الجمعة 12 أغسطس 2022
سياسة

كوكاس: النخبة العسكرية الجزائرية وحكاية الإمبراطور العاري

كوكاس: النخبة العسكرية الجزائرية وحكاية الإمبراطور العاري عبد العزيز كوكاس والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون والجنرال شنقريحة في الخلف
تفيد التحولات الجارية على أرض الواقع أن العديد من اليقينيات أخذت تتعرض لمعاول الهدم أو التشكيك على كافة المستويات، وحدها النخبة العسكرية الحاكمة بالجزائر وقيادة جبهة بوليساريو، تبدو مطمئنة لقناعاتها المستجلبة من زمن الحرب الباردة البائد، بدل رؤية الوقائع بعين فاحصة، ولعمري يذكرنا هذا بحكاية الإمبراطور العاري، حيث تقول الحكاية إن خياطين نصبوا على إمبراطور بادعائهما القدرة على نسج ملابس من لا يراها يعتبر ابنا غير شرعي كما في الحكاية العربية أو منافقا ومختلسا حسب الحكاية الغربية، وليختبر الإمبراطور حاشيته، أرسل كبير وزرائه إلى الخياطين، الذين حين دخل عليهما الوزير لم يجد لا حياكة ولا ثوبا، لكنه خشي أن يصرح بأنه لا يرى ثوبا فيُتهم في ذمته، ويعرض نفسه للعقاب، فأخذ يثني على اللباس غير المرئي ويعتبره قمة في الإبداع، وهو ما راق للإمبراطور الذي أوصى الخياطين الأفاكين بصنع ثياب جديدة له، من لا يراها يعتبر مشبوها، وكذلك كان تعرى الملك وتظاهر الخياطان النصابان بأنهما يلبسانه أثوابه الجديدة، وخرج في موكبه على الناس، الكل من حاشيته ومن الجمهور كان يثني على الثياب الجديدة للإمبراطور العاري ويباركون له في انبهار، إلا رجل لم يكن له ما يخسره، فصدح بالحقيقة: “إن الإمبراطور عاري وبلا ملابس”، فتجلت الحقيقة للكل الذي أصبح يتحدث عن الإمبراطور العاري مثل دودة. 
فرغم الضغوط التي عاشتها الجزائر بسبب رئيس مشلول كان يطمح لعهدة خامسة، وحراك شعبي جعل الجزائر تنطوي على نفسها لمعالجة مشاكلها الداخلية، مقابل انتقال الجار الغربي من وضعية الدفاع إلى إستراتيجية الهجوم، حتى بدأت تتساقط الكثير من الأقنعة مثل أوراق التوت، ومع ذلك تستمر النخبة العسكرية الحاكمة في إقناع نفسها بأنها ترتدي ملابس أنيقة، حتى وهي عارية تماما.
 
ملحمة الكركرات تخلق وضعا جديدا بالمنطقة
بتأمل ما حدث خلال سنة من تأمين المغرب للمعبر الحدودي الذي يقع على بعد 12 كيلومترا من الحدود الموريتانية، من إعلان جبهة بوليساريو عن تحللها من معاهدة 1991 لوقف إطلاق النار وحدوث مناوشات جزئية تم تصويرها كما لو أنها عمليات حربية على الخطوط العازلة في بعض المقاطع من الجدار الأمني المغربي العازل، ولجوء الجزائر إلى التصعيد الذي وصل حد قطع علاقتها الدبلوماسية مع المغرب من طرف واحد ومنع الطائرات المدنية والعسكرية من عبور الأجواء الجزائرية حتى سحب نفسها من الحضور من مائدة المفاوضات التي تشرف عليها الأمم المتحدة في قضية النزاع المفتعل الذي طال أمده في المنطقة، واعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على كافة أقاليمه الصحراوية، وما كرسته المملكة من مكاسب في معركة القنصليات الدبلوماسية بعاصمتي الصحراء المغربية، العيون والداخلة.. حتى الموقف الإسباني الأخير غير المسبوق... سنة من التحولات كشفت أن ما حدث في الكركرات دفع العسكر الحاكم في الجزائر إلى سياسة الهروب إلى الأمام بخطوات تعتبر في التدبير الاستراتيجي، ردود فعل على إحساس بالهزيمة عبر محاولة تصعيد الخطاب الدبلوماسي وحشوه بالتهديد العسكري عبر خلق معارك صغرى فيما يشبه إعداد حطب النار التي امتلك المغرب حد الساعة الكثير من الحكمة في عدم تمكين الجزائر من بغيتها في خلق ضربة المروحة وإن اختلف السياق المغربي عما كانت عليه الجزائر اتجاه فرنسا عام 1830.. لذلك فالنخبة العسكرية في الجزائر تأكل الطباشير فيما تقوم جبهة البوليساريو بمسح السبورة ببيانات عسكرية في حرب لم تقم منذ انتصاب الجدار الأمني في الصحراء.
 
حدث معبر الكركرات في ذكرى عامه الأول 
لم يعد اليوم ممكنا خلق مرويات جديدة وتأليف حكايات خارج ما تم إرساؤه على أرض الواقع يوم الجمعة 13 نونبر 2020 في معبر الكركرات، من جهة لم يعد لبوليساريو أي منفذ نحو المحيط الأطلسي بعد بناء الجدار الأخير بهندسة عسكرية متطورة،، لقد تم القطع مع منفذ عبور عناصر بوليساريو نحو المحيط الأطلسي، كما أنه لم يعد لتجار المخدرات وعصابات الجريمة المنظمة مجالا خصبا للعب، وهذا أثر على الموقف الموريتاني الذي وجد نفسه أمام تفضيل خيار جار هادئ وآمن يضمن استقرار وصول المواد الغذائية والسلع والبضائع، بدل تكلفة عبور عناصر مسلحة من جبهة بوليساريو.
كانت إستراتيجية شنقريحة هي فتح جبهة جديدة في قلب الجنوب من خلال معبر الكركرات الإستراتيجي الذي يربط المغرب بعمقه الإفريقي، وتوسيع مساحة ما تدعي بوليساريو أنه مناطق محررة، ثلاثة أسابيع من الاستعراض والاستفزاز بمعبر الكركرات، اتسم المغرب بضبط نفس غير متوقع، من جهة وضعت حكمة الرباط وعدم سقوطها في ردود أفعال سريعة وغير مدروسة، جبهة بوليساريو في مأزق دولي، جلب عليها سخط العالم بما فيها الأمم المتحدة، ومن جهة أخرى سمحت لصناع القرار بالمملكة باستكمال بناء خطة دقيقة بناء على استجماع معلومات استخباراتية وحشد دعم دولي، فكانت ضربة المكنسة في 13 نونبر 2020.
في صباح الجمعة 13 نونبر من السنة الماضية، أقامت القوات المسلحة الملكية طوقًا أمنيًا عند المركز الحدودي للكركرات، “هذه العملية غير الهجومية وبدون أي نية قتالية تتم وفقًا لقواعد اشتباك واضحة تتطلب تجنب أي اتصال مع المدنيين واللجوء إلى استخدام السلاح فقط للدفاع عن النفس”، يوضح البلاغ الوحيد الصادر عن القوات المسلحة الملكية.
الأمر كان أشبه بنزهة عسكرية للجيش المغربي، في 25 دقيقة بالضبط تم كل شيء، فوجئت عناصر بوليساريو ولم يكن أمامها سوى الفرار. بعد أن أشعلت النار في الخيام التي أقيمت على بعد كيلومترين ونصف جنوب المركز الحدودي المغربي.
هذا يبرز أن الأجهزة الاستخباراتية المغربية كانت على علم بتطور خطة بوليساريو التي أشرف على وضعها مجاهد وشنقريحة رفقة رجلهم في المكتب الاستخباراتي لبوليساريو، لذلك كان تدخل القوات المسلحة الملكية مفاجئا لمن كان يوزع بيادق لعبة الشطرنج من الجهة الأخرى، وزاد الدعم الدولي والثقل العربي من عزلة الجزائر التي جاء بيانها مرتبكا، يدعو “أطراف” النزاع لضبط النفس وعدم خرق اتفاق إطلاق النار.. أكثر من ستين دولة وازنة ثمنت بشكل صريح التدخل المغربي بالكركرات، وحتى تصريح الخارجية الروسية على لسان ثعلبها سيرجي لافروف ذي الوزن الدبلوماسي الكبير.. لم يغضب الرباط ولم يرض الجزائر أثناء حديثه عن وجود تشابه في وجهات النظر بين موسكو والجزائر، أي أنه لم يكن هناك تطابق في الرؤى وهو ما يبرز تحولا نوعيا في موقف روسيا بعد نجاعة الدبلوماسية المغربية التي انفتحت على الحليف التقليدي للجزائر منذ الحرب الباردة، فكان بين الخارجيتين المغربية والروسية أشبه بنسخ التأويل الجزائري لتصريحات سفير روسيا بها، بل إن جنوب إفريقيا ذاتها لم تزد في بيان خارجيتها -على غير المعتاد- عن دعوة الأطراف إلى ضبط النفس.. هل هناك عزلة دولية أقوى من هذه التي دخلتها الجزائر بشكل غير مسبوق.
 
أطروحة بوليساريو.. من الحلم إلى الغبار
حدثان قويان كان لهما تداعيات كبرى على جبهة بوليساريو: سقوط جدار وانتصاب جدار آخر.. سقوط جدار برلين عام 1989 كان يعني نهاية الحرب الباردة، ومعها خفوت ذلك البريق الأسطوري للبؤر الثورية والأحلام الوردية لحرب التحرير الشعبية ضد الأنظمة الرجعية، ونهاية التقاطب الدولي مع انهيار إمبراطورية الاتحاد السوفياتي، إذ اتضحت معالم بوليساريو كحركة انفصالية لا كحركة تحرر وطني، لأنها لم تنطلق من داخل دولة محتلة، وظلت تستفيد من تناقضات أنظمة الحكم بالمنطقة في معاكسة وحدة مغرب يحاول بناء دولة عصرية عبر إبراء جراح الاستعمار الذي مزق مجاله الجغرافي.
تم بناء الجدار الرملي عام 1989على امتداد 5500 كلم (تشمل المسافة الجدار السفلي والجدار العلوي) وارتفاع ثلاثة أمتار بمحاذاة الحدود الجزائرية ثم الموريتانية ويمتد من محاميد الغزلان إلى جبل كركر بالمحيط الأطلسي، كدرع أمني وقائي مجهز بآليات تقنية جد متطورة للرصد بالرادار وحقول الألغام، وكقاعدة إستراتيجية بخط دفاعي ضد هجمات بوليساريو التي اعتمدت خطة حرب العصابات. إذا كان سقوط جدار برلين قد عرى بوليساريو من الغطاء الإيديولوجي وأبرز الإفلاس الفكري الذي اتكأت عليه لإبراز حجية الانفصال، فإن انتصاب الجدار الأمني بالصحراء، كان يعني ميدانيا حسم المعركة العسكرية لصالح القوات المسلحة الملكية.
مع الاحتقان الداخلي الذي عرفته الجزائر منذ نهاية الثمانينيات وانخفاض سعر البترول وتراجع الثقل الاستراتيجي الذي ظل يمثله بلد ثورة المليون شهيد، تقلص الدعم المالي الذي كانت تخصصه المخابرات العسكرية للجنة الوطنية لدعم التضامن مع الشعب الصحراوي التي تحولت إلى جهاز مدني تلعب به الجزائر كورقة لإبراز موقفها كداعم لقضايا التحرر ولحشد التأييد الداخلي لشرعية الحكم وتعبئة الجزائريين في غير قضاياهم الحيوية، وتقلصت معها الفضاءات التضامنية التي كانت الجزائر توفرها لبوليساريو داخل مدنها، هل هو محض صدفة أن يحرق المتظاهرون الجزائريون سنة 1988 مكاتب البوليساريو أثناء الانتفاضة، في ذات الوقت تتصدى القوات الجزائرية لقمع انتفاضة مخيمات تندوف في خريف نفس السنة؟
كان لقاء مراكش في فبراير 1989 بداية أفول نجم بوليساريو التي قدمت نفسها كحركة تحررية، لقد كان يعني مصادقة الجزائر على اتحاد متكون من خمس دول، النهاية الحتمية لجبهة بوليساريو ووضع رأسها على مقصلة تكتل إقليمي كانت أهدافه النبيلة كفيلة بإخماد كل بؤر التوتر في المنطقة، في ذات السياق كان إعلان الملك الراحل في خطابه الشهير عن أن الوطن غفور رحيم مصالحة وطنية مع جزء من أبناء المغرب الذين، في سياق تاريخي ملتبس، وجهوا رشاشات أنظمة منافسة نحو صدور إخوانهم، بدأ النزيف الداخلي للجبهة بعودة آلاف المواطنين النازحين من جحيم مخيمات تندوف بينهم الكوادر الكبرى المؤسسة للجبهة، وهو ما شكل ضربة قاسية لبوليساريو التي لم تعد قادرة على إخفاء تفتتها وسط الكثبان الرملية المتحركة بالصحراء في البلد المضيف.. لقد عاد الزورق إلى النبع.
عودة رموز لها مصداقيتها داخل المخيمات من المؤسسين الكبار أمثال عمر الحضرمي وأحمد ولد اسويلم ومصطفى البرزاني والبشير الدخيل ونور الدين بلالي وإبراهيم الحكيم وأيوب الحبيب وكجمولة بنت أبي وعبد العزيز حماتي رباني... وغيرهم كثيرون كان بمثابة نهاية الأحلام الوردية التي ظلت تسوقها بوليساريو، هذا النزيف سيوازيه نزيف آخر على المستوى الدبلوماسي. فبعد استخدام الجزائر لثرواتها الطبيعية من غاز وبترول لدعم بوليساريو وشراء اعتراف الدول بالجمهورية الصحراوية المعلنة في27 فبراير 1976، عبر تقديم دعم مادي أو إعانات عينية للدول الفقيرة في القارة السمراء أو أمريكا اللاتينية التي كانت تستخدمها النخب الحاكمة في شراء الأسلحة لقتل معارضيها أو تهريبها إلى الخارج ومراكمة ثروات الحكام من دينارات النفط الجزائري، ونجحت في استقطاب 75 دولة، كان كافياً مع تراجع الدور الإقليمي للجزائر بسبب انفجار الوضع الداخلي والانخفاض المهول في أسعار البترول، أن تسحب 45 دولة اعترافها بالبوليساريو في أقل من أربع سنوات بين 1997 و2001 لتبقى أقل من 30 دولة فقط، ست دول بأمريكا اللاتينية وأربعة من أسيا والباقي بإفريقيا بدأت تدريجيا تبارك التفاوض السياسي وترك القضية بيد الأمم المتحدة، حتى أنه في متم نونبر عام 2020 بلغ عدد الدول، التي لا تعترف بالكيان الوهمي 163 دولة، أي 85% من الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة. ولم تنجح الجزائر في اختراق أي دولة أوربية أو عربية للاعتراف بجمهورية بوليساريو؟
ثمة ملمح آخر لنزيف بوليساريو يجد تفسيره في الأوضاع الداخلية بالمخيمات، إن الأمر يتعلق بملمح إنساني لأزمة الصحراء، إذ لم تستطع قيادة الجبهة فهم التحولات الاجتماعية والوعي الجديد لدى السكان، خاصة من الأطر الشابة التي تلقت تعليمها بالخارج وبدأت تقارن أوضاعها المعيشية المزرية بزراعة الأوهام، ومع بروز الاحتجاجات القوية التي واجهتها قيادة الجبهة بالاستعانة بالقوات الجزائرية بأساليب قمعية شرسة، خلفت الكثير من التذمر في ظل غياب المساواة في تحمل أعباء الحرب، وتقاسم غنائم السلم، خاصة مع ظهور علامات الرفاه على بعض قياديي بوليساريو وعائلاتهم وزبنائهم التابعين، وهو ما يعني، ارتفاع تكلفة قيادة بوليساريو، والتاريخ يعلمنا أن ارتفاع تكلفة أي نظام معناه نهايته أو استمراره المؤقت بجرعات إضافية من القمع.. تلك حالة مخيمات تندوف اليوم.
ثمة صورتان متناقضتان بالمخيمات: المساكن الفارهة لقيادة الجبهة مقابل الخيام الواطئة لعموم السكان الذين تم تهريبهم بآليات عسكرية إسبانية في 1976، أو تم استقطابهم بمساعدة الجزائر بإغراءات مالية من مالي وموريتانيا وبعض دول الساحل الإفريقي، هذه الأوضاع جعلت السكان في المخيمات يستيقظون على حقيقة البريق الأسطوري الخاضع الذي تم صنعه منذ أواسط السبعينيات، وأحسوا كما لو أنهم شحاذين على الرصيف يتم المناداة عليهم مع كل زيارة لمنظمات إنسانية لتمارس بهم القيادة الأبدية التسول دون أن تقتسم معهم فوائد ما بعد إطلاق النار سنة 1991، في الوقت الذي ظلت تطالبهم وحدهم بتحمل الأعباء والأتعاب فقط.
 مثل كتل رملية تتماوج مع الريح انزاحت الكثير من الأوهام، فيما ازدادت الأوضاع القاسية بالمخيمات بؤسا وزراية، وأضحى التوافق الاجتماعي هشا، فيما بريق المغرب الآخذ في التحول في ظل استقرار مريح كان له تأثيره في مجرى تفكك الجبهة، إن الصورة الحقيقية للسكان بالأقاليم الجنوبية بدأت تزيل الكثير من الغشاوة عن الأعين، وأخذ يُشعل الحنين إلى لمِّ شمل الأسر والعودة إلى الوطن الغفور الرحيم لذلك بدأ المشروع الانفصالي يتساقط مثل أوراق التوت.
ثمة ملمح آخر لنزيف بوليساريو وانهيارها من الداخل، يرتبط الأمر بضحايا السلم والفراغ والبطالة ونهاية الأوهام، لقد فرضت أوضاع الهزيمة العسكرية ميدانيا، بعد تشييد الجدار الأمني على امتداد الأقاليم الجنوبية للمملكة على خط ساحات القتال، واستسلام القيادة للأمر الواقع مع سريان مفعول وقف إطلاق النار في يناير 1991، فرض على مقاتلي الجبهة الدخول في حالة استرخاء وكسل، ومع هيمنة الأطر القديمة النافذة على مراكز القرار، وانقشاع غيوم أوهام التحرر وأمجاد الانتصار في ساحات القتال، بدأ العسكريون يتحولون نحو نشاطات جديدة، الكثير منها غير شرعي وذلك لسد العوز وضيق ذات اليد، كما أن وجود شباب مثقف ذي تكوين عال خارج اهتمامات الجبهة لمساعدته على الاندماج الاجتماعي وفسح المجال أمام كفاءاته، أجَّج اختلالات التوافق الاجتماعي الهش، وبدأت تخرج الأمور عن السيطرة من نمو مظاهر العنف الاجتماعي إلى الانتفاضات ذات الطابع السياسي كما حدث في 1988 أو التجاذب الذي حصل عام 1996 وتبادل الاتهامات بين الوزير الأول عبد القادر طالب عمر ورئيس البرلمان محفوظ علي بيبة، والمظاهرات التي أضحت تشهدها مخيمات الحمادة حتى يومنا هذا بشكل مكثف، لقد كانت انتفاضة أكتوبر 1988 أشبه بالربيع العربي المبكر في تندوف.. زاد من حدة ذلك ذيوع الأنترنيت وانتشار وسائط التواصل الاجتماعي اليوم، لم يعد ممكنا حجب تطور العالم عن أعين شباب صحراوي متعطش للحياة بالشكل الذي يختاره لا كما يراد له كما جيل الآباء، لقد جاء العالم إلى تندوف ولم يعد ممكنا محاصرته في هذه الرقعة الأشبه بالثلث الخالي من الصحراء حيث لا ماء ولا زرع، جاء العالم المبهر بديمقراطيته ونسيم الحرية فيه، المنفتح المغري بمباهج الحياة، والنجاح في تواصل هؤلاء الشباب مع أترابهم وذويهم القاطنين بالأقاليم الجنوبية للمملكة.. 
إن ترهل تنظيم بوليساريو ووضع اللاسلم واللاحرب وغياب الديمقراطية الداخلية في ظل سياسة الحزب الوحيد، أو كما اختزل ذلك أحد مؤسسي الجبهة: “الحزب هو الدولة والدولة هي الحزب، والحزب هو الزعيم والزعيم هو الحزب”.. هذا البعد الاستبدادي الذي كان بدعوى الوجود في حالة حرب أصبح القاعدة الثابتة في حالة السلم.
وكانت الضربة قاضية بالنسبة لبوليساريو، حين اجتمع قادة الدول المغاربية وأقروا منح شهادة الميلاد لتكتل تاريخي واقتصادي وسياسي اسمه اتحاد المغرب العربي، الذي اعتُبر إنجازا تاريخيا يحسب للقادة المغاربيين في القدرة على استشراف المستقبل برغم أن لكل قطب إكراهاته وحساباته السياسية. سيرى الاتحاد المغاربي النور في مراكش عاصمة الموحدين في 17 فبراير 1989، بما يحمل ذلك من رمزيات، في ظل إرهاصات كانت تطرق الأبواب والنوافذ مبشرة بتحولات قادمة كان يجب الاستعداد لها.. 
تطلب اختيار السير على هذه الطريق خطوة شجاعة متبادلة، لا مكان فيها لأي حسابات ضيقة أو مصالح شوفينية، وكما أن الجزائر انخرطت على عهد الرئيس الشاذلي بن جديد في مسار خطة التسوية التي كان بإمكانها أن تجنب المنطقة مضاعفات التوتر، قبل أن تعيد النظر في التزاماتها المعبر عنها صراحة في معاهدة مراكش، فإن الملك الراحل الحسن الثاني لم يمانع في رد التحية بأجمل منها، عندما وافق على استقبال أعضاء قياديين من بوليساريو، ولم يكن يهمه الإطار الذي اندرجت فيه تلك المقابلة، بقدر ما كان يعنيه أن تُسهم في خلق أجواء مشجعة للمضي قدما على طريق التسوية السلمية، وقتذاك أصغى الملك الراحل الحسن الثاني لكلمات تصدر من أفواه جزء من أبنائه ممن كانوا يوجهون المدافع ضد السكان الآمنين في الأقاليم الصحراوية، ولاشك أنهم بدورهم استمعوا بإمعان إلى عرضه الذي لم يكن يخلو من صفح وتسامح ومد اليد لبناء المستقبل في إطار الوحدة المغربية.
 كسرت مقابلة مراكش التي سيكون فيها للمكان دلالاته القوية والموحية، حواجز نفسية وسياسية، وفُهمت الرسالة في الجزائر بأنها تزيد عن السعي لإيجاد حل مشرف، نحو المساعدة في جمع الشمل عبر إزاحة العوارض التي كانت تحول دون بناء الثقة بين المغرب وجاره الشرقي. فعل الحسن الثاني ذلك لأنه يؤمن بما صرح به في كتاب “ذاكرة ملك”، إذ يقول” ليس بإمكاني تغيير موقع كل من المغرب والجزائر ويجب أن يتذكر المغاربة والجزائريون دائما أنهم لن يقدروا على تغيير موقع بلديهم”. 
بيد أن الالتزام بالبناء المغاربي في إطار الدول الخمس، وكذا محاولة إزاحة الحواجز النفسية والسياسية التي نمت بين الإخوة الأعداء، كان هو المحرك الأساسي لانطلاق الحوار، مادام أن الأبعاد الإستراتيجية لهذا الخيار المغاربي تكفل إذابة الخلافات وتصون وحدة وسيادة الدول، سيما وأن المعاهدة التأسيسية ذات المرجعية الواضحة تحظر استخدام أراضي أي دولة مغاربية كقواعد لحركات معارضة ضد أي من الدول المغاربية، فقد نص الفصل 115 من الميثاق المؤسس لاتحاد المغرب العربي على التزام الأطراف الموقعة عليه: “بعدم السماح في ترابها لأي نشاط أو حركة قد تهدد الأمن والوحدة الترابية للدولة العضو أو تهدد نظامها السياسي أو الانضمام إلى أي تحالف عسكري أو سياسي موجه ضد استقلال تراب الدول الأعضاء الأخرى”، وهذا ينسحب بالدرجة الأولى على بوليساريو كحركة مسلحة، وُظفت أساسا لمناهضة هذا التوجه.
ظهرت في غضون ذلك محاولات لجر البناء المغاربي إلى الوراء، من خلال إحياء الخلافات الجزائرية- المغربية حول قضية الصحراء مجددا، وتحديدا في غشت 1994، لم تعد تحكمها أوفاق الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، اهتزت أركان الأسس السليمة لذلك الصرح، وانهارت الكثير من الأحلام التي شُيدت على ضفافه، بعد فترة لا تزيد عن خمس سنوات.
كما تأثرت العلاقات المغربية- الجزائرية بقضية الصحراء، سينسحب الموقف ذاته على وضع الاتحاد المغاربي الذي سيدخل إلى غرفة الإنعاش بعد أن أصيب بغيبوبة لم يفق منها بعد، فقد عُلقت أجندة البناء المغاربي الذي كان يُفترض أن يقوم على أسس سليمة وثابتة وموضوعية، لا مكان فيها لأي نزعة تروم التفرقة وتمزيق وحدة الدول المكونة لهذا الفضاء.
في كتابه “جزائر بوتفليقة”، يوضح جون جولي: “بحكم تواجده في الصحراء الغربية، يحافظ المغرب على علاقته العريقة مع إفريقيا السوداء ويراقب فوسفاط بوكراع الذي يساعده، إضافة إلى منتوجه التقليدي، في التأثير على الأسعار العالمية، وبسعيهم إلى فرض جبهة بوليساريو في الصحراء الغربية، يطمح الجزائريون إلى أن يكون لهم منفذ مباشر على الأطلسي والحكم على المغرب بأن يظل بلدا فلاحيا، وتلزم هذه العرقلة الجنرالات المرتبطين بالحرس الفرنكفوني القديم لجبهة التحرير الوطني، التي برغم ضعفها اليوم لا تزال قادرة على خلط الأوراق، لم يستسغ هؤلاء هزيمتيهما العسكريتين أمام الجيش المغربي: الأولى أثناء الصراع الحدودي بين 1963 و1966؛ والثانية في امغالا سنة 1976، حين تمكن المغاربة من رد الجزائريين، القادمين لمساعدة جبهة بوليساريو، على أعقابهم”.  إننا لا نزال نعيش إسقاطات الستينيات والسبعينيات.
واليوم مع الموقف الأمريكي في 10 دجنبر 2000، والقرار الإسباني بتأكيد أن مقترح الحكم الذاتي هو الأكثر واقعية لحل النزاع تحت السيادة المغربية، يبدو أن الجزائر ستستمر في أكل الطباشير في قسم بلا تلاميذ بعد أن مل الكل الكسل الدبلوماسي للأستاذ برغم استخراج رمطان لعمامرة من غرف غسل الجثث، ليترأس دبلوماسيتها، فيما بوليساريو تستمر في مسح السبورة وتستنشق غباره لوحدها، وإن كن قيادتها على وعي بأن هناك محاولة للتخلص من زعيمهم حتى مع كامل وفائه لجنرالات الجزائر، وليس دفعه للتداوي بإسبانيا سوى محاولة فاشلة للتخلص منه، وعته إسبانيا بعد أن انكشف المستور.
اليوم يصرح عبد العزيز كوكاس مؤلف كتاب “جبهة بوليساريو.. الصعود نحو الهاوية ل”الوطن الآن”: “هناك خريطة جديدة تبنى في المنطقة برهانات مغايرة، لعب المغرب حتى اليوم بذكاء استراتيجي على رقعة الشطرنج، فيما تبدو الكثبان الرملية المتحركة كما لو أنها تطوي صفحة من التاريخ وُرثت من الحرب الباردة. لا مكان فيها لدويلة بغير مقومات ولا هوية تطمع فيها الجزائر كمحمية، فصراع الكبار حول إفريقيا، واستقرار المملكة وكونها شريك موثوق به، وتغير معطيات كثيرة على مستوى الوقائع الجيو استراتيجية، أعاد لاعتبار لهذا الصراع الذي طال أمده”.