الأحد 26 يونيو 2022
كتاب الرأي

أمين بوشعيب: خيار دولة صحراوية مستقلة خيار غير واقعي

أمين بوشعيب: خيار دولة صحراوية مستقلة خيار غير واقعي أمين بوشعيب
بعض الأصدقاء مشكورين، على إهمالي لقضية الصحراء المغربية، إذ لم يسبق لي أن تناولتها في إحدى مقالاتي، لكي أبدي رأيي فيها، ذلك أن موقفي من القضية محسوم دون تردد، فالصحراء (وسمّوها ما شئتم مغربية أو غربية) أرض مغربية منذ قدم التاريخ، وقضيتها تحظى بأولوية مطلقة، وبإجماع المغاربة من مختلف شرائح وحساسيات المجتمع المغربي، بل وحتى لدى من يصنَّفون ضمن المنتقدين للسلطة. فهم جميعا يعتبرونها قضية عادلة وخطا أحمرَ لا يقبلون المساس به.
أيضا، لو سألنا التاريخ عن هُوية أرض الصحراء التي تقع شمال غربي إفريقيا لقال: إن هذه الأرض جزء لا يتجزأ من بلاد المغرب التي كانت تحكمها الدولة المركزية التي قامت في المغرب منذ عهد الأدارسة في أواخر القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) هذا الحكم التي كان يمتد أحيانا إلى أراضي دولة مالي جنوبا، وإلى بلاد الأندلس شمالا، كما هو الحال في عهد الدولتين المرابطية والموحدية. وإذا سألناه عن سكانها لقال: هم خليط من القبائل الأمازيغية وكذا القبائل العربية التي قدمت من شبه الجزيرة العربية، بعد الفتح الإسلامي، حاملة معها رسالة الإسلام، الذي حظي بقبول كبير من القبائل المحلية وانتشر بينها بشكل كبير، فأصبحوا أمة واحدة، لا فرق بين عربي منهم ولا أمازيغي.
لكن - يا أصدقائي الأعزاء- مع بروز ظاهرة الاستعمار، وفي خضم صراع أوروبي محموم على اقتسام المنطقة استطاعت إسبانيا أن تحتلّ الشواطئ المقابلة لجزر الكناري بمنطقة الصحراء المغربية، ثم التوغل داخل الأراضي المغربية، وهكذا تمكّنت في مؤتمر برلين (1884) من نيل اعتراف الدول الأوربية بسيادة إسبانيا على منطقة الصحراء الغربية التي ستعلنها مدريد في وقت لاحق (1934) إقليماً إسبانياً يحمل اسم الصحراء الإسبانية. وبقي الحال على ما هو عليه إلى غاية سنة 1957، ومباشرة بعد أن نال استقلاله عن الاستعمار الفرنسي، بدأ المغرب يطالب باستقلال الصحراء عن الاستعمار الإسباني ويؤكد أحقيته بها. وفي سنة 1965، واستجابة لطلب المغرب، دعت الأمم المتحدة إسبانيا بإنهاء احتلالها للصحراء المغربية. وفي 6 نوفمبر 1975، وبدعوة من الراحل الملك الحسن الثاني، شارك 350 ألف مغربي في مسيرة شعبية اتجهت نحو الصحراء الغربية من أجل الضغط على إسبانيا لمغادرة منطقة التي كانت تحتلها .
في هذه الأثناء التي كان المغرب يطالب بجلاء الاحتلال الإسباني عن أراضيه، ويطالب في المحافل الدولية والأمم المتحدة باسترجاعها، كانت هناك أطراف أخرى تُحيك مؤامرة ضده لمنعه من استكمال وحدته الترابية، حيث تمّ تأسيس جبهة البوليساريو باحتضان من دولة الجزائر الجارة الشقيقة، وبتمويل من القذافي الذي كان مهووسا بالانقلابات للقيام بهذا الدور، ألا وهو فصل الصحراء عن مغربها وإعلان ما يُسمّى الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. لكن المغرب استطاع أن يعزز وجوده في الصحراء، ويرسخ نظاما اجتماعيا متطورا، وأن ينعش الحياة العُمرانية والاقتصادية هناك. لكنْ مقاتلو جبهة البوليساريو ظلوا يقومون من حين لآخر بهجمات سريعة على مدن الصحراء تحت شعار "تحرير الصحراء من المغرب" فهل يا تُرى كانت هناك دولة قائمة في الصحراء ليتمّ تحريرها من المغرب؟ وإذا كان الأمر كذلك فمن هو أول رئيس حكومة لهذه الدولة قبل أن يستعمرها المغرب؟ وما هو نظامها السياسي: أهو برلماني أم رئاسي؟ وهل سبق لها المشاركة في الألعاب الأولمبية أو أية ألعاب عالمية؟
لا أجوبة لدى قادة البوليساريو لأنهم يعلمون مدى الروابط الدينية والتاريخية والأسرية التي تربط القبائل الصحراوية بالوطن الأم. ولأن أغلب هؤلاء القادة-وهذا هو الأهم-قد ولدوا في مدن مغربية مثل طانطان وشفشاون والعرائش والقنيطرة، ودرسوا بجامعاتها، بل إن مؤسس الجبهة الوالي مصطفى السيد" (الزعيم الاول للبوليساريو) من طانطان ودرس في أكادير ثم في مراكش فالرباط. فلمَ كل هذا الجحود؟
لاستفحال القضية وتدخّل عدة أطراف فيها، طرحت الأمم المتحدة عدة حلول في إطار جهودها لتسوية النزاع بين المغرب والبوليساريو، لكن أي حل منها لم يكن موضع اتفاق بين الطرفين، فالمغرب لا يقبل أي حل يضع وحدته الترابية عرضة للتقسيم، بينما جبهة البوليساريو لا تقبل أي حل لا يؤدي إلى انفصال الصحراء. لكن في سنة 2007 وقع تحول مهمّ في مسار القضية، وذلك بعد أن تقدم المغرب للأمم المتحدة، بمبادرة للتفاوض بشأن نظامٍ للحكم الذاتي الموسع في الصحراء، وهي مبادرة الحل التي رفضتها الجبهة مدعومة بدولة الجزائر التي تسعى إلى الاستحواذ على جزء من الصحراء. الآن، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على المقترح المغربي، وبعد أن أدركت غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، أن خيار دولة صحراوية مستقلة خيار غير واقعي، وأن مبادرة الحكم الذاتي الموسع التي قدمها المغرب، هي الحلّ الأمثل، أرى أنه ليس أمام قادة البوليساريو سوى القبول بهذا الحل الواقعي، فالمغرب في صحرائه ولا يُعقل اعتباره دولة محتلّة لجزء من أراضيه، كما يدّعي خصومه، ولا يمكن تحت أي ظرف من الظروف أن يفرّط في حبّة من رماله. كذلك فالمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي الذي كان يساند الحركات الانفصالية قد ولّى دون رجعة مع سقوط جدار برلين. ثم إن فرار عدة قياديين وضباط وأطر عليا ووزراء وكذا عدة وجهاء من جبهة بوليساريو للالتحاق بوطنهم الأم المغرب، وإعلان إسبانيا مؤخرا دعمها لمقترح الحكم الذاتي باعتباره الأساس الأكثر جدية وواقعية لحل النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية والذي يعتبر تحولا جوهريا في القضية، وضربة قاضية لكل محاولات فصل الصحراء عن مغربه، ناهيك على أن المبادرة التي اقترحها المغرب، تنصّ في النقطة الحادية عشرة منها على أن: "المشروع المغربي للحكم الذاتي مستلهم من مقترحات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومن الأحكام الدستورية المعمول بها في الدول القريبة من المغرب جغرافيا وثقافيا"
المغرب يمدّ يده لكل الأطراف المعنية بهذا الصراع، ويدعو إلى الطيّ النهائي لهذا النزاع المفتعل، الذي يعتبر من أقدم النزاعات التي خلفها الاستعمار، وذلك من أجل فتح مسار بناء اتحاد مغاربي جديد، من شأنه تقوية دول المنطقة وتعزيز تطلعات شعوبها في الوحدة والاستقرار والأمن والتقدم والديمقراطية.
فلاش: كان الحسن الثاني-رحمه الله-قد اقترح في أواخر الثمانينيات على ملك إسبانيا تشكيل لجنة مزدوجة للتفكير في إيجاد حل للمدينتين المغربيتين السليبتين سبتة ومليلية، بما في ذلك التفكير في الحقوق المشروعة للمقيمين الإسبان في المدينتين، إلا أن الملك خوان كارلوس لم يكلف نفسه عناء الرد على المقترح المغربي، واليوم وقد حقق المغرب نصرا ديبلوماسيا، أرى أنه قد آن الأوان لتجديد الدعوة إلى الفكرة ذاتها، مع الضغط على الجانب الاسباني، كي يندمل هذا الجرح الغائر في جسم الأمة المغربية، وتكتمل الفرحة بعودة السليبتين إلى الوطن الأم.