الاثنين 16 مايو 2022
فن وثقافة

"لغزال فاطمة".. درة من درر الغناء المغربي وذاكرة ممتدة في الزمان والوجدان

"لغزال فاطمة".. درة من درر الغناء المغربي وذاكرة ممتدة في الزمان والوجدان قصيدة "لغزال فاطمة" من إنشاد الفنان الراحل الحسين التولالي (يسارا)

قصيدة "لغزال فاطمة" من درر الغناء المغربي الأصيل، المنتمي إلى شعر الملحون باعتباره الإنتاج الصافي للمخيلة الإبداعية المعرفية التي منحتنا، منذ الحكم الموحدي في القرن السابع الهجري الموافق للقرن الثالث عشر الميلادي، روائع خالدة كثيرة من بينها على سبيل التمثيل لا الحصر هذه القصائد: غيثة، ناكر الحسان، الحراز، الشمعة، النحلة، النزاهة، زينب، محجوبة، كلثوم...

 

وتشترك كل هذه الإبداعات في سمو الذائقة الأدبية والموسيقية ورونق الألحان، ذلك أن المؤرخين يؤكدون أن نشأة هذا الصنف من الإبداع الأدبي والفني كان قد شب وترعرع بمنطقة تافيلالت، ومن هناك انتقل الإبداع إلى باقي مناطق المغرب، وتحديدا بمدن مراكش، فاس، مكناس، تارودانت، والجديدة وأزمور وسلا... وقد ازدهر بشكل خاص على يد عامة الشعب، خاصة من لدن الحرفيين الذي كان يشتغلون في مهن الدرازة والخياطة وغيرها، كما ساهم في تطويره علماء وفقهاء أعيان متعلمون وملوك كما في العصرين السعدي والعلوي.

 

ولأن الحرفيين هم الأصل، وهم القطاع الأوسع من حيث سهم الإبداع والإنشاد، فقد سعوا إلى تقعيد شعرهم وفق قواعد الحرفة، ولذلك نجد المعجم التعريفي المتداول في شعر الملحون يرتبط دائما بأسماء ذات الصلة العميقة بعوالم هؤلاء الدرازين والخياطين والحدادين.

 

المثير في هذه التجربة الشعرية الأصيلة أن أصحابها، حسب دارسي الملحون، كانوا قد نهوا عن تدوين أشعارهم، على اعتبار أن ذلك، حسب وجهة نظرهم قد يفقد تلك الأشعار رونقها وجماليتها العفوية، ومع ذلك فلولا حرص البعض على التدوين لضاعت قصائد كثيرة، ولافتقدنا متع هذا الثراء الأدبي والفني.

 

اللافت للنظر أيضا أن بعض الشعراء كانوا قد ضمنوا نهايات قصائدهم أسماءهم الكاملة حتى تظل مرتبطة بمتنهم الشعري كتوقيع شخصي. وربما لأجل ذلك حفظت الذاكرة أسماء الشعراء، ونسينا أسماء الملحنين. وربما الأصح هو أن القوالب اللحنية والإيقاعية كانت قد حددت في أشكال متنوعة جاهزة من قبل، وقابلة لاحتضان القصائد.

 

لأجل ذلك نحفظ فقط اسم صاحب "الغزال فاطمة" المذكورة في آخر القصيدة على المنوال التالي:

"لاهل التسليم تنهيب سلامي واسمي في طرز ختامي

قول قال ادريس بن علي المالكي سلبتنيي الغزال فاطمة".

 

تماما كما في خاتمة قصيدة "الشمعة" حيث يرد:

"واسمي نبينو ما يخفى موضوع في ازجالي

 محمد الشريف بن علي ولد الرزين صيلا".

 

ومثال ذلك كثير في المتن الشعري الملحوني. أما بخصوص الطابع العام للكلمات فهو منسوج وفق تقاليد شعر الملحون المتطلبة لدرجة عميقة من الحساسية الإبداعية، ولمعرفة دقيقة بأصول البلاغة العربية، ولذلك ذلك يقال دائما إن شعر الملحون هو شعر عربي فصيح بلسان دارج.

 

مثال ذلك أننا إذا تأملنا معجم الكلمات المستعملة فسنجد أنها تنهل من القاموس العربي القح. إن المقطع الأول من القصيدة (موضوع هذا العدد) يدلل على هذا المنحى:

"ارحمي يا راحة لعقل ترحامي/ من جفاك طال سقامي/

كيف نبقى حاير وانت مسليا /روفي يا لغزال فاطمة".

 

ويمكن بسهولة أن يصبح مقطعا من الشعر العربي إذا تصرفنا به بهذا الشكل مثلا:

"ارحمي يا راحة العقل تَرحمي/ من جفاك طال سقمي/ كيف أبقى حائرا وأنت تتسلين/ الرأفةً أيا الغزال فاطمة".

 

وقس على ذلك باقي المقاطع تقريبا. وهذا ما يؤكد مجددا فرادة الإبداع المغربي المتأصل في الوجدان المغربي بفضل ذاكرة الأسلاف، وبفضل جيل من فناني الملحون الشباب الذين يعملون حاليا على جعل هذه الذاكرة ممتدة في الزمان والوجدان، احتفاء بالفن الخالد، ومقاومة للابتذال الذي صار يطبع سوق الغناء اليوم...

 

لغزال فاطمة لإدريس بن علي المالكي

 

ارحمي يا راحة لعقل ترحامي/ من جفاك طال سقامي

كيف نبقى حاير وانت مسليا/ روفي يا لغزال فاطمة

امولاتي الحب والهوى والعشق ونار الغرام

من حالة الصبا في عضايا قاموا

كل واحد دار مقامو فمهجتي/ وضحى بحسامو مع سهامو

يطعن ويزيد بالجراح عدامي/ في غراد هذ الدامي

غير ملكت عقلي بجمالها/ وغلقت عنوة باب المراحمة

أمولاتي ما كان هكذا ظني يا بنت الكرام

تعذبي بغير سباب غلامك/ بعدما قبلت قدامك

بالقهر رعيت دمامك من غرامك

ضاعت بجفاك الطويل ايامي/ يا غرايبي وهيامي

لاش عاقبتني بالظلم بعدما طعتك وانتنا الظالمة

أمولاتي شوفي بعين المحنة في هذ الغلام

أفاطمة انت بالحال سليمة وحالتي بجفاك سقيمة

كيف نبقى منسي ديما بلا جريمة

واش انت اليوم سمعك صامي/ جاوبي جواب كلامي

بغيتك تصفي ذاك القلب/ لاين انا عبدك وانت الحاكمة

أمولاتي أفاطمة تحييني غير بالكلام

ما جا رسول ما قلتيلي كلمة/ واش ما في قلبك رحمة

يا لي صلتي بالحكمة وحبك ما/ في وسط القلب زاد نار ضرامي

بردي الصهد الحامي

بالوصال والمصال لي فشفتك ديك العذبية الناسمة

أمولاتي امتى نشوف قدك يتمايس كعلام

منو الياس والريحان تعلم --- الشعرغسيق مظلم

كغراب عليه مرصم وضيا عم

(....)

سال بريق الرحيق يا لوامي والنوامس والخوامي

غير حزت وقبلت ولا فعلت ما تصبح النفس به نادمة

هاك راوي رقايقي ونظامي فايق الحرير الشامي

هاك فن قليل مثيلو في جيلنا فاق بالبلاغة التامة

لاهل التسليم تنهيب سلامي واسمي في طرز ختامي

قول قال ادريس بن علي المالكي سلبتنيي الغزال فاطمة...

 

ملحوظة: نظر لطول القصيدة اكتفينا بمقاطع من البداية والنهاية...