الخميس 9 ديسمبر 2021
فن وثقافة

محمد يسين: من وحي حديقة التجارب النباتية..حديث الشجرة

محمد يسين: من وحي حديقة التجارب النباتية..حديث الشجرة الشجرة الفريدة بحديقة التجارب النباتية
وأنا أستمتع بجولة رياضية صباحية في حديقة التجارب النباتية بشارع النصر بالرباط، منتشيا بهواء جميل بين ممرات ذات تنسيق بديع… استرعى انتباهي شجرة فريدة في شكلها، خمسة جدوع مثبتة في الأرض، جدع عجوز وأربعة لازالوا في عنفوان الشباب…استهواني المنظر في تفرده كأنه لوحة فنان مقتدر أخدت صورة للشجرة، بعثتها لأحد الأقارب من ذوي الاختصاص، متسائلا عن التسمية، على حين غرة كان إسم الشجرة مدون على شاشة هاتفي:Ficus elastica. De la famille des figuiers ( karmousse).
استهواني منظرها وهي واقفة على خمس ركائز، خلتني أسأل الجدع الأكبر وهو الرئيس في عملية الإسناد والمساندة، تململت الأغصان بأوراقها وثمارها الفريدة، ولسان حالها يقول:
يا عجوز، ابيض شعر رأسك ولم تدرك بعد خوارق الطبيعة، والقدرات التي حباها الله بها…
عقبتُ قائلا:
ما فهم العجوز، عملية الإرتكاز على خمس جذوع ضاربة بعروقها في الأرض.
صاح كبيرهم موضحا، ميزتنا نحن تتمثل في أهمية المساندة والإسناد، حين نرى غصنا منا وقد ثقل حمله، وأخد اتجاها عموديا وليس أفقيا، حينذاك تتطوع عروق من صلب الغصن، تقودها غريزة الحياة في اتجاه الأرض، لتصل للتربة حيث سهولة الإنغراس، تنتعش، تأخذ قوتها كما فعل كبيرها أول الأمر، وتبعث الحياة نزولا وصعودا لتقوية الأغصان، حتى تصير سندا قويا للغصن الذي ثقل حمله وكان أقرب للإنكسار.
قلت للشجرة، هده فهمناها، لكني ألاحظ أربع جدوع تلاحمت بين الأرض والغصن، ألم يكن الجدع الواحد كافيا للمهمة…
تململت بعض الأغصان ذات اليمين وذات اليسار، خلتها تعقب علي قائلة:
يا عجوز، نحن للأصل محافظين، وللفروع المتهالكة مساندين، منطقنا يحتم علينا الإسناد والمساندة القوية حتى نضمن سلامة الأصول والفروع ومن كان سببا في النقلة أول الأمر.
ذكرني منطق الأغصان بمنطق معشر الطير، حين تسير أسرابا في السماء، وتحضر قيمة التشجيع على الطيران، والحث على الصبر والمثابرة على مسافة المسير، وذلك في شكل هندسي مدلل لمصاعب أعتى الرياح …
استحضرت مشهد فصيلة الأشجار من صنف التنينيات برمته وبتاريخية النمو لديه، وما عرفته من تصريف فعل " أسند" على مختلف مراتبه ومراقبه، قلت في نفسي، لماذا حضر هدا الفعل هنا وهناك، وغاب عن مشهد الاستحقاقات، ومختلف محاولات الإصلاح، تلك التي سارت في درب التنزيل وإعادة التنزيل، ومحو التنزيل، وتجديد التنزيل بتجديد مختلف الوجوه، وبين هدا وذاك غابت مصلحة البلد.
قبل المغادرة، وجدتني أرفع قبعتي في انحناءة تقدير لهذه شجر خبر النضال والحفاظ على الجنس بكل غالي ونفيس… تابعت مسيري، شعرت بـ"أناي" تستغفلني بالنظر والتملي في شجرة من نفس الصنف، جاد علي بها العم "غوغل" لأجل التوضيح.
شجرة لم تكتفي بخمسة جدوع، بل أرسلتها عشرة من الأعلى الى الأسفل ومن الأسفل إلى الأعلى في تناسق بديع لا مثيل له… أمسكت ب " أناي" من أذنها اليسرى، وسرت بها على قارعة شارع النصر، لألتحق برفاقي في شبكة القراءة فرع الرباط، لننعم بقراءة للكاتب "كليطو في روايهته الأخيرة " والله إن هذه القصة قصتي"،" قائلا لأناي : آه لو كانت حكاية الشجرة هي حكاية هدا البلد الطيب أناسه.