يُقدّم هذا النص تحليلا لفكر المؤرخ الجيلالي العدناني حول الصحراء الشرقية والنزاع الحدودي مع الجزائر، مستندا إلى أرشيفات فرنسية سرية.ويبرز العدناني كيف ورثت الجزائر السياسات الاستعمارية، محوّلة مبدأ «الحفاظ على الحدود الموروثة» إلى أداة توسّعية.
أولاً: خلفية فكرية ومنهجية
يعتبر الجيلالي العدناني من أبرز الباحثين المغاربة المعاصرين المختصين في تاريخ الحدود المغربية الجزائرية وأثر الاستعمار الفرنسي عليها.
تستند أبحاثه إلى وثائق أصلية من أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية في نانت (Nantes) وأرشيف لا كورنوف (La Courneuve)، وهي وثائق كانت مصنفة سرية إلى حدود العقدين الأخيرين.
اعتمد العدناني عليها لإعادة قراءة التاريخ الحدودي بمنهج علمي بعيدا عن الروايات الدعائية التي سادت بعد الاستقلال.
ويرى العدناني أن أصل النزاع الحدودي بين المغرب والجزائر ليس خلافا وطنيا بين دولتين مستقلتين، بقدر ما هو امتداد مباشر للسياسات الاستعمارية الفرنسية التي استخدمت الخرائط العسكرية والإدارية كأداة لتفتيت المجال المغربي التقليدي الممتد إلى توات، تندوف..
تستند أبحاثه إلى وثائق أصلية من أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية في نانت (Nantes) وأرشيف لا كورنوف (La Courneuve)، وهي وثائق كانت مصنفة سرية إلى حدود العقدين الأخيرين.
اعتمد العدناني عليها لإعادة قراءة التاريخ الحدودي بمنهج علمي بعيدا عن الروايات الدعائية التي سادت بعد الاستقلال.
ويرى العدناني أن أصل النزاع الحدودي بين المغرب والجزائر ليس خلافا وطنيا بين دولتين مستقلتين، بقدر ما هو امتداد مباشر للسياسات الاستعمارية الفرنسية التي استخدمت الخرائط العسكرية والإدارية كأداة لتفتيت المجال المغربي التقليدي الممتد إلى توات، تندوف..
ثانياً: مبدأ "الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار
يُعتبر هذا المبدأ (uti possidetis juris) محور انتقاد الجيلالي العدناني الأساسي.
ففي نظره، الجزائر حولته من قاعدة قانونية إلى وسيلة سياسية لتبرير توسعها الترابي بعد استقلالها سنة 1962، إذ تبنّت الخطوط التي رسمها الحاكم العام الفرنسي للجزائر، وهي خطوط لم تُعترف بها لا من باريس ولا من الرباط.
ويؤكد العدناني – استنادا إلى مذكرة مؤرخة في 21 أكتوبر 1963 خلال حرب الرمال، أن هذه الخرائط كانت مرسومة لأغراض عسكرية بهدف عزل الثورة الجزائرية عن الدعم المغربي. وليس لترسيم دائم للحدود.
بالتالي، فإن اعتماد الجزائر لهذه الخطوط عند الاستقلال يعدّ إعادة إنتاج لمنطق إمبراطوري كان موجها ضد المغرب.
ففي نظره، الجزائر حولته من قاعدة قانونية إلى وسيلة سياسية لتبرير توسعها الترابي بعد استقلالها سنة 1962، إذ تبنّت الخطوط التي رسمها الحاكم العام الفرنسي للجزائر، وهي خطوط لم تُعترف بها لا من باريس ولا من الرباط.
ويؤكد العدناني – استنادا إلى مذكرة مؤرخة في 21 أكتوبر 1963 خلال حرب الرمال، أن هذه الخرائط كانت مرسومة لأغراض عسكرية بهدف عزل الثورة الجزائرية عن الدعم المغربي. وليس لترسيم دائم للحدود.
بالتالي، فإن اعتماد الجزائر لهذه الخطوط عند الاستقلال يعدّ إعادة إنتاج لمنطق إمبراطوري كان موجها ضد المغرب.
ثالثا: من حرب الرمال إلى حرب السرديات
يقدم العدناني في كتاباته تحليلا دقيقا لما يسميه «أكبر خدعة سياسية في التاريخ الإفريقي الحديث»، والمقصود بها حملة الجزائر الدعائية عقب حرب الرمال عام 1963.
فبينما كانت الوثائق الفرنسية تثبت أن الأراضي المعنية مغربية الإدارة زمن الحماية، روجت الجزائر لفكرة «العدوان المغربي»، واستفادت من التعتيم الإعلامي في إفريقيا لتكريس صورتها كـ «ضحية دولة توسعية».
ومن خلال أرشيف مصلحة مكافحة التجسس الفرنسية (SDECE)، يعرض العدناني أن الجزائر مارست الدعاية نفسها في مالي، عبر دعم تمرد الطوارق سنة 1963 واتهام المغرب بالتحريض عليه. وبذلك «اختلقت عدوا مشتركا»، لتطبيق مبدأ الحدود الموروثة في مؤتمر القاهرة سنة 1964.
فبينما كانت الوثائق الفرنسية تثبت أن الأراضي المعنية مغربية الإدارة زمن الحماية، روجت الجزائر لفكرة «العدوان المغربي»، واستفادت من التعتيم الإعلامي في إفريقيا لتكريس صورتها كـ «ضحية دولة توسعية».
ومن خلال أرشيف مصلحة مكافحة التجسس الفرنسية (SDECE)، يعرض العدناني أن الجزائر مارست الدعاية نفسها في مالي، عبر دعم تمرد الطوارق سنة 1963 واتهام المغرب بالتحريض عليه. وبذلك «اختلقت عدوا مشتركا»، لتطبيق مبدأ الحدود الموروثة في مؤتمر القاهرة سنة 1964.
رابعا: من الركيبات إلى البوليساريو.. استمرارية المشروع
يذهب الجيلالي العدناني إلى أن الجزائر استغلت القبائل الرحل في الجنوب، وخاصة الركيبات، لتمديد نفوذها في الصحراء.
عام 1962: حاولت جذب الركيبات في تندوف، لكنها فشلت بسبب ولائهم للمغرب وامتناعهم عن المشاركة في الاستفتاء الجزائري.
عام 1975: أعادت الجزائر، عبر نفس الصيغة القبلية، إنعاش مشروع فرنسي سابق (1958-1962) لتأسيس كيان انفصالي في الصحراء الغربية، وهو ما تجسّد في إنشاء جبهة البوليساريو.
هذه الاستمرارية، كما يوضح العدناني، تؤكد أن الجزائر لم تتبنّ فكرا تحرريا حقيقيا، بل ورثت المخطط الاستعماري الفرنسي وعملت على تنفيذه في قالب «تحرري» جديد.
عام 1962: حاولت جذب الركيبات في تندوف، لكنها فشلت بسبب ولائهم للمغرب وامتناعهم عن المشاركة في الاستفتاء الجزائري.
عام 1975: أعادت الجزائر، عبر نفس الصيغة القبلية، إنعاش مشروع فرنسي سابق (1958-1962) لتأسيس كيان انفصالي في الصحراء الغربية، وهو ما تجسّد في إنشاء جبهة البوليساريو.
هذه الاستمرارية، كما يوضح العدناني، تؤكد أن الجزائر لم تتبنّ فكرا تحرريا حقيقيا، بل ورثت المخطط الاستعماري الفرنسي وعملت على تنفيذه في قالب «تحرري» جديد.
خامسا: الأثر على العلاقات المغربية الجزائرية
في تحاليله للعلاقات الثنائية، يرى العدناني أن ملف الصحراء الشرقية كان الجرح الأول في العلاقة بين البلدين، وهو الذي جعل انعدام الثقة البنيوية سمة دائمة منذ 1963.
يعتبر العدناني أن الجزائر استبدلت مشروع الوحدة المغاربية بمفهوم الوصاية الثورية والتحكم الإقليمي، فاختارت التجييش الإيديولوجي على حساب المصالحة التاريخية.
ويحدد أهم آثار هذا النهج في:
- تجميد مؤسسات اتحاد المغرب العربي منذ نشأته.
- تدويل الخلاف المغربي الجزائري عبر الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية.
- تغذية عقيدة العداء المؤسساتي داخل النخب السياسية والعسكرية في الجزائر ضد أي تقارب مع الرباط.
- تشويه مفهوم «شرعية الحدود» في الخطاب السياسي الإفريقي، مما جعل عدداً من النزاعات القارية (في مالي، النيجر، تشاد) تستند إلى ذات المنطق الاستعماري.
يعتبر العدناني أن الجزائر استبدلت مشروع الوحدة المغاربية بمفهوم الوصاية الثورية والتحكم الإقليمي، فاختارت التجييش الإيديولوجي على حساب المصالحة التاريخية.
ويحدد أهم آثار هذا النهج في:
- تجميد مؤسسات اتحاد المغرب العربي منذ نشأته.
- تدويل الخلاف المغربي الجزائري عبر الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية.
- تغذية عقيدة العداء المؤسساتي داخل النخب السياسية والعسكرية في الجزائر ضد أي تقارب مع الرباط.
- تشويه مفهوم «شرعية الحدود» في الخطاب السياسي الإفريقي، مما جعل عدداً من النزاعات القارية (في مالي، النيجر، تشاد) تستند إلى ذات المنطق الاستعماري.
سادسا: الاستنتاجات النظرية في فكر العدناني
من خلال أعماله المختلفة، لا سيما مقاله «كيف استغلت الجزائر مبدأ الحفاظ على الحدود الموروثة» وأبحاثه الأخرى المنشورة في مجلات التاريخ الجيوسياسي، يمكن تلخيص أطروحته في خمس خلاصات جوهرية:
-1 الحدود بين المغرب والجزائر لم تُرسم بمعاهدة ملزمة دوليا، بل بخطوط عسكرية استعمارية مؤقتة.
-2 مبدأ «عدم المساس بالحدود» صيغ من داخل الحرب وليس من أجل السلم، مما يجعله فاقداً للشرعية التاريخية.
-3 فرنسا سعت إلى منع المغرب من امتلاك حدود مشتركة مع مالي والنيجر حفاظا على نفوذها الصحراوي، وذلك بحذف الخط الحدودي الدولي المبرم سنة 1901 والذي يضمن للمغرب حدودا مع أفريقيا وخاصة مالي. ولنفس الغرض رسمت خطا وهميا يسمى خط نيامي سنة 1909 وهو الذي أصبح خطا حدوديا دوليا ما بين مالي والجزائر وموريتانيا، وهو الخط الذي يعبر على نية الوصول إلى الاطلنتي مثله مثل خط طرفاية الذي رسم فيما بين 1898 و 1912 بغرض ضمان واجهة أطلنتية للمستعمرة الجزائر.
-4 السياسة الجزائرية منذ 1962 تعيد إنتاج المنهج الفرنسي في السيطرة على المجال الصحراوي.
-5 النزاع حول الصحراء الشرقية والصحراء الغربية شكل حجر الأساس في الصراع الدبلوماسي المغربي الجزائري الممتد حتى اليوم.
-1 الحدود بين المغرب والجزائر لم تُرسم بمعاهدة ملزمة دوليا، بل بخطوط عسكرية استعمارية مؤقتة.
-2 مبدأ «عدم المساس بالحدود» صيغ من داخل الحرب وليس من أجل السلم، مما يجعله فاقداً للشرعية التاريخية.
-3 فرنسا سعت إلى منع المغرب من امتلاك حدود مشتركة مع مالي والنيجر حفاظا على نفوذها الصحراوي، وذلك بحذف الخط الحدودي الدولي المبرم سنة 1901 والذي يضمن للمغرب حدودا مع أفريقيا وخاصة مالي. ولنفس الغرض رسمت خطا وهميا يسمى خط نيامي سنة 1909 وهو الذي أصبح خطا حدوديا دوليا ما بين مالي والجزائر وموريتانيا، وهو الخط الذي يعبر على نية الوصول إلى الاطلنتي مثله مثل خط طرفاية الذي رسم فيما بين 1898 و 1912 بغرض ضمان واجهة أطلنتية للمستعمرة الجزائر.
-4 السياسة الجزائرية منذ 1962 تعيد إنتاج المنهج الفرنسي في السيطرة على المجال الصحراوي.
-5 النزاع حول الصحراء الشرقية والصحراء الغربية شكل حجر الأساس في الصراع الدبلوماسي المغربي الجزائري الممتد حتى اليوم.
سابعا: تقييم العدناني لدور منظمة الوحدة الإفريقية والاتحاد الإفريقي
يرى العدناني أن اعتماد مبدأ الحدود الموروثة عن الاستعمار في قمة القاهرة (1964)، كان استجابة لضغوط جزائرية أكثر منه توافقا إفريقيا.
عبر هذا القرار، تم تثبيت الوضع الاستعماري كمرجع قانوني، مما عطّل تصحيح الحدود التاريخية خصوصاً في شمال إفريقيا.
كما يعتبر أن الانغلاق الجزائري داخل هذا المبدأ ألغى أي إمكانية لـ «تدبير مغاربي مشترك للصحراء»، كما اقترحه الحبيب بورقيبة في ستينيات القرن الماضي.
عبر هذا القرار، تم تثبيت الوضع الاستعماري كمرجع قانوني، مما عطّل تصحيح الحدود التاريخية خصوصاً في شمال إفريقيا.
كما يعتبر أن الانغلاق الجزائري داخل هذا المبدأ ألغى أي إمكانية لـ «تدبير مغاربي مشترك للصحراء»، كما اقترحه الحبيب بورقيبة في ستينيات القرن الماضي.
ثامنا: الانعكاس التاريخي والاستراتيجي على علاقات البلدين اليوم
بحسب العدناني، لا يمكن فهم التوتر المستمر بين الرباط والجزائر من دون إدراك عمق الخلاف التاريخي حول الهوية الجغرافية للصحراء الشرقية.
فكل أزمة لاحقة، من إغلاق الحدود سنة 1994 إلى الخلاف حول الصحراء المغربية، هي استمرار لذلك المسار غير المحسوم للحدود الشرقية.
ويرى العدناني أن مستقبل العلاقة بين البلدين لن يستقر إلا بمصالحة تاريخية قائمة على الحقيقة الجغرافية لا على «الحدود التي رسمها الاستعمار».
ويختم الجيلالي العدناني في عدد من مقالاته، بأن الكلمة الأخيرة لن تكون للقوة العسكرية أو الشرعية الثورية، بل للتاريخ الذي لا يمكن تزويره إلى الأبد.
فكل أزمة لاحقة، من إغلاق الحدود سنة 1994 إلى الخلاف حول الصحراء المغربية، هي استمرار لذلك المسار غير المحسوم للحدود الشرقية.
ويرى العدناني أن مستقبل العلاقة بين البلدين لن يستقر إلا بمصالحة تاريخية قائمة على الحقيقة الجغرافية لا على «الحدود التي رسمها الاستعمار».
ويختم الجيلالي العدناني في عدد من مقالاته، بأن الكلمة الأخيرة لن تكون للقوة العسكرية أو الشرعية الثورية، بل للتاريخ الذي لا يمكن تزويره إلى الأبد.

