الخميس 9 ديسمبر 2021
خارج الحدود

يجيب عنه بنشريف: ملاحقة الرئيس المرزوقي.. صراع تونسي داخلي أم إملاء جزائري؟

يجيب عنه بنشريف: ملاحقة الرئيس المرزوقي.. صراع تونسي داخلي أم إملاء جزائري؟ عبد الصمد بنشريف، يتوسط، الرئيس التونسي الحالي قيس سعيد، ومنصف المرزوقي(يسارا)
ماهو سر إقدام رئيس تونس على ملاحقة الرئيس السابق منصف المرزوقي وسحب جواز سفره الديبلوماسي؟ هل المسألة مرتبطة بتدافع تونسي داخلي أم لها صلة بالتقاطبات الجيوسياسية بالجوار الإقليمي؟ وهل الأمر شأن داخلي تونسي صرف أم أن هناك نسمة توابل جزائرية؟
للجواب على هذه الأسئلة، اقتبست "
أنفاس بريس"، رأي الزميل عبد الصمد بنشريف الذي يقدم قرائته لما يعتمل في تونس:

استرعى انتباهي  قرار الرئيس التونسي الحالي قيس سعيد، القاضي بسحب الجواز الدبلوماسي للرئيس 
التونسي السابق منصف المرزوقي، إثر تصريحاته الأخيرة، مؤكدًا عدم وجود مجال للتمتع بهذا الامتياز والتجول بين العواصم للإضرار بتونس.
وقال سعيّد خلال إشرافه على أول اجتماع للحكومة الجديدة، الخميس، إن جواز السفر الدبلوماسي سيتم سحبه من “أعداء تونس”، في إشارة فسرتها وسائل إعلام محلية بأنها موجهة إلى الرئيس السابق منصف المرزوقي.
وقال سعيد: “تعلمون كيف ذهب البعض إلى الخارج يستجديه لضرب المصالح التونسية. وأقولها اليوم الذي قام بهذا سيسحب منه جوار السفر الديبلوماسي لأنه في عداد أعداء تونس. ولا مجال أن يتمكن من هذا الامتياز وهو يجوب العواصم ويلتقي عددًا من الأشخاص للإضرار بتونس”.
وأضاف سعيد: “أطلب من السيدة وزيرة العدل أن تفتح تحقيقًا قضائيًا في هذه المسألة لأنه لا مجال للتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي”.
شخصيا أتابع تطور الأوضاع في تونس منذ سنوات. وكتبت عنها مجموعة من المقالات في منابر مختلفة. بل ساهمت ككاتب رأي بعدد من المقالات في يومية المغرب التي يديرها بكفاءة واقتدار ومهنية الصحافي زياد كريشان. واستطيع الادعاء دون تردد أنني استمع واتابع الإذاعات والتلفزات التونسية بشكل شبه دائم. ولدي أصدقاء من حساسيات فكرية وايديولوجية مختلفة. وارتبطت فنيا بمجموعة من الفنانين والمبدعين. كالراحل الصغير أولاد أحمد الذي مازلت اعتبره من أهم شعراء تونس. والراحلة ذكرى التي سبق لي أن التقيت بها في استوديوهات دوزيم وحضرت سهرت لها في أحد فنادق الدار البیضاء. ولطفي بوشناق الذي تعرفت عليه عندما كنت في دوزيم. و استمع إليه باستمرار. 
وفكرت قبل أيام. وتحديدا قبل تشكيل حكومة الرئيس سعيد أن أكتب مقالا بعنوان "تونس أعظم من الكراسي "مستلهما أغنية لطفي بوشناق. خذوا المناصب والمكاسب..بس خلوا لي الوطن. وهناك أسماء كثيرة تنتمي إلى عالم الإبداع  أكن لها كل التقدير والاحترام. 
غير أن التطورات الدرامية والمتسارعة في أرض الياسمين ،والتجاذبات الداخلية والتقاطبات الدولية وسطوة الجيو سياسة  الإقليمية،ودخول البلاد في نفق من الالتباسات. وبصرف النظر عن الاختيارات والمسالك المتبعة من لدن  أطراف ومكونات دائرة صناعة القرار الوطني، لأن ذلك شأن داخلي، فقد داخلتني شكوك كثيرة فيما يخص تأديب المنصف المرزوقي وإصرار قيس سعيد على الإنتقام منه. 
أمس وفي وقت متأخر من الليل، عدت إلى تصريحات قوية أدلى بها الرئيس السابق  لصحيفة عربية. انتقد فيها بشدة وبجرأة نادرة مواقف النظام الجزائري تجاه الوحدة الترابية للمغرب وتجاه بناء الاتحاد المغاربي..وحمله مسؤولية عرقلة هذا البناء وأنه هو أصل كل المشاكل بسبب احتضانه ودعمه لجبهة البوليساريو. بل سدد المرزوقي ضربات ماحقة ومزلزلة لما وصفه بالنظام المخابراتي الذي كل همه وشغله هو وأد الحراك الشعبي، الذي اعتبره المرزوقي الضربة القاضية لجيل الحكام الذين رهنوا منطقة بأكملها لنزواتهم وأوهامهم. 
تأسيسا على هذا. وبحكم أن النظام الجزائري يسعى بكل الطرق لوضع يده على تونس وليطبق على نظامها السياسي. وبحكم العامل الجغرافي والتماس الحدودي. فإن النظام الجزائري وهذا واضح للعيان ولكل المراقبين أكثر من زياراته المكوكية ببن عاصمتي البلدين  للتأثير على مواقف تونس وكسب ود حكامها ضدا على المغرب. وربما لتألييب بعض المنابر الإعلامية لتتبنى المواقف والرؤيا الجزائرية حيال ما يعتمل في المنطقة.
وفي هذا السياق لا استبعد أن المواقف المسجلة في حق منصف المرزوقي والقرارات الانتقامية المتخذة ضده من قبل الرئيس قيس سعيد وتخوينه واعتباره عدوا لتونس ومتآمرا عليها، أرحج أن يكون  مخططا جزائريا للإنتقام  من تصريحات المرزوقي التي لم يهضمها ويستسغها السيستيم في الجزائر. وأن هذا المخطط تم بتنسيق محكم وكامل مع مؤسسة الرئاسة في تونس وتولى قيس سعيد إخراجه وتسويقه ليمتلك الشرعية والمصداقية. 
وهاهي المواقف التي أزعجت النظام الجزائري والتي تضمنها حوار أدلى به الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي ليومية "القدس العربي" نشر في نونبر  2020 .فقد قال بالحرف: إن سياسة الجزائر ضيعت علينا 40 عامًا، وانتقد حياد تونس وموريتانيا في ملف الصحراء المغربية، واصفا إياه بأنه حياد لا معنى له، وفق تعبيره.
وقال المرزوقي في نفس الحوار: “لا يمكن أن نضحي بمستقبل مئة مليون مغاربي لأجل مئتي ألف صحراوي، في حين إن هؤلاء يجدون أنفسهم معززين ومكرمين داخل اتحاد مغاربي وضمن الحكم الذاتي في الدولة المغربية”.
وشدد الرئيس التونسي السابق على أن “الناس التي تتحمل مسؤولية إفشال المشروع المغاربي هي التي تقف وراء عمليات البوليساريو الأخيرة التي لا هدف من ورائها إلا منع أي تقارب أو تحقيق للحلم المغاربي”. في إشارة إلى النظام الجزائري. 
وأضاف: “نحن نريد توحيد الدول ولا نريد إعادة التقسيم، لأنه إن قبلنا بذلك فما الذي سيمنع غداً من المطالبة بتقسيم الجزائر أو تونس؟ لقد كنا للأسف الشديد رهائن لدى مجموعة في النظام الذي ثار ضده الشعب الجزائري”.
وعبر المرزوقي عن أمله الكبير في أن الجيل الجديد من الحكام الجزائريين الذي سيأتي به الحراك والديمقراطية، هو من سيسعى إلى إنهاء هذه المشكلة وأن نبني اتحاد المغرب الكبير الذي لن يكون بالبوليساريو وبتقسيم المغرب، حسب قوله.
وتابع قوله: “أنا مغاربي سعيت وأسعى إلى الدفع بهذا المشروع، لكن من الواضح أن هناك قوى مصممة على إجهاضه، وبالتالي فكلما تقدمنا ووجد حل معقول للمشكل الصحراوي في إطار الحكم الذاتي داخل المغرب واتحاد مغاربي كبير، إلا تقوم قوى معينة بنوع من الضربات الإرهابية لمنع ذلك”.
وأكد على أن موقفه الدائم يقوم على بناء الاتحاد المغاربي من خلال قبول كل الأطراف بحل المشكل الصحراوي في إطار الحكم الذاتي للصحراء داخل المغرب.
و كشف المتحدث" أنه من بداية الثورة التونسية إلى حين رحيله عن الحكم في تونس، “كان موقف النظام الجزائري القديم مني ومن تونس سلبياً وسلبياً جداً حتى لا أقول أكثر. لماذا؟ لأنهم كانوا يعرفون أن موقفي وموقف تونس هو عدم الإيمان بالرؤية الجزائرية لملف الصحراء”.
وكشف المرزوقي أنه كان يسعى خلال فترة حكمه إلى جمع القادة المغاربيين وطلب منهم الاجتماع في تونس، قائلا: “قبلوا كلهم بإستثناء قادة الجزائر.
كما كان سيعرض عليهم، حسب المصدر ذاته، إيجاد حل لقضية الصحراء في إطار الحكم الذاتي، “وكانت هناك فكرة تروج في أن يكون للجزائر منفذ على المحيط الأطلسي إن وافق المغرب بالطبع. كل هذه الأفكار في إطار حسن النوايا كان بوسعها تحريك الملف في مصلحة الشعوب والدول، لكن الحسابات الخاطئة والأحقاد القديمة غلبت للأسف”.
وتابع: “عندي قناعة أن بعبع الدولة المخابراتية العسكرية في الجزائر قد انتهى وأنه مات في عقول وقلوب الجزائرين ولم يعودوا يشعرون بالخوف من الدولة العميقة”.
وزاد في هذا الإطار: “لدي قناعة أن الجزائر في السنوات العشر المقبلة ستكون جزائر مختلفة بحكم تجدد الطبقة السياسية، وأنا لدي ثقة تامة في الشعب الجزائري سيقدم لنا في السنوات العشر المقبلة قيادة سياسية جديدة ستبني الاتحاد المغاربي وستفتح الباب للأحلام التي أمني بها نفسي منذ سنوات”.