الاثنين 26 فبراير 2024
مجتمع

من الموقع الرسمي.. أي أفق للشأن الديني بين"سياق" العبادي و"حديث" مصطفى بنحمزة !

من الموقع الرسمي.. أي أفق للشأن الديني بين"سياق" العبادي  و"حديث" مصطفى بنحمزة ! من اليمين: بنحيون، عبادي، رحموني
مع تباشير استمداد الغيث، في فاتح دجنبر 2023، احتضنت كلية أصول الدين بتطوان، بعد صلاة الاستسقاء، محاضرة في معراج استمداد آخر.يتعلق الأمر بالدرس الإفتتاحي للموسم الجامعي بالكلية، تولاه الدكتور أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، تحت عنوان:"علوم النص وعلوم السياق:أي تجسير في الزمن الراهن؟".

إيقاع صدى العنوان، أكيد سيهز قوس اهتمام المتتبعين، بالنظر إلى أنه قبل ثلاثة أيام، وفي جامعة وجدة، سيهسر رئيس المجلس العلمي الجهوي بالشرق، الدكتور مصطفى بنحمزة، على تنظيم ندوة وطنية تحت عنوان:"عناية سلاطين وعلماء  المغرب بالحديث النبوي الشريف".

ولفهم دلالة السياق في تناظر معادلة تعبيرات الهندسة الرسمية للسياسة الدينية، ينبغي التذكير مثلا، أن "النهضة" الحديثية للخليفة يعقوب المنصور الموحدي-وفي قطيعة تامة مع الميراث التومرتي لمشيخة الموحدين- كان من نتائجها حرق كتب المالكية والفلسفة ونكبة ابن رشد، وبالتالي التمكين للظاهرية. ومن ثم فهذا السياق العام يمنح المعنى لرهانات النص/الحديث في وجدة، وللسياق في تطوان.
 
المنصة الحاضنة لإطلالة الأستاذ العبادي، كانت مؤثثة بحضور الدكتور جمال الدين بنحيون، نائب رئيس جامعة عبد المالك السعدي، وعميد كلية أصول الدين، الدكتور عبد العزيز رحموني.

العميد في ترحيبه بالعبادي قام بالتعريف به على مستوى المهام والتأليف والإشراف على مختلف منابر ومراكز الرابطة المحمدية للعلماء. وفي شأن جرده لذلك،استدرك عليه العبادي سهوه التعريج على مركز أبي الحسن الأشعري بتطوان.

ولعل هذا الاستدراك مناسبة أخرى، للإشارة إلى معادلة سياق آخر، لتتكامل السياقات. ففي الوقت الذي "نبغ" فيه المغرب رسميا في الدرس الحديثي، كان الأشقاء في تونس، يسجلون قصب السبق في الجانب العقلاني. لكن مع إحداث مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات العقدية، بدأ المغرب  في تحسس مواقع الريادة مغاربيا، ومن ثم الانخراط في أفق المصالحة مع الذهنية المغربية التي غلب عليها، في باب العلم  "الدراية"، وليس "الرواية"، وإن كانت تتميز بالحفظ أيضا. وفي هذا التذكير ملمح أيضا، إلى الرهان الأكاديمي المأمول لكلية أصول الدين في المحيط  الوطني والإقليمي للمغرب.

بنحيون من جهته في ترحيبه بالعبادي، عبر عن تطلعه، بالنظر إلى قيمته العلمية الرفيعة، إلى أن يكون له كرسي دائم بجامعة عبد المالك السعدي.

ولعل الإمساك بالسياقين الوطني والإقليمي في هوامش هذا الاستهلال، أن يكون مفيدا في مواكبة هذا الدرس الافتتاحي، ومن ثم نحت معالم الطريق وظيفيا ضمن الاستحقاق الوطني الشامل في العهد الجديد.

لقد اعتبر المحاضر، أن الموضوع من خلال عنوانه، يتضمن  خمسة تركيبات، لها سننها  وقوانينها الداخلية وديناميتها التي تتحرك وفقها. وهي: السياق والنص وعلوم النص وعلوم السياق والزمن الراهن. لذلك فالموضوع يشكل تحديا من التحديات الكبرى في زماننا هذا.
 
بهذا الفرش المنهجي وبهذا التحفيز لمنسوب الانتباه، واليقظة، كانت سياحة العبادي وبمعجم صوفي وجودي في "منهاج الترقي"؛ من الخلق، إلى كعبة/قبلة المنتهى. وإذا استعرنا  من "سَنن المهتدين في مقامات الدين" للمواق أيضا،"منهاج التدلي"، فإن العبادي مدعو مرة أخرى لكلية أصول الدين، في "مذاكرة " أخرى، متحررة من إكراهات الوقت، وتشابكات السياق نفسه، كما فعل من قبل في ذات الكلية، وبمساحة من البوح، الأستاذ/العميد محمد الكتاني، في موضوع "الدراسات الإسلامية".
 
لذلك يجمل بنا أن نجمل القول في محاضرته، كأرضية لاستئناف القول فيها من طرفه، في موعد لاحق..
لقد استعرض العبادي وبتفصيل روحاني الأمر الإلهي بالقراءة، ومستوياتها. وذكر بتوجيه سيدنا علي كرم الله وجهه باستنطاق القرآن. لذلك ففعل القراءة يجب أن يكون مستداما. وما الخُلف الذي نراه في حال المسلمين،من غياب الرشد،إنما يدل على أن منهج الاستنطاق والتدبر  يعرف اختلالات.

واعتبر أن آي النص القرآني تمثل الأنوار الهادية، ومن ثم  فالوعي الوظيفي بإدخال الوحي إلى المجال الحيوي للإنسان لا بد له من عُدة. حيث القراءة من موقع السياق الذي يوجد فيه الإنسان، وبعلامات هدي الآي، وبأفق قبلة المنتهى، هي محددات أساسية لعملية توضيب طريق الرحلة. ولاستيعاب هذه الكيمياء كانت الإشارة للشاذلي، والغزالي والجويني..
 
فمنصة الوعي بوظيفية النص المبارك، لا تنفصل عن الصورة الكلية أو التصميم puzzle لاستيعاب الجزئيات/المتغيرات. وبهذا الإطار الكلي ينضبط الاستنباط وأوجه التأويل والاجتهاد. كما ينضبط التعامل مع إشكالات الذاكرة الجمعية للأمة، وامتلاك التضاريس التي يتشكل منها السياق. مما يساهم في تحقيق مطلب المناعة ضد فيروس الفرقة. وفي هذا الصدد ذكر بالوظيفة التاريخية الجامعة، لجامعة القرويين في المغرب.

لذلك فاستشراف الآفاق، يستوجب البحث الوظيفي،باستحضار التركيبات السياقية للأنساق التفاعلية بمرتكزات العلم بالدين، وبالواقع،وبتنزيل أحدهما على الآخر، وبمسالك العلم بالسياق، كالانتروبولوجيا، والاقتصاد والسياسة..
 
وتأسيسا على كل هذا، توقفت  المحاضرة عند الخلاصة التالية: على كل جيل أن ينخرط  في منصة الإحياء،كل من عند ربنا. ولتنزيل هذا الهدي في موطنه، باعتبار أن الرسول صلى الله عليه وسلم،كان الإنسان الأكمل في حدود الإمكان البشري، فإن السؤال الكلي من منطلق جماع العلم بالسنة، هو أن يكون الإنسان في كل لحظة يتساءل:لو كان رسول الله، في هذا الموقع، ما هو فاعل؟وليجتهد في تحصيل الجواب!
فبدينامية هذا التفاعل، والاشتباك مع النصوص استنطاقا، هو التحدي الكبير في زمن الذكاء الاصطناعي؛ إذ  أصبح ما تم صنعه في ألفي سنة، يصنع الآن في ثانية.
 
ومع آذان السعي لصلاة الجمعة، اعتبر العبادي أن محاضرته مجرد حلقة، تطرق فيها لهذا الإشكال،لنطل جميعا على حجم التحدي. وتمنى أن تتكرر...

فإكراهات تدبير الوقت، جعلت هذا الدرس الافتتاحي يفتقد إلى التغذية الراجعة من خلال جلسة المناقشة، وهوما حدا بعميد الكلية - وهو يؤكد على تلازم السياق والنص، ويهدي العبادي تذكار الكلية وبعض إصداراتها، أن ينتزع منه موعدا آخر. وأكيد أن الحياة الجامعية كما الحياة العامة، في حاجة إلى انسيابية الانفتاح الوظيفي !