الثلاثاء 4 أكتوبر 2022
مجتمع

الحنصالي: علمتني الراحلة العمراني أن الترافع في الإعاقة لا يتم فقط بالشعارات والتظلمات

الحنصالي: علمتني الراحلة العمراني أن الترافع في الإعاقة لا يتم فقط بالشعارات والتظلمات المرحومة سمية العمراني رفقة ذ. سعيد الحنصالي
بحلول يوم 18 غشت 2022، يكون عام مضى على وفاة الحقوقية سمية العمراني رئيسة تحالف الجمعيات العاملة في مجال إعاقة التوحد بالمغرب، والخبيرة المستقلة باللجنة الأممية المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والعضو سابقا بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان..
"أنفاس بريس" تنشر بهذه الذكرى الأليمة، شهادات عن زميلات الراحلة وزملائها من الحقل الحقوقي، الذين جايلوها وخبروا نضالها وترافعها لفائدة الأشخاص ذوي الإعاقة..
شهادة اليوم، لسعيد الحنصالي، أستاذ التعليم العالي بمعهد الدراسات والأبحاث للتعريب جامعة محمد الخامس: 

في يوم 29 يوليوز 2021، كنا مجتمعين في لقاء علمي، توثيقي، ترافعي، حقوقي، بالرباط في موضوع: "تغيير المنظور وتعزيز المقاربة القائمة على حقوق الإنسان في تصور الإعاقة في المغرب"، نظمه التحالف من أجل النهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة. لم تكن مرت على رحيل الأستاذ محمد الخادري إلا سبعة أيام، يومها تابعت الأستاذة سمية العمراني ذلك اللقاء عن بعد منذ بدايته على الساعة التاسعة صباحا وإلى أن فرغنا منه حوالي الساعة الواحدة زوالا، ورغم الشدة والعناء، كانت تشارك في كل تفاصيل النقاش، بكل يقظة ووعي بضرورة وأهمية جعل الترافع الحقوقي حول الإعاقة في صلب تمثل المعرفة وتملكها وفي صلب العمل التوثيقي. 
أستعيد هذه الذكرى بعد سنة كاملة، لأنها مدخل لما سأتحدث عنه في هذه الدقائق القصيرة.
الدرس الأول والأساسي الذي تعلمته خلال ما يقارب العقدين من العمل المشترك والصداقة التي جمعتني بالأستاذة سمية العمراني، هو أن الترافع في مجال الإعاقة، وهو مجال كما تعلمون هش وفتي، بل وفي كثير من الأحيان عرضة لكثير من الالتباس والارتباك في التصور والممارسة معا، أقول، كان الدرس أن الترافع في مجال الإعاقة لا يتم فقط بالشعارات والتظلمات، مع ما للشعارات من أهمية بالغة.
مع الأستاذة سمية العمراني ومعها الفقيد الأستاذ محمد الخادري تعلمت ومعي كل المشهد الجمعوي والثقافي والحقوقي في المغرب، أن أول مظاهر الترافع وأول مدخل لتقوية القدرات، يكون بالتوثيق العلمي والتشريعي والحقوقي وتقريب ما تشهده الإنسانية من علامات باذخة في تحويل موضوع الإعاقة وإشكالاتها إلى مختبرات تُصنع فيها آليات الترافع، كما تُصنع فيها أبجدية البحث العلمي وتُدقَّق فيها الأرقام والمعطيات حول مختلف القضايا العرضانية التي تهم الإعاقة، القضايا ذات الطابع الطبي والعلاجي، والقضايا ذات الطابع التربوي والتعلمي، والقضايا ذات الطابع الحقوقي والفكري والفلسفي، دون أن ننسى كل الإشكالات التي كثيرا ما تكون كابحة لدمج فعلي للأشخاص ذوي الإعاقة لا سيما الإعاقة الفكرية والنمائية والعصبية من أجل ولوج كريم لكل الفرص المتاحة لغيرهم في المدرسة والجامعة وسوق الشغل، وأقصد بها الإشكالات الخاصة ذات الطابع اللغوي والإدراكي والتعبيري والتفاعلي والتواصلي، والتي بدون تشخيصها وتتبعها، وبدون جعل التوثيق والبحث العلمي في خدمتها وأول مدخل لعلاجها وإيجاد حلول لتخفيف وطأتها، تكون القضية كلها في مهب الريح.
لذلك، لما يمكن اعتبار الترافع أولوية محصورة في الدفاع عن الكرامة من منظور حصري، أي الاعتراف فقط بالإعاقة باعتبارها شكلا من أشكال التنوع البشري في أجلى صوره. وعلى ما في هذه الصورة الترافعية من أهمية بالغة، لأنها المدخل الفعلي من أجل انتزاع كل أشكال الحق الأخرى، إلا أنها لا تزيد عن أن تكون الحرف الأول في أبجدية كثيفة وطويلة ومعقدة، تبدأ، بل وينبغي أن تبدأ بجعل البحث العلمي والتوثيق في مجال الإعاقة أولوية الأولويات من أجل بلوغ كل المقاصد الأخرى وبدونها لا بلوغ لأي مقصد كيفما كان.
خلفية هذا الخطاب أن المغرب وبعد عقود من الترافع المباشر، وبعد تشكل وعي حقيقي بأن الإعاقة ليست مسألة إحسان خاص أو عمومي، بل موضوع كرامة وثيقة الأركان، وبعد أكثر من عشر سنوات على المصادقة على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وعلى بروتوكولها الاختياري، ما زال المغرب يرواح مكانه في موضوع البحث والتوثيق والترجمة والنشر المُحَكَّم والمفهرس والمصنف والتكوين والإشعاع الأكاديمي وإنتاج الدلائل التوجيهية حول مختلِف القضايا التي تهم الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم وكل المعنيين والباحثين.
في الببليوغرافيا التي أعدها المركز الوطني للرصد والدراسات والتوثيق في مجال الإعاقة، والتي قدمت نتائجها في احتفالية رسمية يوم 27 ماي 2021 بالرباط، كانت الأرقام والإحصاءات والنتائج مؤسفة ومتواضعة ومثيرة لأكثر من سؤال من حيث حجم ما تم نشره وتوثيقه من دراسات علمية ومقالات مُحكَّمة وبحوث وترجمات ورسائل جامعية: ومن باب الإشارة فقط، فقط صدر في المغرب إلى حدود الانتهاء من إنجاز هذه الببليوغرافيا: 220 وثيقة باللغة العربية، و168 باللغة الفرنسية، و38 باللغة الإنجليزية، ووثيقة واحدة باللغة الإسبانية. أي ما مجموعه 420 وثيقة فقط.
إنه رقم مقلق ومتواضع جدا، بالنظر إلى عدد المؤسسات الرسمية الحكومية، وغير الرسمية،  والمؤسسات الوطنية الدستورية المعنية بموضوع الإعاقة على نحو عرضاني، والتي من مهامها جميعها إعداد التقارير والوثائق ونشر البحوث وتشجيعها، وإعداد التشريعات الخاصة بالإعاقة، وبالنظر إلى عدد المنظمات المدنية (جمعيات وشبكات وتحالفات وائتلافات) المعنية بالإعاقة في المغرب، وبالنظر إلى عدد الجامعات المغربية بمختبراتها البحثية ومراكز التكوين التابعة لها، وكلياتها ومعاهدها وباحثيها وأطبائها وخبرائها ومترجميها، وبالنظر إلى عدد الأحزاب السياسية المغربية التي يضع بعضها الإعاقة في صلب حملاته الانتخابية، وبالنظر إلى المنابر الإعلامية الورقية وغير الورقية.
فضلا عن كل ما سبق ذكره، فإن هناك محدودية كبيرة في الوصول إلى المعلومات والمعطيات والأرقام والنِّسَب حول الإعاقة بمختلف أطيافها. وهذا الأمر لا يمكنه أن يتأتى كذلك إلا بمأسسة البحث والتوثيق في هذا المجال، وبتصييره منظما ومنتظما وديناميا ومتطورا وولوجا سواء على مستوى المنصات الرسمية أو غير الرسمية.
حين بدأت هذا العرض بالدروس التي تعلمتها خلال عشرين سنة، وهي عمر العمل المشترك الذي جمعني بالأستاذة سمية العمراني والأستاذ محمد الخادري -وأجدني أكرر الإشارة إليهما، والمناسبة شرط كما تعلمون-، وعمر معرفتي بخبايا الإعاقة وهشاشتها وتنوعها وآلامها وأحلامها وأفراحها وأحزانها ورهاناتها ومتطلباتها وانتظاراتها، وما تحتاجه من وعي حقيقي وصادق لا يضمن فقط للأشخاص ذوي الإعاقة كرامتهم، بل ويحتفي بحجم ما يمتلكونه من حس مرهف وحساسية وقدرات كثيرا ما تكون مذهلة وكثيرا ما تحتاج فقط إلى دفع الثقة إلى أقصاها، أقول: حين بدأت هذا العرض بالدروس التي تعلمتها، كنت أود أن ألفت أنظاركم إلى أمرين في غاية الأهمية:
- أولهما، أنه رغم قتامة الصورة التي قد يبدو أنها طغت على ما سبق من حديث، فإن إنجازات عميقة وخالدة تحتاج منا إلى كثير من الإكبار والاحتفاء والاعتراف في مقامنا هذا، أهمها ما أنجزه الفقيدان داخل مشتل التحالف من أجل النهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة وتحالف التوحد في المغرب، ورفقة كل أعضاء التحالفين من الشرفاء والمكافحين. فخلال هذين العقدين، لا أظنني أجانب الصواب إن قلت إن حجم الوثائق التعريفية والمذكية للوعي والأبحاث حول الإعاقة بقضاياها العرضانية المختلفة، والوثائق الترافعية والتقارير الموازية وبأكثر من لغة، التي تم إصدارها داخل هذين التحالفين، يضاهي ما صدر ويصدر في ما تبقى من البنيات الرسمية وغير الرسمية في المغرب. وما تم إنجازه ونشره وتقاسمه خلال العشرين سنة الأخيرة، شاهد على ما أقول.
-ثانيهما، وهذا مطلب - والعلم أعز ما يطلب -  ولا أظن أن هناك مكانا مناسبا يُرتجى منه الخير العميم ويذكر فيه هذا المطلب، أفضل من هذه الكلية العتيدة التي نحن اليوم في ضيافتها، والتي يقودها خيرة الباحثين في المغرب، والتي أتشرف أنني تعلمت الكثير بين جدرانها قبل ثلاثين سنة خلت والتي عرَفَت إنشاء أول مركز للتوثيق حول الإعاقة بالجامعة المغربية قبل أكثر من عشرين سنة ولا أعرف اليوم ما الذي فعلته به الأيام.  هو مطلب، كما قلت، يسير لكنه عميق الأثر بعيد المرامي إن توفرت له الإرادة والتصور الدقيق والموارد الكافية، وهو أن تضطلع الجامعة المغربية بأدوارها الحقيقية في قيادة البحث العلمي والتوثيق حول الإعاقة. وبمطلبي هذا، فإنني لا أبخس الجهود التي تبذل اليوم في الجامعة المغربية وفي جامعة محمد الخامس على الخصوص بما تملكه من ريادة، فهي أول جامعة حديثة في المغرب، وبما تتوفر عليه من قيمة رمزية وعلمية. فما ينجز اليوم من أوراش داخل هذه الجامعة وفي جامعات مغربية أخرى، مما يسر الرائي، من حسن استقبال للطلبة في وضعية إعاقة بما فيها الفكرية والنمائية والتي لم تكن تجد لها مكانا تأوي إليه قبل سنوات قليلة، ومن وعي بأهمية تعزيز دور الجامعة باعتبارها جامعة دامجة. وحجم التكوينات واللقاءات والمناظرات خير دليل على ذلك. إن ما يحدث بالجامعة المغربية مدعاة للفخر، لكنه فخر يحتاج إلى تضافر جهود كل الباحثين في كل التخصصات بأهمية وقيمة وجدوى تطوير وتشجيع البحث العلمي والتوثيق والترجمة حول الإعاقة. ولعل لقاءنا هذا اليوم أن يكون مجالا للتفكير المشترك وتحويل الاحتفاء إلى فعل يكون للجامعة فيه – بدعم حقيقي من صانعي القرار السياسي - دور أساسي في توفير الموارد الضرورية وتشجيع البحث العلمي والتوثيق حول الإعاقة. 
إن الإعاقة مفهوم وتصور وحقيقة يفترض أن تكون في صلب الدينامية الاجتماعية والعلمية والأكاديمية والسياسية والحقوقية في المغرب، لا أن تكون فقط جزءا من مسار ترافعي محدود الفعالية ينشد بعض الكرامة بطرق الأبواب وإذكاء الوعي والدفاع عن الحق في التعليم والشغل والرفاه واقتطاع الحق من فم الأسد. إذا كانت الإعاقة كما ذكرت، فإن وعي الفاعلين فيها والمعنيين بشأنها، يضطلعون بمهمة أساسية، ألا وهي تحويل العوامل البيئية المثبطة لتكافؤ الفرص إلى قوة محركة وقودها العلم أولا والعلم أخيرا. ولأنها كذلك فإن أي مسار ترافعي لا يمكنه أن يكون وأن يستقيم وأن يُستشعَر صداه بدون تملك للمعرفة بمفهومها الواسع وبمفاهيمها الدقيقة والمتشعبة، في كل مستوياتها وبكل أبعادها، وبكل أشكالها الممكنة، وتحويلها إلى حقيقة ملموسة تُقرأ في الكتب وتُوَثَّق في كل ما تمنحه لنا التكنولوجيا الحديثة من إمكانات وتُدرَّس في الجامعات وتدار حولها موائد العلم والمعرفة والمناظرة.
بأي حال من الأحوال، لا يجوز أن يستمر إيقاع الإنتاج العلمي حول الإعاقة بالمغرب بما يوازي أو يضاهي فقط ما قدَّمتْه لنا الأرقام السالفة الذكر، وليس دون ذلك خرط القتاد.