الثلاثاء 27 سبتمبر 2022
كتاب الرأي

يوسف لهلالي : هل يحصل ماكرون على أغلبية تشريعية في البرلمان المقبل؟

يوسف لهلالي : هل يحصل ماكرون على أغلبية تشريعية في البرلمان المقبل؟ يوسف لهلالي

الرئيس المنتخب ايمانويل ماكرون مصمم على الحصول على اغلبية تشريعية في السنوات الخمس المقبلة، حتى في الأحياء الشعبية والتي يقطنها سكان من أصل مهاجر والتي صوتت بأكثر من 50 في المائة لصالح جون ليك ميلونشون، الذي طالب هو الاخر من الفرنسيين منحه الأغلبية في البرلمان ليصبح وزيرا أولا في تعايش سياسي مع الرئيس.

وتعرض الرئيس المنتخب في اول جولة انتخابية له بعد النجاح في سيرجي بونتواز ، ضاحية غرب باريس، الى الرشق بالطماطم الكرزية، وهو ما دفع  بحرسه الى فتح المضلة الأمنية والى حالة توثر  أمنية، وتم اغلب  هذه الجولة في هدوء حسب الإعلاميين الذين رافقوا الرئيس، وأن التوتر الذي حصل  كان على صلة  بالحشود  المتدافعة من اجل الاقتراب منه.

جرت التقاليد السياسية بفرنسا مند تأسيس الجمهورية الخامسة سنة 1958 ان يمنح الفرنسيون الأغلبية لرئيس المنتخب، مع استثنائين، حيث فرضوا عليه التعايش مع اغلبية من المعارضة، المرة الأولى في حقبة ميتران وكان جاك شيراك هو الوزير الأول، في المرة الثانية كان شيراك هو الرئيس وكان الوزير الأول هو الاشتراكي لوينيل جوسبان. مناسبة هذا الكلام، هو نتيجة الانتخابات الرئاسية والنسبة الكبيرة من العزوف التي وصلت الى الثلث، والرقم الكبير من الأصوات الذي حققته ممثله اليمين المتطرف مارن لوبن  والتي صوت عليها 13 مليون فرنسي أي  41 في المائة من الناخبين . والتصويت على الرئيس المنتخب ايمانويل ماكرون لم يكن تصويتا على برنامجه بل هو تصويت لمنع اليمين المتطرف من دخول قصر الاليزيه.

الرئيس المنتخب واعي بهذه الوضعية، عندما توجه الى أنصاره للاحتفال بالفوز ذكرهم بذلك وطالب منهم التواضع، عندما قال لهم في خطاب أمام برج إيفل في باريس "أعلم أن عددا من مواطنينا صوتوا لي اليوم، ليس دعما للأفكار التي أحملها بل للوقوف في وجه اليمين المتطرف"، مضيفا "هذا التصويت يلزمني للأعوام المقبلة". واضاف "منذ هذه اللحظة، لم أعد رئيس فريق، إنما رئيس الجميع"، وهو ما يعني، ان عمله لن يقتصر فقط على إرضاء ناخبيه و  ناخبي اليسار والخضر الذين صوتوا عليه، بل عليه أيضا ان يأخذ بعين الاعتبار أيضا المحتجين من الناخبين الذين صوتوا على اليمين المتطرف  في المدن الصغيرة او في المناطق التي عرفت نكبة صناعية بفرنسا سواء بالشمال او الشمال الشرقي بالإضافة الى جزر ما وراء البحار التي كانت عادة تصوت على اليسار، لكن هذه المرة أعطت اصواتها لمرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن، حيث تقدمت على الرئيس حتى في الدور الثاني في هذه المناطق. وتوجه الرئيس المنتخب لهذه الفئة بالقول إن "الغضب والاختلاف في الرأي اللذين قادا لتصويت لليمين المتطرف، يجب أن يجدا أجوبة. هذه مسؤوليتي ومسؤولية المحيطين بي".

اليوم الرئيس يبحث عن وزير اول له القدرة على التواصل مع كل هؤلاء الغاضبين عليه من اليسار والخضر واليمين المتطرف، وذلك  من اجل خلق أجواء تمكنه من الحصول على الأغلبية في الانتخابات التشريعية التي سوف تتم في شهر يونيو المقبل.
وبدأت الاشاعات في باريس حول الشخصية التي يمكنها ان تمثل هذا المواصفات، يتم تداول أسماء شخصيات عدة ذات سمات مختلفة، من وزيرة العمل الحالية إليزابيت بورن إلى وزير الاقتصاد برونو لومير وكريستين لاغارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي.او كاترين فوتران وزيرة سابقة لجاك شيراك، او ناطالي كوسيسكو موريزيت وزيرة سابقة لساركوزي، وكذلك  عمدة باريس السابق الاشتراكي  بيرترون دولانوي، وهو المؤهل في نظري باعتباره من الاشتراكيين  الاجتماعيين  ويمكنه التجاوب مع تطلعات الاحياء الشعبية والمناطق المهمشة  التي وجدت في البرنامج الاجتماعي لليمين المتطرف  واليسار الراديكالي  ضالتها.  لكن  الرئيس المنتخب ، كما هو معروف عليه يفضل ان يفاجأ ، وكل ما تم تداول اسم لن تكون له حظوظ، في سنة 2017 عين وزيرا أولا، ايدوارد فيليب، اوهو شخصية سياسية  لم يكن احد يتوقعها في الأوساط الباريسية وهو نفس الاختيار لشخية الوزير الأول المستقيل جون كاستيكس.

هذا الاختيار سيكون مهم جدا، من بناء أغلبية قوية في الانتخابات التشريعية لشهر يونيو، خصوصا انه سيواجه خصوما مصممين على الانتقام وجعل هذا الاقتراع بمثابة "جولة ثالثة" للانتخابات الرئاسية وحتى فرض حكومة يقودها غير حزب الرئيس.
وهو مشروع الخصمين الأساسيين للرئيس مارين لوبن وزعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون الذي حل في المركز الثالث في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية.

واعتبرت لوبن أن ما حصدته من أصوات في الانتخابات الرئاسية يشكل "انتصارا مدويا". ووعدت بـ"مواصلة" مسيرتها السياسية، مؤكدة أنها "لن تتخلى أبدا" عن الفرنسيين. وقالت "نطلق ... المعركة الانتخابية التشريعية الكبيرة"، وهو ما تلق تجاوبا وسط مناصريها. وفعلا بدأ هذا الحزب حملته للانتخابات التشريعية   يوم الأربعاء من الجنوب ومن الجنوب ومن مدينة فريجيس بالتحديد والتي حققت فيها لوبين أرقاما تجاوزت 50 في المائة من المصوتين حتى في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية ورفضت التحالف مع الفصيل المتطرف  على يمينها أريك زمور.

جان لوك ميلانشون، الذي أصبحت حركته اقوى تنظيم لليسار بعد انهيار وتراجع الحزب الاشتراكي وحزب الخضر، طالب الفرنسيين "بتعيينه وزيرا أولا" بمعنى منحه اغلبية بالبرلمان من اجل قيادة حكومة تعايش مع ايمانييل ماكرون. ولتحقيق هذا الهدف، اقترح ان يكون قاطرة اليسار في الانتخابات التشريعية، ولتحقيق ذلك نجح في اللقاء مع   الحزب الاشتراكي، من اجل تدويب المخاوف والتباعد في المواقف في عدد من القضايا، تهم التقاعد، الطاقة النووية، والسياسية البيئية. وهذه الأحزاب اليسارية رغم خلافاتها الكبرى، تحاول تقديم ترشيحات مشتركة في الانتخابات التشريعية المقبلة لانه مطلب من ناخبي اليسار كما عكسته مختلف الاستطلاعات حيث يطالب بالوحدة. وتمكن حزب فرنسا الابية من عقد تحالف وترشيحات مشتركة مع حزب الخضر، في انتظار التحاق الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي بهذا التحالف وربما إعادة تجربة اليسار المتعدد الذي قادها ليونيل جوسبان سنة1997 بفرنسا.

وبالنسبة للأحزاب التقليدية مثل حزب الجمهوريين والحزب الاشتراكي اللذين تكبدا فشلا ذريعا في الانتخابات الرئاسية، فإن الطموح هو مقاومة جاذبية مشروع ماكرون الذي يقوم باستقطاب نخبها والزخم الذي يشهده اليمين واليسار الراديكاليان. وإذا اختار الحزب الاشتراكي فتح النقاش حول وحدة اليسار، فان بعض أعضائه يفضلون التحالف مع الرئيس المنتخب بدل اليسار. حزب الجمهوريين ممثل اليمين الكلاسيكي اختار التقدم لوحده في هذه الانتخابات لكن العديد من أعضائه اختاروا الالتحاق بحركة الرئيس المنتخب.
خلال الانتخابات التشريعية في 2017 والتي شهدت نسبة قياسية للامتناع عن التصويت (57,36 بالمئة) و"تصفية" الأحزاب التاريخية، حصل إيمانويل ماكرون على أغلبية مطلقة وأدخل عددا كبيرا من النواب الجدد إلى الجمعية الوطنية. فهل يتكرر نفس السيناريو في هذه الانتخابات ام ان الفرنسيين سوف يفرضون تعايشا سياسيا على الرئيس المنتخب؟

استطلاعان للرأي بعد الانتخابات الرئاسية بينت أن غالبية الفرنسيين لا يرغبون في فوز حزب ماكرون في الانتخابات التشريعية، وهو ما جعل القلق يساور فريق الرئيس الذي أصبح يسابق الزمن من اجل إيجاد وزير اول وتحالفات لنيل أغلبية تشريعية. وهو تحدي سوف يقوده الى النزول الى الميدان والاستماع الى الفرنسيين الغاضبين من حصيلته في خمس السنوات الماضية. وهو ما سيحدد قدرته من عدمها على الحصول على اغلبية تشريعية جديدة.