجتمع المغربي والمنتظم الدولي، الامر الذي يستدعي اعتماد مقاربة تشاركية تتظافر فيها جهود كافة مكونات المجتمع من مؤسسات دستورية وسياسية ومجتمعية لدعم حقوق النساء والنهوض بوضعيتها.

 

سكينة سربوت باحثة في سلك الدكتوراه