الأربعاء 6 يوليو 2022
كتاب الرأي

سعيد الناجي: موت المسرح في رمضان

سعيد الناجي: موت المسرح  في رمضان
سينقرض المسرح المغربي لا محالة خلال سنوات... فهو لا يثير الرأي العام، ولكن دراما رمضان تثيره اهتمامه مثل ما تثيره الشباكية والطماطم والفلفل.
 
ينطلق طوفان الدراما الرمضانية منذ يومه الأول، وللأسف لها هدف واحد: "استقطاب المشاهدين ... وقتل الوقت" فالأجساد التي تتمدد بعد "حصة الحريرة" تحت تأثير الكرافس ينبغي "حقنها" بإشهارات بين ثنايا فكاهة عوجاء... بهذا يرضى المستشهرون على المنتجين، ويرضى هؤلاء على الفنانين...
 
يبدأ إذن موسم التمثيل والفكاهة... يبدأ موسم "الاعوجاج والتكلف" مع الخياري، وموسم "العروبية" مع الفد (عبد الرؤوف الجديد)... وكل ما نشاهد يقع بين هذين الحدين: الاعوجاج وتاعروبيت ... ستون سنة من تجربة التلفزيون المغربي، حصلنا على هذه النتيجة: التمثيل ب "الاعوجاج" والتمثيل ب " العروبية" مات قشبال وزروال وبقيت آثارهم...
 
وانضاف مؤخرا مكون ثالث: دراما بخيال تركي مصري فيها أداء بطريقة المسلسلات الهوليودية: مثل مسلسل دالاس أو الإيوينغ لو تذكرون (الغني والفقير والشركات والإرث و الحب والخيانة ... وكلشي مجموع في فيلا واحدة).
 
اولى الانتقادات والآراء تصدر في شبكات التواصل الاجتماعي، يتحول عدد من "الغوغاء" بتعبير إيكو (أمبرتو وليس الفكاهي) إلى خبراء، و نقاد... لكن أقل الناس انتقادا هم الفنانون أنفسهم، وخاصة الممثلون...
 
طبعا يمكن انتقاد وزارة الثقافة وسب أعضاء لجنة الدعم المسرحي... ويمكن انتقاد المركز السينمائي المغربي وبهدلة أعضاء لجنة الدعم السينمائي... ولكن التلفزيون.. خط أحمر.
 
عموما، وزارة الثقافة والمركز السينمائي مؤسسات "تخرق القانون" جهارا، فهي تعلن عن المبلغ المخصص لدعم المشاريع الفنية، وتعين لجان من خبراء لدراستها، وتعلن عن الفائزين وعن المبالغ المرصودة لمشاريعهم بكل شفافية تخرق كل الأعراف... أما التفزيون فقمة الشفافية...
 
خلال الأسبوع الأول من رمضان، وفي خضم العراك مع قلة النوم والتعب والعطش، تكون الانتقادات حادة... بعد اليوم العاشر تخف الأمور، ويبدأ فرز الأعمال بناء على عدد المشاهدات فقط... (هذا ما تهتم به شركات الإنتاج وتعد له تسويقا خاصا)..
 
يبدو الإنتاج الدرامي في رمضان قضية رأي عام حقيقية، الجميع يشارك فيه، من "العراك" حول مائدة الإفطار حول أي قناة سنشاهد إلى "غوغاء" السوشيل ميديا، إلى الصحافة والإعلام.. إلى البرلمان نفسه...
السياسيون يتدخلون حين يكون هناك إنتاج درامي مناسب للتجاذب السياسي... وهذه السنة ليس هناك أحسن من مسلسل "فتح الأندلس" خاصة وقد أنتجته "أيادي خارجية".
 
"طارق بن زياد" المسكين وقعت على رأسه كل المطارق... الأمازيغيون يثبتون مشروعية مطالبهم من خلال أمازيغيته لأنهم أحق به، والجزائريون يسحبونه عندهم لإثبات أنهم دولة منذ ما قبل التاريخ... وأطياف الأحزاب الإسلامية ترى أن إنجاز طارق كان بفضل الإيمان الذي أشرق في قلبه، وحان الوقت لإعادة الاعتبار للدين وللإيمان في المجتمع...
 
والإثارة تبلغ حين يدخل أحد "نجوم الدين" على الخط، فيحرم أو يكفر هذا المسلسل أو ذاك، فتلك قمة اهتمام الرأي العام بالدراما... ينبري النقاد والمتنورون إلى الدفاع عن المسلسل ضحية "التحريم" او "ألاستنكار" ويصمت أصحابه، ولا ينطقون... هنا يصبح للنقاد فقط رأي، ويعترف لهم به... أما آراؤهم حول الدراما كلها، فكلام عابر...
 
لهذا، كسبت إشهارات الدراما في الأيام العشرة الأولى من رمضان مبلغ 40 مليار ... رقم يبدو فيه كل منتقدي هذه الدراما مثل حشرات سامة تريد أن تمتص عرق المنتجين...
 
أما المسرحيون فهم مثل "أقلية إثنوغرافية" ستنقرض لا محالة بعد مدة... وستحنط وزارة السياحة ما بقي من جثث المسرحيين لتفتتح بها متحفا للمومياءات المسرحية المغربية، وبعد قرن من الزمان... سيتفرج السياح على مومياءات مسرحية بأسماء مختلفة: مومياء الزروالي، مومياء بلهيسي، مومياء ناسور.. مومياء الزيتوني، مومياء الضعيف، مومياء عوزري... وهلم جرا (بالمناسبة: المتحف سيكون بالمجان)