الاثنين 23 مايو 2022
كتاب الرأي

الحسن زهور: الفكر والفن أمام نظام الحسبة ومحاولة الاستنساخ في المغرب

الحسن زهور: الفكر والفن أمام نظام الحسبة ومحاولة الاستنساخ في المغرب الحسن زهور
الضجة التي اثيرت حاليا في مصر حول فيلم "أصحاب ولا أعز"، يطرح مرة أخرى قضية محاكمة الفن أو الأدب من خارج الفن بدلا من محاكمته بأدوات الفن التي يتيحها النقد الفني والأدبي. فمحاكمات الفن أو الأدب من خارج مجاله هي ظاهرة معروفة في بعض البلدان التي ترى في الأدب أو الفن تهديدا لأنظمتها السياسية أو الاجتماعية، حيث يستغل البعض ثغرات في بعض قوانينها لمحاكمة مخالفيهم في الفكر والرأي. فنظام الحسبة مثلا في بعض البلدان الإسلامية ومنها مصر كنموذج لمثل هذه الثغرات القانونية التي ينسل منها البعض لمحاكمة المفكرين وسجنهم أو إعدامهم (إيران مثلا).
ففي مصر مثلا، يستطيع- بواسطة نظام الحسبة هذا- أي محام أو أي شخص رفع دعوى قضائية ضد أي كتاب أو كاتب أو فيلم أو أي كتاب أو إنتاج ثقافي لا يعجبه تحت غطاء مخالفة الدين أو الأخلاق... إذ يعتبر سيفا مسلطا على حرية الفكر في البلدان التي تأخذ بهذا النظام في قضائها فيوظفه بعض الدعاة المؤدلجين والمسيسين (وأغلبهم إسلاميون) لمواجهة كل فكر متنور، حيث حوكم به مفكرون مصريون منهم حامد أبو زيد ونوال السعداوي وإبراهيم عيسى..
وهذا ما وقع مؤخرا لفيلم أصحاب ولا أعز حين رفع أحد المحامين دعوى إلى النائب العام ضد بطلة الفيلم الممثلة منى زكي، يتهمها بنشر الرذيلة على أساس لقطة من الفيلم تظهر فيها وهي تخلع قطعة من ملابسها.
لكن الغريب في الأمر أن بعض المواقع الفنية المشهورة في مصر ممن انتقدت الفيلم من الزاوية الأخلاقية وتصفه بالوساخة هو نفسها المتخصصة في سرقة وقرصنة الافلام، حيث علق المتنور الإسلامي محمد عبد الوهاب رفيقي في حائطه بالفايس يوم 24 يناير 2022 على هذه
الازدواجية الغريبة: موقع إيجي بوست المحترم الطاهر المتخصص في سرقة وقرصنة كل أفلام ومسلسلات العالم ينتقد الفيلم ويصفه بالوساخة.
يهمنا نحن المغاربة في الأمر هو المحافظة على تميزنا الثقافي والحضاري لئلا يجرنا البعض لاستنساخ بعض أوجه هذا النموذج في بلدنا، حيث سيبدو في أول الأمر كأنه حماية للأخلاق، وغيرها لكن الأهداف الخفية هي تدعيم الفكر الإيديولوجي الديني أو القومي المستورد في محاولته لكسب المواقع (مع بداية انحساره) غايته محو الخصوصية والهوية المغربية وبالتالي التحكم، لأن من لا هوية له يسهل قياده وانقياده.
فمحاولات البعض في المغرب استنساخ هذه التجربة المصرية لفتح المجال لأي كان لرفع دعاوى قضائية ضد المفكرين والمتنورين في بلدنا هي شكل من أشكال محو التميز المغربي، لكن هذه المحاولات فشلت لأن نظامنا السياسي والقضائي لا يسمح بذلك.
ظهرت بعض هذه المحاولات التي تريد محاكمة الفن والفكر في الحملات الإعلامية التي شنت في وسائل التواصل الاجتماعي والتي تدعو إلى منع المهرجانات الفنية الكبرى ك موازين بدعوى نشرها للفساد، وتلتها محاولات التشهير ببعض المفكرين المتنورين كالأستاذ أحمد عصيد بل ذهب الأمر ببعض دعاة هذا التيار أن هدد برفع دعوى قضائية ضد الأستاذ مع العلم أنه يعرف مسبقا أن النظام القضائي في المغرب ليس هو النظام القضائي في مصر .
نفس الأمر وقع للمتنور سعيد ناشيد حين فصل من منصبه في وزارة التربية الوطنية في الحكومة السابقة (لينصفه القضاء بإرجاعه إلى مهنته التربوية)، ومنها كذلك محاولة أحد النواب الاسلاميين في المغرب سنة 2015 رفع دعوى قضائية ضد الفنانة الداودية على أغنيتها اعطيني "صاكي باغا نماكي" لأن الأغنية في نظره غير أخلاقية.
ونفس الأسلوب سلكه بعض زعماء بقايا الايديولوجية القومية بالمغرب برفع دعاوى قضائية لدى محكمة النقض المغربية ضد ما قامت به الدولة المغربية بإعادتها للعلاقات بين المغرب وإسرائيل من أجل المصلحة الوطنية الكبرى دون التراجع عن الالتزامات الأخلاقية والمالية والسياسية المبدئية اتجاه للقضية الفلسطينية.
فاستنساخ هؤلاء نظام الحسبة المصري سياسيا هو نفس ما يقوم بعض الدعاة المؤدلجين والمسيسين من محاولة استنساخ نظام الحسبة المصري بدعوى المحافظة على الأخلاق. فالطرفان يسلكان نفس المسار لاستنساخ نظام الحسبة لأهداف مغلفة بالأخلاق أو الإنسانية لكنها سياسية إيديولوجية.