الثلاثاء 19 أكتوبر 2021
كتاب الرأي

حسن مخافي: اليسار المغربي وأزمة النخب السياسية

حسن مخافي: اليسار المغربي وأزمة النخب السياسية حسن مخافي

أبانت الاستحقاقات الانتخابية التي عرفها المغرب يوم 8 شتنبر الجاري عن وجه محتشم لليسار المغربي الذي توارى دوره السياسي منذ انتخابات 2007، ولم يعد يشكل رقما يعتد به في المعادلة السياسية. قد يفسر هذا التراجع بموجة النكوص التي عرفها اليسار على الصعيد العالمي عقب انهيار الاتحاد السوفياتي. ولكن هذا التفسير يفقد بعدهالإقناعي عندما نستحضر قوة اليسار المغربي في 2002 حيث احتل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي كان آنذاك قوة يسارية ضاربة، المرتبة الأولى في الاستحقاقات التي جرت تلك السنة. هذا يعني أن لليسار المغربي خصوصية يستمدها من تاريخه الطويل باعتباره استمرارا لحركة التحرر الوطنية التي عرفت جذوتها الأولىفي أواسط خمسينيات القرن الماضي واستمرت مع حكومة عبد الله إبراهيم التي تعرضت للوأد المبكر والتي سجل وأدها بداية صراع مرير ما زال مستمرا إلى الآن، وإن بأشكال مختلفة.

من الطبيعي أن نشاهد اليسار المغربي الذي يؤرخ له بتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959 يتطور في نظرته للواقع وفي رؤيته إلى القضايا الاجتماعية والسياسية، لأن المجتمع المغربي الذي كان محكوما بمنطق محدد خلال النصف الثاني من القرن العشرين خضع لمتغيرات كبرى تحتم نمطا آخر من التفكير يعيد النظر في الأولويات والأهداف.

ومع ما عرفه المجتمع من تحولات عميقة بدأت ملامحها تبرزبوضوح مع بداية القرن، كان على اليسار المغربي أن يحدث آليات جديدة لمقاربة الواقع وأن يبلور استراتيجية أخرى تحفظ له دوره التاريخي في تحديث المجتمع.

 إلا أن الذي وقع أن ذلك اليسار عوض أن ينخرط في حركية التغيير انقسم على نفسه: قسم منه لم يعد يحمل أفكارا يسارية وتخلى بجرة قلم عن برامجه التي كانت تبشر بمجتمع بديل يسوده العدل والمساواة والديمقراطية الحق، وقسمتقوقع على نفسه وتعرض للتآكل شيئا فشيئا بفعل الصراعات الثانويةالتي فرضتها شروط خارجية بقدر ما أملاها تطوره الطبيعي، ففرقت بين مكوناته السبل، وأصبح عبارة عن جزر سياسية لا تواصل بينها.

أسباب تلك النزعة اليمينيةعند القسم الأول وذلك التشرذم لدى القسم الثاني لا ترد إلى مراجعة فكرية وسياسية أملتها تحولات المجتمع، ولا إلى اختلاف في وجهات النظروتباين في الرأي حول القضايا الكبرى التي من المفروض أن تقض مضجع اليسار وترسخ الحاجة إليه، وإنما تعود في أغلبها إلى ممارسات ذات طابع نفعي  في أحيان كثيرة. أي أن الصراع بين مكونات اليسار المغربي لم يعد صراعا فكريا ولا حتى أيديولوجيا وإنما أصبح صراعا على المواقع، وهو ما أضفى عليه طابعا ضيقا وجعله يدور في حلقة مفرغة. لقد أصبح اليسار المغربي يعيش أزمة نخب أدت في النهاية إلى مكونات سياسية هجينة تعاني مأزقا بين الشعار وواقع الحال. فلا هي يمينية تتبنى برامج اليمين، ولا هي يسارية تملك قرار نفسها وتتهيأ للدفاع عن طابعها اليساري. لقد ضل قسم كبير من اليسار المغربي في متاهة البحث عن دور ما، فارتمى بعضه في أحضان الانتهازية بمشاركته في حكومات ذات طابع يميني، وانكفأ بعضه الآخر في عزلة تامة عن المجتمع.

هل يمكن أن نسمي اليسار المغربي والحالة هذه يسارا؟ الواقع أن كل حديث عن اليسار المغربي في ظل هذه الوضعية، وبالواصفات التي تنطبق على مفهوم اليسار كما هو متعارف عليه، هو حديث ينطوي على نوع من المجازفة، ذلك أن الوضعية التي يوجد عليها اليسار المغربي اليوم لا تسمح بالحديث عن يسار بالمعنى الدقيق للمفهوم، بقدر ما تجعلنا نتحدث عن يساريين.

إن المتتبع للخطاب السياسي بالمغرب يجد نفسه أمام مفارقة مؤداها أن هناك تراكما كميا ونوعيا في الفكر السياسي اليساريبالمغرب، وبالمقابل  هناك وجود خافت على الساحة السياسية لليسار. ومرد ذلك إلى افتقار اليسار المغربي لإطار يجعله ينتظم في نسق موحد أو مشترك من التفكير السياسي ومن الممارسة السياسية. وبالتالي نحن أمام يسار هجين يعيش مفارقة بين فكره وممارسته. وقد أدى غياب إطار مثل هذا إلى غياب الشعور بالمسؤولية، كما نتج عنه التخلص من المراقبة الذاتية والشعور بالانتماء. وهذا بالضبط ما يفسر انزلاق بعض اليساريين إلى أقصى اليمين والتحاقهم فرادى وجماعات بالأحزاب التي خرجت من دهاليز الدولة العميقة. وهي ظاهرة تستحق الدراسة لما تثيره من استغراب ودهشة عندما يتخلى "المناضل" الذي نما فكره وترعرع في كنف اليسار ثم فجأة يصبح قياديا في تنظيم أقل من يميني، ضاربا عرض الحائط برصيده النضالي وتضحياته المبذولة عبر السنين.

قد يفسر هذا التحول في المواقف والمواقع بأنه ذو بعد شخصي، ولكنه عندما يتسم بالشيوع والانتشار يصبح ظاهرة تستحق التأمل.

فكم من يساريين مغاربة استهوتهم الكراسي الوثيرة بعد أن أصابهم اليأس من أن يروا ذات يوم مشروعهم الاجتماعي قيد التحقق، فتخلوا عن انتمائهم في أول فرصة وانحازوا إلى مؤسسات سياسية تعادي في جوهرها مبادئ اليسار. ومن هؤلاء اليساريين من ذاق مرارة سنوات الرصاص، ومنهم من قضى سنين طويلة في السجن بوصفه معتقلا سياسيا، ثم استيقظ ذات يوم من حلم التحرير والاشتراكيةواكتشف فجأة بأن التضحيات التي بذلها في السبعينيات والثمانينيات لا تساوي حتى المبلغ الزهيد الذي حصل عليه في إطار "الإنصاف والمصالحة"، فاكتفى من الغنيمة بالإياب.

 أما الذين عزفوا عن ركوب قطار اليمين فإن أغلبهم جرفته مشاغل الحياة اليومية فتفرغ لتتبع المشهد من بعيد، وكأنه لم يساهم ذات زمن في صياغته...

الأقلية القليلة من يسار السبعينيات والثمانينيات ظلت تعيش على حلمها القديم الجديد باليوم الذي ينتعش فيه اليسار المغربي ويصبح صوتا مسموعا على المستوى السياسي. ولا يتأتى هذا إلا بالتخلي عن الأنانية النضالية والبحث عن إطار يجمع شتات اليسار المغربي على أرضية فكرية وتنظيمية مشتركة. وفي انتظار ذلك فإن كل حديث عن اليسار المغربي هو حديث عن يساريين وليس عن يسار حقيقي.