الاثنين 27 يونيو 2022
كتاب الرأي

عبد عزيز بلحسن : "سامير" بين تحرير أسعار المحروقات و توقيف الإنتاج

عبد عزيز بلحسن : "سامير" بين تحرير أسعار المحروقات و توقيف الإنتاج عبد عزيز بلحسن

في ظل التهاب أسعار المحروقات، ووصول أثمنة المازوط والبنزين إلى أرقام غير مسبوقة، وقد تجاوز ثمن المازوط ثمن البنزين، لأول مرة في تاريخ المغرب، ومن المؤكد أن وتيرة هذا الارتفاع لن تتوقف، إذا ما استحضرنا الحرب الدائرة في أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية والمالية التي فرضتها الدول الغربية واليابان وكوريا الجنوبية على روسيا والتي تعد من الدول الأكثر إنتاجا للبترول والغاز الطبيعي عالميا.

في هذه الظروف بدأ المغاربة يتساءلون، علما أن ارتفاع أثمنة الطاقة يؤدي حتما إلى ارتفاع أثمنة كل السلع والمنتوجات والخدمات.

أمام هذه الأزمة بدأ الحديث عن تداعياتها والتفكير في مواجهتها، فاتجه النقاش في المغرب إلى أس المشكل ويتمثل أساسا في تعطيل المعلمة الصناعية الوطنية شركة " سامير" بالمحمدية.

- ما هو السبيل الكفيل بانبعاثها من جديد؟

قبل الإجابة على هذا السؤال المؤرق، يجب التعريف أولا بهذه المعلمة الاقتصادية والصناعية الوطنية، وكيف تم إفلاسها وبالتالي تصفيتها؟

وما رافق هذه الإجراءات القاسية؛ من تحرير أسعار المحروقات واستفراد 3 شركات لتوزيع المحروقات و احتكار السوق الداخلية بينها وفرض أثمنتها التي لا تراعي وضعية البلد و القدرة الشرائية للمغاربة .

-مرحلة التأسيس

في سنة 1958 قام الأستاذ ع الرحيم بوعبيد : وزير الاقتصاد الوطني ووزير الفلاحة بوضع الأسس لبناء مشروع مصفاة مغربية لتكرير النفط بمدينة المحمدية، في عهد حكومة الأستاذ أحمد بلافريج و في حكومة الأستاذ ع الله ابراهيم، واصل الأستاذ ع الرحيم بوعبيد تطوير المنشأة الصناعية كمساهمة في الاستقلال الاقتصادي والصناعي المغربي وفك   التبعية عن  فرنسا .

تأسست " سامير" إثر توقيع اتفاق بين الحكومة المغربية في شخص وزير الاقتصاد الوطني الأستاذ ع الرحيم بوعبيد وشركة إيطالية متخصصة في البتروكيماويات وهدرجة الوقود، وبذلك تم خلق أول وحدة صناعية لتكرير النفط الخام، بطاقة سنوية تقارب 1,25 مليون طن وقد انطلق الإنتاج سنة 1961 وفي سنة 1972 تطورت الطاقة الإنتاجية المصفاة بمليون طن سنويا وبعد 10 سنوات من نشاطها تمكنت الأطر المغربية من اكتساب خبرة عالية: تكنولوجية وفنية من الشركة الإيطالية.

في سنة 1973 وفي خضم الصدمة البترولية - حرب أكتوبر التحريرية بين الدول العربية و المغاربية و الكيان الصهيوني - قررت الدولة المغربية تأميم رأسمال شركة " سامير" في إطار ما سمي بسياسة المغربة، من أجل تلافي أي أزمات مستقبلية في قطاع الطاقة و تقلبات السوق العالمية؛ لتحمل المصفاة اسم ّ الشركة المجهولة الاسم المغربية لصناعة التكريرّ" SAMIR  ".

في سنة 1997 تم تفويت الشركة لمجموعة " كورال بتروليوم" السعودية و التابعة لمجموعة العمودي، عبر امتلاكها 67,27 في 100 من رأسمالها .

تعرضت مصفاة الشركة في نونبر 2002 لحريق مهول، مما أدى إلى تعطيل نشاطها الطبيعي لعدة شهور .

كانت " سامير " تشتري أغلب حاجياتها من النفط الخام من شركة أرامكو السعودية، فسد إنتاج سامير حوالي 90 في 100 من حاجيات المغرب في ذلك التاريخ من المواد النفطية وقد أدرجت شركة سامير في بورصة الدار البيضاء منذ سنة 1996، يعني قبل تاريخ خوصصتها بسنة.

  لكن أخلت مجموعة العامودي بكل الالتزامات التعاقدية وأدخلت بذلك المصفاة في مجموعة من الأزمات المالية والأخطاء التدبيرية، مما أدى إلى توفيق الإنتاج في غشت 2015، حسب ما ورد في تقرير الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول و التي تشكلت للدفاع عن حقوق العاملين بالشركة و العمل على إعادة تشغيلها من جديد .

بعد توقيف الإنتاج، لجأت إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة إلى تبليغ الأبناك و الشركات بإشعار غير الحائز، مما أدخل الملف إلى ردهات المحكمة التجارية و التي قضت ابتدائيا في 21 مارس 2015 واستئنافيا في 1 نونبر 2016 بالتصفية القضائية مع الإذن باستمرار الإنتاج، لكن مسار الملف تعقد، ما أدى إلى استفحال الأزمة .

حسب تقرير الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول- والمكونة  من ممثلي أطر و عمال الشركة و أحزاب سياسية و نقابات و جمعيات حقوقية و فعاليات مدنية... -توقيف الإنتاج بالمصفاة جاء نتيجة تواطؤ حصل بين أطراف عدة، من أطراف داخل الشركة و أطراف خارجها ترتبط بوزارة الاقتصاد والمالية و إدارة الجمارك و وزارة الطاقة و المعادن و بعض الأبناء، فضلا عن الهيئة المغربية لسوق الرساميل (مجلس القيم المنقولة سابقا) و بورصة الدار البيضاء و مدققي الحسابات

وفي دراسة لترانسبارانسي/ المغرب تحت عنوان " الرشوة النسقية كعامل مؤثر للتنمية السيئة" جاء ما يلي: " إن السنوات 10 الأخيرة من نشاط سامير قبل توقفها سنة 2015 كانت تتميز بتدبير مضلل تتخلله ممارسات مافيوزية و أعمال إجرامية أدت إلى الوقوع في مستنقع الديون المتراكمة بموافقة المدققين" و أضافت الدراسة " أن التصفية القضائية الصادرة في حق الشركة سنة 2016 كانت نتيجة منطقية لممارسات سيئة أدت إلى فقدان شركة صناعية استراتيجية ومعرفة وخبرة طويلة راكمها العاملون بها " .

- الحاجة إلى إعادة تشغيل سامير

كانت الشركة رافعة مهمة للاقتصاد الوطني، من خلال توسيع أنشطتها وتنويع منتوجاتها: البروبان، البوتان، البنزين بنوعيه: الكيروزين و وقود الديزل، زيت الوقود، الزيوت الأساسية، الزفت، الشمع، و منتجات صناعية أخرى؛ وقد أمنت حل متطلبات السوق الداخلية و وجهت الجزء المتبقي للتصدير . كما تميزت شركة سامير بتخفيض كلفة المواد البترولية/ تكرير بترول خام كما تتوفر على قدرة تخزينية كبيرة غير مستغلة حاليا للأسف، ما جعل المغرب يهدر فرصة في زمن كورونا / الحجر الصحي، حين هوى سعر برميل النفط الىغ 20 دولار، أما اليوم ، فقد فاق سعره 100 دولار ولا أحد يمكن أن يتنبأ بمستوى ارتفاعه في ظل استمرار الحرب/ المواجهة بين روسيا و الغرب .

في مطلع التسعينات كانت سامير من المؤسسات العامة الناجحة، يعني بضع سنوات على خوصصتها و كان ناتج استغلال الشركة يتراوح بين 7 و 7,5 مليار درهم، والدخل السنوي الصافي نحو 600 مليون درهم .

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تمت خوصصة شركة سامير في أوج الإنتاج والربحية؟ ولماذا أصبح الوزير نفسه الذي تفاوض على خوصصتها/ بيعها هو المدير العام للشركة بعد الخوصصة؟؛

فكيف تحولت سامير من مؤسسة عمومية ناجحة إلى شركة توجد الآن تحت مسطرة التصفية القضائية، بسبب اختلال توازنها المالي (وصلت ديونها إلى 43 مليار درهم ، أغلبها لمؤسسات عمومية وبنوك !؟

و هنا لابد من الرجوع إلى تقرير الجبهة و دراسة ترانسبارانسي/ المغرب، من أجل تبيان خيوط المفارقة: من الربحية مرورا بالخوصصة ووصولا إلى الإفلاس في ظرف 9 سنوات من خوصصتها .

-سامير بين تحرير أسعار المحروقات وتوقيف الإنتاج

من بين الإجراءات القاسية التي أقدم عليها بنكيران؛ تحرير أسعار المحروقات بشكل كلي، مع وجود مؤشرات قوية تدلل على قرب توقف شركة التكرير سامير عن الإنتاج، والتي كانت تلعب دورا جوهريا على مستوى تموين السوق والتخزين .

أمام هذا الإجراء أعلن مجلس المنافسة عن رأيه في الموضوع،"  الحكومة قامت بالتحرير دون اهتمام مسبق بالمكونات الرئيسية للنظام التنافسي، أي وجود حواجز قوية أمام ولوج السوق في مختلف مستوياته، و مستوى مرتفع للتركيز الاقتصادي في القطاع، و بنية احتكارية لبعض الأسواق و احتكار القلة بالنسبة للأسواق الأخرى" و أضاف

 " حكومة بنكيران اتخذت قرار التحرير الكلي لأسعار المحروقات دون إقرار تدابير مواكبة لحماية المستهلك و مكونات القطاع الأكثر هشاشة وذلك في الوقت الذي أوصى فيه المجلس الأعلى للحسابات الحكومة بالحفاظ على مراقبة الأسعار، في حالة إعادة هيكلة صندوق المقاصة. كما أضاف مجلس المنافسة" السوق يعاني من اختلالات ذات طبيعة بنيوية لا يمكن لتدابير جزئية و ظرفية الإجابة عنها " كما يحصل الآن مع حكومة أخنوش، من خلال دعم مهنيي النقل و تفعيل إجراء المقايسة .

-شركات تحتكر توزيع المحروقات

من المعلوم أن 3 شركات لتوزيع المحروقات تحتكر 75 في 100 من السوق الداخلية و بالتالي أغلبية الأرباح ، لذلك تتحكم في أسعار البنزين والمازوط، وقد راكمت شركات التوزيع مجتمعة 45 مليار درهم من الأرباح، منذ بدء عملية تحرير أسعار المحروقات إلى حدود نهاية 2021، فهي تشتري النفط المصفى، نصفه من الاتحاد الأوروبي وبكلفة عالية و غير تنافسية و تحدد بنفسها هامش الربح، لتجني في الأخير أرباحا طائلة من جيب المستهلك، دون مراعاة ظروف البلد و الشعب  مع جائحة  كوفيد 19 و اندلاع الحرب بين روسيا و دول الحلف الأطلسي على الأراضي الأوكرانية، ولا تتوفر هذه الشركات على خزانات كافية لتأمين السوق الداخلية في زمن الأزمات .

- التداعيات الكارثية الناتجة عن تعطيل المصفاة

صرح الحسين اليماني منسق الجبهة الوطنية لإنقاذ سامير والكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز ( كدش) : " إن السلطات الثلاث في التنفيذ والقضاء والتشريع فشلت في إنقاذ المغرب من الخسائر المتراكمة عن توقف التكرير و تتمثل أساسا في زعزعة مقومات الأمن الطاقي المغربي والتشجيع على ارتفاع أسعار المحروقات و فقدان آلاف مناصب الشغل وتبذير العملة الصعبة بشراء الصافي عوض الخام و ضياع المليارات من الدراهم من المال العام في المديونية " وأضاف المتحدث أن عدد الأجراء في الشركة تراجع من 960 إلى أقل من 600 اليوم ، ويتوصلون بأقل من 60 في المئة من أجورهم و دون أن تؤدى عنهم اشتراكات التقاعد منذ النطق بالحكم بالتصفية القضائية ، ولتفادي هذه الخسائر، عملت و تعمل الجبهة الوطنية لإنقاذ سامير بطرق مختلفة و مبتكرة : مسيرات احتجاجية ، تنظيم ندوات للتحسيس والتوعية بأهمية المصفاة وبدورها في النهوض بالاقتصاد الوطني، كما راسلت رئيس الحكومة العثماني عبر رسالة مفتوحة جاء فيها: " أكبر الإخفاقات التي سيسجلها التاريخ في صحيفة حكومتكم، والتي أضرت بموروث الحكومات الوطنية في بداية الاستقلال، و شكلت النقيض التام للأهداف الكبرى من بناء و تطوير شركة سامير، أصرت حكومتا بنكيران و العثماني على ضرب القوة الشرائية للمواطنين من خلال الأسعار الفاحشة للمحروقات بعد حذف الدعم و تحرير السوق والأثمان، ومن خلال التفرج على الخسائر الفظيعة الناجمة عن توقيف تكرير البترول بمصفاة المحمدية والتشجيع على استيراد المواد البترولية الصافية وتخريب مكاسب الصناعة الوطنية

في 31 مارس الماضي  وبعد اجتماع الحكومة صرح الناطق الرسمي باسمها، فيما يتعلق بمصير سمرة سامير في هذا الظرف الصعب، بما يلي : " الحكومة ستتفاعل مع قضية سامير على ضوء القرارات التي ستتخذها السلطات القضائية المشرفة على هذا الملف " وفي 2 أبريل الجاري  ومن خلال بيان ردت الجبهة الوطنية لإنقاذ سامير على تصريحات الناطق الرسمي، أوضحت فيه أن تصريحات الحكومة السابقة ذاتها كانت تحاول من خلالها التهرب من مسؤولياتها في الملف و أبرزت أن القضاء المغربي أصدر أحكامه النهائية والقطعية و في كل درجات التقاضي بالتصفية القضائية لشركة سامير بالمحكمة التجارية بالدار البيضاء، ابتدائيا بتاريخ 21 مارس2015 و بتاريخ 1 يونيو 2016 بمحكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء و بتاريخ 19 شتنبر 2018 بمحكمة النقض بالرباط .

وأضاف البيان أن نجاح المحكمة التجارية في مساعي التفويت و استئناف الإنتاج رهين و بشكل حازم بتوضيح الحكومة لسياستها في مستقبل صناعات تكرير البترول في المغرب .... وأن تتقدم الدولة المغربية إلى المحكمة التجارية بطلب التفويت لحسابها في ظل المسطرة القضائية، يجيزه و لا يمنعه القانون و سيكون الحل الأمثل و الحجرة التي ستضرب بها العصافير لحماية المصالح العليا للمغرب المرتبطة بملف شركة سامير في داخل المغرب وخارجه وهو الرد المناسب على ابتزاز المدين للمغرب قبل و بعد فتح مسطرة التصفية القضائية وأكدت الجبهة على المسؤولية الوطنية في مواجهة زلزال السوق العالمية للطاقة وضرورة توفير الاحتياطات اللازمة في المواد النفطية و تلطيف الأسعار المهولة التي ضربت كل السقوف، و يتطلب ذلك العودة العاجلة للإنتاج بالمصفاة المغربية للبترول وتحديد مسؤوليات الفاعلين في توفير المخزون الأمني تحسبا لكل انقطاع في الإمدادات و التزويد المتتظم، والشروع في  الصيانة الشاملة للمصفاة وتجهيزها لاستئناف التكرير ومعالجة الأوضاع الاجتماعية المزرية للتقنيين والمهندسين المرتبطين حتى الساعة بعقد الشغل مع شركة سامير في طور التصفية القضائية و المحرومين من الأجور الكاملة و التقاعد .

 وقد نبهت الجبهة في بيانها إلى أن " كل تأخر في الصيانة لن يزيد سوى في تضاعف ميزانيات الاستصلاح وضياع مصالح المغرب المرتبطة بهذا الملف التي تعود أسباب مشاكله إلى الخوصصة العمياء والتفالس المتعمد من قبل المالك السابق و من كان يدور في فلكه " .

-رؤية ومفاتيح للحل

كانت سامير في وقتها تجيب على جل متطلبات السوق الداخلية من المشتقات النفطية، كان من المنطقي مع تزايد الطلب وتوسع الاقتصاد الوطني؛ أنشاء سامير ثانية، لكن، للأسف، حصل العكس وتم التفريط في سامير الأولى.

الحل الوحيد أمام الدولة هو تقديم طلب تفويت شركة سامير لحسابها، درء لتقلبات سوق الطاقة والذي لم و لن يستقر أبدا، بالنظر إلى المعطيات الحالية المخيفة، كل ذلك من أجل تحقيق الأمن الطاقي للبلاد والحفاظ على تنافسية الاقتصاد الوطني وحماية القدرة الشرائية للمغاربة .

بعد، جائحة كورونا، و الحرب في أوكرانيا والعقوبات الظالمة التي فرضتها دول الحلف الأطلسي على روسيا، وتعد روسيا من الدول المتصدرة لإنتاج الغاز والنفط والقمح .

على الدولة المغربية و في إطار مسؤوليتها الملقاة على عاتقها الحفاظ على القطاعات الاستراتيجية: الفلاحة، الصيد البحري، والنفط ، وتدبير المياه، حتى يتمكن المغرب من تحقيق الأمن الغذائي والأمن الطاقي والأمن الاجتماعي ، ولن يتحقق هذا المطلب الجوهري، إلا من خلال إرادة سياسية واضحة تخدم مصالح الفئات الاجتماعية الواسعة.

عبدالعزيز بلحسن فاعل حقوقي و سياسي .