الخميس 9 ديسمبر 2021
اقتصاد

قدمتهم الدولة كفريسة.. شركات التأمين تنهش جسد 8 ملايين تلميذ بالمغرب

قدمتهم الدولة كفريسة.. شركات التأمين تنهش جسد 8 ملايين تلميذ بالمغرب صورة مركبة لوزيرة الأقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي وفم القرش الذي يمثل شركات التأمين الناهشة لأموال آباء وأولياء التلاميذ

مع بداية كل موسم دراسي، تعود للواجهة أسئلة التأمين المدرسي، خاصة بعد الشكايات والتظلمات المعبر عنها من طرف أباء وأولياء التلاميذ والمتعلقة بالمبالغ المالية الواجب أداؤها حينا، وحينا آخر حول هزالة التعويضات التي يتفاجؤون بتلقيها على إثر حوادث مدرسية لأبنائهم.

 

فإذا كانت المبالغ المطلوب أن تؤدى تعرضت لها جهات عدة وأعلنت أنها أقساط مبالغ فيها كثيرا وليست لها أية علاقة بقسط التأمين الموثق في العقد، فقد ظل السؤال الجوهري والمتعلق بحجم التعويضات على إثر حادثة مدرسية يشوبه الغموض ولم يتم التطرق له بالشكل المطلوب، لتكون الاجابة وواضحة.

 

وكلما أثير النقاش حول التأمين المدرسي، ينتابني شعور بالإهمال، خاصة وأنني واحد ممن يفترض فيهم تقديم الإيضاحات اللازمة المتعلقة بنفس الموضوع.

 

فالتأمين المدرسي يتمحور حول نقطتين رئيسيتين، أولهما تأمين المسؤولية المدنية لمؤسسة التعليم، والثانية متعلقة بتأمين تعاقدي للتلاميذ المتمدرسين.

 

وتأمين المسؤولية المدنية Responsabilité civile scolaire، المراد منها تأمين على المخاطر والاضرار التي قد تتسبب فيها المؤسسة التعليمية للغير، والغير tiers هو مصطلح قانوني يقصد به كل طرف لا يخضع لسلطة المؤسسة التعليمية، ويتعلق الامر بكل مرتادي المؤسسة التعليمية من غير المستخدمين، والأجراء والأطر الإدارية وأرباب المؤسسة التعليمية وشركائهم.. وتجدر الإشارة إلى كون التلاميذ أحيانا يصنفون ضمن الأغيار وأحيانا أخرى تنتفي عنهم هذه الصفة.

 

نقدم مثالا حول سريان عقد تأمين المسؤولية المدنية: أب أوصل ابنه التلميذ للمدرسة، فركن سيارته بجانب سور المؤسسة، ليفاجئه جدع شجرة متواجدة من الجانب الأخر للسور أي داخل المدرسة، وهو يسقط على سيارته مخلفا أضرارا بالسيارة وصاحبها، أو أحدهما فقط. وهنا نقول إن المسؤولية المدنية للمدرسة ثابتة، كونها لم تقم بتشذيب الشجرة الآيلة للسقوط، مما تسبب في الضرر للغير وممتلكاته، وبدل أن تؤدي المؤسسة التعليمية من ميزانيتها تكلفة الأضرار، تستعيض عن ذلك بتقديم عقد تأمينها، لتحول شركة التأمين محلها وتعوض المتضرر إما حبيا أو عن طريق القضاء يستفاد مما سبق أن عقد المسؤولية المدنية يحمي المؤسسة من نتائج الأخطار التي تتسبب فيها للغير، سواء في الممتلكات أو الأرواح، ونشير هنا كون سقف ضمان المسؤولية المدنية المدرسية يكون مرتفعا، مما يضمن تعويضا كاملا للمتضررين، وفي الغالب يتراوح ما بين 500 ألف درهم ومليون درهم لتغطية الأضرار الجسمانية والمادية.

 

أما التلاميذ وكما سبقت الاشارة فقد يعتبرون في مقام الاغيار ويستفيدون من تعويض محترم عما لحقهم من ضرر، شريطة أن يكون أصل الضرر أو سببه يعود للمؤسسة وممتلكاتها وأطرها، كأن يقوم حارس المدرسة بإغلاق البوابة  بعد دخول التلاميذ، ولكنه تجاذب الحديث مع المدير، ولم ينتبه ليد التلميذ التي لوح بها مودعا أمه التي رافقته للمدرسة، فتسبب له بكسر في يده، هنا يتعلق الأمر بالتقصير وعدم الانتباه للحارس، فتثار مسؤولية المدرسة ليتم تعويض التلميذ عن مصاريف الدواء والاستشفاء وكذا عن العجز البدني الذي سيقرر نسبته الطبيب، فيكون التعويض مناسب ومقبول، ومن أهم حوادث التلاميذ التي تخضع لبنود عقد تأمين المسؤولية المدنية نذكر حالات الاصابة التي يتسبب فيها التلاميذ لبعضهم البعض، كأن يقوم تلميذ عن طريق الخطأ بفقأ عين زميله ويفقده بصره، فهنا كذلك تثار المسؤولية المدنية ويتم تعويض المتضرر وفق سقف ضمان المسؤولية المدنية وليس وفق الضمانات التعاقدية الهزيلة.

 

وبإثارتنا للضمان التعاقدي garanties contractuelles كنقطة ثانية محورية في عقد التأمين المدرسي، يلزمنا أن نحدد ماهية هاته الضمانات ومتى يتم اللجوء إليها.

 

وإذا كان سقف الضمانات في عقد تأمين المسؤولية المدنية مقبولا ومعقولا، فالأمر مختلف كليا في ما يتعلق بالضمان التعاقدي الخاص بالتلاميذ والمتضمن في نفس عقد تأمين المسؤولية المدنية.

 

فالتأمين التعاقدي أو الضمان التعاقدي يراد من خلال حماية التلاميذ من الاضرار التي يمكن أن تلحقهم على إثر حوادث مدرسية، لا تكون المؤسسة وأطرها وممتلكاتها سببا في وقوعها، بصيغة أخرى التلميذ تسبب لنفسه في الحادث، ونورد أمثلة للإيضاح، تعثر تلميذ وسقوطه في أدراج المدرسة، سقوط أثناء اللعب بالساحة أو وهو في حصة رياضية  الى غير ذلك من الحوادث والأكثر شيوعا ،وبالتالي ترفض شركات التأمين معالجة مثل هذه الحوادث في إطار المسؤولية المدنية، ليتم اللجوء للضمان التعاقدي للتلميذ، وهنا يكمن الخلل، فأغلب عقود التأمين المدرسي تشتمل ضمانات تعاقدية بحجم تعويضات جد هزيل، تبتدئ من 5000  درهم في حالة وفاة التلميذ ، و5000 درهم في حالة العجز البدني، و500 كتعويض عن مصاريف الدواء والاستشفاء، لتتدرج هاته الضمانات من عقد لآخر حسب طلب مكتتب العقد، الى أن تصل في أحسن الاحوال الى تعويضات بقدر 100000 درهم في حالة الوفاة و100000 درهم في حالة العجز و25000 درهم للدواء والاستشفاء.

 

فمثلا عقد تأمين مدرسي يتضمن ضمان تعاقدي بقيمة 10000 درهم في حالة وفاة التلميذ 10000 درهم عجز و2000 درهم مصاريف الدواء، ووقعت حادثة مدرسية لتلميذ كان يلعب في ساحة المؤسسة، فسقط على مؤخرة رأسه وأصيب بنزيف داخلي أدى لوفاته. فالتعويض هنا سيحتسب بناء على الضمان التعاقدي، أي سيتم تعويض أولياء التلميذ بمليون سنتيم 10000 درهم عن وفاة ابنهم، مما يخلف حزنا وسخطا كبيرين لأسرة التلميذ ولكل الرأي العام.

 

ويرجع السبب الرئيسي في مثل هذه الحالات من الحوادث المدرسية والاكثر ترددا كما سبق وأشرت، الى التعريف والتحديد القانوني للمسؤولية المدنية للمدرسة، والتي تستثنى من كل الحوادث التي يرتكبها التلاميذ من تلقاء ذاتهم، وهو أمر مريح بالنسبة لشركات التأمين، كونها بفضل هذا التعريف تتحمل تكاليف تعويضات صغيرة جدا من خلال اعتماد الضمانات التعاقدية والتي غالبا ما تكون هزيلة جدا بالمقارنة  مع ضمان المسؤولية المدنية.

 

وفي اعتقادي، أرى أن جميع الحوادث المدرسية، يجب أن تدرج في إطار المسؤولية المدنية، كون التلميذ طفل قاصر غير مسؤول عما يقترفه من أفعال وحوادث، وتنتقل رعايته وحراسته والانتباه له من الابوين  الى المدرسة لتصبح مسؤولة عنه.

 

وقد نجتهد في ما هو قائم وأقول إن المدرسة التي جعلت ساحتها من الإسمنت المسلح، تكون سببا في حوادث جسيمة، التلميذ الذي سقط بالدرج يعود لإهمال حراسة التلاميذ من طرف المدرسة... فتصرفات القاصرين ترجع مسؤوليتها للأبوين وفي حال تواجدهما بالمدرسة تصبح هاته الاخيرة مسؤولة عن أفعالهم تجاه الغير وتجاه أنفسهم.

 

ومن جهة ثانية فالآباء والأولياء الذين يخولون صلاحية اكتتاب عقود تأمين، لمقاولات تجارية، يعتبر خطأ فادحا، فالمقاولة طبعا لا يهمها الحس الأخلاقي، بقدر انشغالها بتقليص التكاليف والرفع من الأرباح، فمن الطبيعي أن تبحث هذه المقاولات المدرسية عن عقود تأمين بأقل الأسعار، وعندما نقول أقل الأسعار نستنتج تعويضات دنيا.

 

وأعتقد أنه على الآباء والأولياء الامتناع عن أداء "واجبات" التأمين، ويخاطبون المؤسسة التعليمية بلغة صريحة، مفادها أنجزوا تأمينكم المفروض عليكم والمقصود تأمين المسؤولية المدنية، ولا تكترثوا لحياة أبنائنا، مادامت تعويضات التأمين تسترخص حياتهم لتساوي مليون أو مليوني سنتيم، أما المبالغ المالية المقترنة بعقود التأمين فقد ناب عني تصريح رسمي عبر التلفزة، تكلفت به الجهة الوصية على قطاع التأمينات acaps وأعلن أنها لا تتجاوز 50 درهما. هذا بالنسبة للتعليم الخصوصي، أما التعليم العمومي، فاعتقد جازما أن المسؤول الاول هو الدولة، كونها تقدم ما يقرب من 5 ملايين تلميذ فوق طبق من ذهب لشركة التأمين، هذه الاخيرة لا يهمها سوى تحصيل واجبات التأمين، اما التعويضات وحجمها فهو آخر ما يسترعي اهتمامها (منذ سنوات وشركة واحدة ووحيدة هي التي تستفرد بعقود التأمين مؤسسات التعليم العمومي)، فأقل ما يمكن أن تقوم به الدولة لضمان حقوق التلاميذ، هو اشتراط رفع سقف الضمانات، بالشكل الذي يضمن وقار التلميذ المغربي ويحفظ كرامة أولياء أموره.

 

كمال عبد اللاوي، وكيل تأمين بمدينة تازة