الثلاثاء 23 يوليو 2024
كتاب الرأي

صافي الدين البدالي: الدولة الريعية واغتيال التنمية المستدامة..

صافي الدين البدالي: الدولة الريعية واغتيال التنمية المستدامة.. صافي الدين البدالي

لما تكون الدولة دولة ريعية فإنها لا تقبل بسيادة الديمقراطية ولا بمبدأ العدالة الجبائية والتوزيع العادل للثروات، لأن الذين يستفيدون من الريع يتصدون للمحاسبة والمساءلة و يتهربون من الواجب الضريبي، وتظل الدولة الريعية لا تستفيد من إيراداتها الوطنية، لأنها تقوم بتفويت مواردها الطبيعية للموالين من الأعيان أوعملاء أو من الأقارب أو من جهات خارجية.

 

وهكذا فإن الدول الريعية لا تستفيد من الإيرادات الضريبية إلا بنسبة قليلة جدا حسب المكان والمجال. ذلك لأن اقتصاد الريع يقوم في مجمله على أساس منح الامتيازات وأولوية الخدمات وفرص العمل إلى لوبي المصالح الشخصية، دون مراعاة مبدأ المنافسة والشفافية والكفاءة في إتقان الأعمال، من هنا تكمن خطورة الريع مثلها كمثل خطوة الفساد ونهب المال العام وتبديده.

 

فالدولة المغربية لا تستفيد من مستحقات مداخيل استخراج الثروات المعدنية، من ذهب وفضة وزنك وكوبالت وفوسفات ونحاس أو من المقالع الرملية أو الأحجار. مما يضاعف من ثروات المستفيدين من هذا الريع ويؤثر على خزينة الدولة التي تضطر إلى الاقتراض الداخلي أو الخارجي أو فرض ضرائب إضافية على المواطنين والمواطنات من عمال و مأجورين و موظفي القطاع العام و الخاص والتجار الصغار والمتوسطين والزيادة في الأسعار وإلغاء دعم بعض المواد الغذائية من أجل الحفاظ على التوازنات المالية و الوفاء بالالتزامات المرتبطة بتسيير شؤون البلاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 

إن سياسة الريع الاقتصادي لا تفرز إلا نخبة لا تؤمن بالتنافس والمغامرة وليس لها الحس الوطني من أجل الاستثمار وتأسيس رأسمال وطني حقيقي يحمي الدولة من الانهيار الاقتصادي وجلب مستثمرين أجانب بشروط تكون لصالح الاستثمار المحلي ما دام الاستثمار المحلي المغربي ليست له الإمكانات المادية والتكنولوجية لخلق قطاعات صناعية مندمجة ترفع من قيمة إيرادات الدولة و تجعلها في منأى عن الإفلاس المالي وعن فشل أي مشروع تنموي أو توقف عجلة التنمية .

 

إن سياسة الريع ببلادنا لم تقتصر على إفساد الحالة الاقتصادية بل امتدت إلى إفساد المشهد السياسي والسوق الاقتصادية، وهو ما تدل عليه مؤشرات دولية حول التنمية المستدامة وحول الشفافية ، لأن الريع لا يختلف عن الفساد المرتبط بريع النقل والمقالع والمناجم و أعالي البحار وعن الإعلام و الاتصال .الكل مرتبط بسياسة الريع التي تسلكها الدولة في النسيج الاقتصادي والاجتماعي .ولقد نتج في المغرب عن سياسة اقتصاد الريع إقطاعيات، بل لوبيات، أصبحت تشكل دولة داخل الدولة الوحيدة ،و امتدت هذه الإقطاعيات الريعية إلى تكتلات ريعية في الشأن السياسي والاقتصادي والتشريعي لتظل صاحبة القرار، وهو ما أصبح واضحا على مستوى المسؤوليات الحكومية و المناصب العليا حيث أصحاب الامتيازات "الريعوية "هم المسيطرون ولا يراعون للظروف الوطنية و لا لحاجات المواطنين والمواطنات ولا يرون في بناء الدولة الديمقراطية مصلحة لهم .

 

وتشير بعض الأبحاث إلى أن “الدول التي قضت على الريع بشكل شبه نهائي هي الدول الصناعية الكبرى، التي بدأت في التطور الاقتصادي انطلاقا من الثورة الصناعية، واعتمدت على الرأسمالية التنافسية واقتصاد السوق، ما عدا ذلك، لا يمكن القضاء على الريع، وهناك أيضا دول تمكنت من ضبط الإيقاع والتوازن بين الاقتصاد الريعي والاقتصاد التنافسي، يؤمن بالمنافسة الشريفة وفق قواعد” السوق " ولا يمكن للمغرب أن يتطور أفقيا و عموديا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي إلا بالقطع مع سياسة الريع بكل أنواعه وأشكاله، لأنها سياسة تكرس مظاهر الفساد وتبديد المال العام ونهب الثروات الوطنية وتعميق الفوارق الاجتماعية والمجالية.