الخميس 2 ديسمبر 2021
كتاب الرأي

عبد المجيد طعام: مصطفى بنعلى والفتح المبين..غزوة الليبرالية وتصفية مشروع الدولة الإسلامية

عبد المجيد طعام: مصطفى بنعلى والفتح المبين..غزوة الليبرالية وتصفية مشروع الدولة الإسلامية عبد المجيد طعام
لم تهدأ الزوبعة التي أثارها تصريح أمين عام حزب جبهة القوى الديمقراطية مصطفى بنعلي، فبمجرد ما خرج من قاعة المشاورات التي جمعته مع عزيز أخنوش، زعيم حزب الأحرار، أدلى بتصريح غريب للصحافة، لا علاقة له بأهداف المشاورات الحكومية، كما لا يصب في مجرى انتظارات الناخبين .
والابتسامة تعلو مُحَيّاه قال السي بنعلي “هذا الصباح التقيت بالسيد رئيس الحكومة المعين وهنأته بالثقة المولوية وثقة الناخب المغربي الذي عبر عن وعي كبير بتحديات المرحلة....”.
مباشرة بعد الطقوس التي يفرضها إيتيكيت تقديم الولاء، يوجه الزعيم اليساري كلامه إلى المغاربة ليشعرهم بأهمية الدور الذي لعبوه حينما أصروا على إحداث تغيير جذري في المشهد السياسي ،فقال :" “نحن كحزب وكحساسية سياسية نعبر عن دعمنا لكل التوجهات التي تخدم مصلحة الناخبين في هذه المرحلة الدقيقة التي انتقل من خلالها المغرب من مشروع دولة إسلامية إلى مشروع دولة مجتمعية ليبرالية ديمقراطية”. كما اعتبر أن " المواطنين المغاربة قد أبانوا عن وعي حقيقي لطبيعة المرحلة ومتطلباتها" ، ثم عاد مرة أخرى ليعبر عن ولائه غير المشروط لحزب الأحرار ،قال: "حزب التجمع الوطني للأحرار واع بما تفرضه المرحلة ،وبأهمية الثقة التي حظي بها بعد عمل دؤوب ،من أجل التعبير عن توجهات البلاد خلال المحطات القادمة.
في الحقيقة ما صدر عن مصطفى بنعلي لا يعتبر مجرد تصريح سياسي نتج عن مشاوراته مع أخنوش، وإنما هو بيان سياسي ملغم، يحتوي الكثير من التناقضات ويعبر عن أزمة حقيقية يتخبط فيها الخطاب السياسي المغربي الذي يتم توظيفه لأغراض معينة .
إذا كان الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية، قد حضر هذه المشاورات وفي نيته أن يصنع " البوز" على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد نجح بامتياز ،بل تجاوز في بوزه اليوتوبورز أصحاب المضامين التافهة بل تجاوز حتى رائدات "روتيني اليومي " وأصبح يتقاسم معهم الشهرة .
يبدو السي بنعلي مقتنعا بأن الانتخابات الأخيرة أنقذت المغرب من مؤامرة وبفضل التصويت المكثف والمشاركة الفعالة للشعب تم وضع حد لمشروع الدولة الإسلامية واخترنا التحول إلى مشروع الدولة الليبيرالية الله يا ودي أسي بنعلي ؟ كيفاش هاذ الشي ؟ ما فهمنا والو ؟
تصريح الزعيم اليساري المغمور أحدث ضجة كبيرة جدا وخلف ردود فعل جد متفاوتة، تجمع كلها على رفضه جملة وتفصيلا ،وفتح نقاش غير هادئ حول إشكالية الهوية وتصدر الحديث عن الهوية الإسلامية للمغاربة كل النقاشات، وهكذا سيتحول النقاش المجتمعي بنسبة 380 درجة من جديد ، سيتحول من النقاش السياسي إلى النقاش الهوياتي، من نقاش مآل الانتظارات الشعبية، وترقب حكومة تهيمن عليها ثلاثة أقطاب حزبية كبرى مهيمنة على المشهد السياسي منذ عدة عقود، وأزمة المعارضة إلى النقاش عن مسألة هوية المغاربة ،حيث نصبت النخب المثقفة نفسها ممثلا عن الشعب تدافع عن هويته الإسلامية وتحذر من الخطر المحدق بالدين ، لكن لماذا تم توجيه الرأي العام نحو هذا النقاش ؟
نشير أولا إلى أن التصريح كانت له تداعيات خطيرة على الساحة السياسية والاجتماعية والثقافية، ذلك أن النقاش الهوياتي الذي فرضه، أفصح عن وجود شرخ بين الشعب والنخب السياسية، شرخ يصعب لَأْمُه، ناتج عن غياب مرجعية فكرية واضحة لدى الأحزاب المغربية التي تسخر لخدمة أجندات معينة، أو توجيه الرأي العام وإبعاده عن قضايا الراهن السياسي والاجتماعي.
لقد وظف بنعلي في تصريحه الغريب مفهومين هما الدولة الإسلامية والدولة اللبيرالية، مفهومان متناقضان ولكن في المسار السياسي المغربي يتقاطعان.
دون أن يعي لحظات التقاطع بين المفهومين في الزمن المغربي، يعلن بنعلي أن الشعب قرر التحول من النموذج الإسلامي إلى النموذج الليبيرالي ، فنتصور الانتخابات وكأنها غزوة جديدة حققت فتحا ليبيراليا غير مسبوق خلصنا من هيمنة الإسلام السياسي ، فهل هذا الفتح الليبيرالي يعبر عن نضج الوعي السياسي بين المغاربة ؟ هل نحن نملك فعلا القدرة والإرادة والحرية لنمارس هذا التحول ؟ إذا كان للشعب كل هذا الوعي السياسي لماذا لم يتمكن من الانتقال من مجتمع الجهل والأمية إلى مجتمع العلم والمعرفة ؟
للكتلة الناخبة le bloc électoral خصوصياتها و درجة من الوعي تمكنها من أن تتبنى موقفا سياسيا ،في بلادنا لا زالت الكتل الناخبة غير ناضجة الوعي ، هي براغماتية آلية تسير مع من يوفر لها مصالح ملموسة آنية ،لهذا لم تتمكن كل الجهات المهتمة بالشأن السياسي من القضاء على استعمال المال بطريقة غير مشروعة لاستمالة الناخبين..
نظرا لغياب التأطير ،لم تتمكن الأحزاب من تكوين وتجهيز كتل انتخابية بالوعي السياسي الناضج ، لدينا ناخبون يقطنون الأحياء الهامشية لا يعرفون أي توجه سياسي، يصوتون بكثافة حسب الطلب ،لهذا لم يتوقف أبدا الاستثمار في الفقر ... لازالت الأحياء الهامشية الفقيرة ،تتسع لتكون خزانا لا ينضب من الناخبين ،يوضع رهن إشارة الأحزاب التي تتحكم في هندسة الخريطة السياسية حسب ما يخدم مصالحها ، وهكذا لم تستطع صناديق الاقتراع تأسيس ديمقراطية حقيقية ، فكيف لجيوش من الفقراء المهمشين ،لا يعرفون ماهي السياسة أن يحققوا هذا الانتقال من مشروع الدولة الإسلامية إلى مشروع الدولة الليبيرالية ؟ كيف تأتى لهم كل هذا الوعي ؟ إنهم لا يعرفون ماهية الدولة الإسلامية ولا ابجديات الدولة الليبيرالية .
إنها سريالية سياسية أو خدمة أجندة معينة لأن ما يطرحه الأمين العام لحزب الزيتونة لا يقبله العقل ولا المنطق ، فإذا تتبعنا التسيير الحكومي للبيجيدي خلال العقد اخير ندرك أن هذا الحزب لم يتوقف عن تقديم خدمات جليلة للرأسمالية في صورتها المتوحشة ،ألم يقض على كل مكتسبات الشعب لصالح الرأسمالية المتوحشة ؟ أين هو مشروع الدولة الإسلامية في اختياراته ؟ لا وجود لمشروع دولة إسلامية ، كان البيجيدي في خدمة مشاريع الرأسمالية المتوحشة ألم يقض على صندوق المقاصة ؟ ألم يقض على الوظيفة العمومية ؟ إجراءان خطيران تم تمريرهما ضد الإرادة الشعبية بضغط من صندوق النقد الدولي ، ألم يغض الطرف عن إغلاق لاسامير ؟ ألم يحرر أسعار المحروقات ؟ ألم يساهم في أن يربح الرأسمال 17 الملياردرهم من المحروقات بدون موجب حق؟ ألم ينل قياديو البيجيدي نصيبهم من امتيازات الريع؟ أين هو مشروع الدولة الإسلامية؟
نتوهم أننا مارسنا عقابا انتخابيا ضد البيجيدي، دون أن نأخذ بعين الاعتبار المؤشرات الدالة على رغبة النظام في التخلص من البيجيدي، وقد طفت مجموعة من هذه المؤشرات منذ انتخابات 2016 حينما حصل الحزب على المرتبة الأولى للمرة الثانية على التوالي، من بين المؤشرات القوية، نذكر البلوكاج السياسي ومنع بنكيران من رئاسة الحكومة للمرة الثانية واستبداله بالعثماني الذي يعتبر أضعف رئيس حكومة، عرفه التاريخ السياسي المغربي منذ الاستقلال .
لتصفية الحسابات مع الحزب الذي قدم خدمات جليلة للنخبة السياسية وطرده بطريقة مذلة في ثوب ديمقراطي، تم توجيه الشعب بدقة متناهية، بتوظيف كل الوسائل المتاحة، كوسائل الإعلام الخاصة التي أدت مهمة تجييش الحشد بإتقان رهيب، إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت من أخبار قياديي البيجيدي موضوعا للتنكيت والنقد و تداول أخبار حياتهم الخاصة .
لقد تم إخضاع الشعب لنوع من الضغط السيكولوجي يشبه ما ورد في كتاب سيكولوجية الجماهير لجوستاف لوبون، تم توجيه المجتمع توجيها دقيقا لتتحقق النتائج التي تم رسمها مسبقا وقد لعب الإعلام دورا خطيرا في هذا التوجيه .
لهذا نرى أن السي مصطفى بنعلي جانب الصواب حينما قال بأن الشعب وضع حدا لمشروع الدولة الإسلامية وكأن هذا السياسي ذي المرجعية اليسارية لا يعرف المجتمع وتوجهاته الفكرية الثقافية.
لا يفصل المجتمع المغربي بين مفهوم الدولة الإسلامية والإسلام ذاته، وأي حديث عن مشروع الدولة الإسلامية وإن في بعدها السياسي هو حديث عن الإسلام، خاصة وأن المجتمع بكل فئاته الاجتماعية ونخبه يعيش حاليا، توجها نحو التشبع بالسلفية الطقوسية التعبدية التقليدية.
لا وجود لمشروع دولة إسلامية بمفهومها السياسي لأن الحكومة كانت متكونة في الولايتين معا من خليط من الأحزاب ذات مرجعيات جد مختلفة إلى حد التناقض فكيف سيتأسس مشروع هذه الدولة وحزب الأحرار متواجد في الحكومة؟ وكيف سيتأسس وحزب التقدم والاشتراكية متواجد في الحكومة؟ وكيف سيتأسس والاتحاد اشتراكي متواجد هو الآخر؟
مشروع الدولة الإسلامية لم يتواجد إلا في مخيلة اليساري مصطفى بنعلي، كان عليه أن يثبت وجود هذا المشروع الخطير بالأدلة والبراهين، كان عليه أن يعطينا مثلاً لمشاريع القوانين، التي قدمها حزب العدالة والتنمية، أو القوانين التي تمت المصادقة عليها في عهده وكانت ستتجه بالمغرب نحو الدولة الإسلامية.
العكس هو ما وقع ذلك أن العدالة والتنمية هو من تخلّى عن مرجعيته الإسلامية في تدبير الحكومة، ولم تعد توجد أي حدود اديولوجية تفصله عن باقي الأحزاب التي شاركته التدبير الحكومي.
لم تكن الحكومة في الولايتين معا تحمل مشروع دولة إسلامية لأن البيجيدي كان حزبا ضمن أحزاب أخرى لها من القوة والتجربة أضعاف ما يملك ، لها قدرة إسقاطه عن طريق ملتمس الرقابة في أية لحظة والدليل أن البلوكاج أظهر أن الحزب الإسلامي لم يكن يتحكم في خيوط اللعبة السياسية ، لقد جيئ بالبيجيدي ليؤدي مهمة سياسية ويتم التخلص منه بعد ذلك بطريقة تحوله إلى حزب قزم يجتر خيبة تجربته السياسية .
يقف مشروع الدولة الليبيرالية الخَيّر، حسب بنعلي المناضل اليساري ،في الجانب المقابل لمشروع الدولة الاسلامية الشرير ، وهكذا يدخلنا هذا السياسي في نوع من الصراع المثالي الخير / الشر ويقدم الشعب في صورة البطل المغوار الذي قام بغزوة الليبيرالية، فهل انتقلنا مع هذه الانتخابات / الفتح المبين إلى مشروع دولة ليبيرالية حقيقية ؟ هل جاء الحق وزهق الباطل؟
الليبيرالية هي منظومة من القيم الفكرية والثقافية ،نتجت عن الثورة الفرنسية وأفرزت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ،وعلى الرغم من أن المجتمع المغربي تظهر عليه بعض مظاهر اللبيرالية ،إلا أنه لم يستطع أن يتشبع بالقيم اللبيرالية ، وما يحدث في أحزابنا يتناقض مع الليبيرالية كفكر وثقافة وممارسة سياسية ، بحكم أنها لا تبيح حرية الرأي والاختلاف .عرف المغرب منذ الاستقلال ليبيرالية اقتصادية دفعت به نحو كماشة الرأسمالية ، وما حدث في عهد الحكومتين السابقتين ،يعكس بكل وضوح تدخل الرأسمالية العالمية في اختياراتنا السياسية .
حكم حزب الأحرار جنبا إلى جنب مع البيجيدي، والاختيارات التي اشتغلا عليها هي الاختيارات الاقتصادية الليبيرالية،لا علاقة لها ببرامجهما الانتخابية ، كان همهما الوحيد هو تحقيق التوازنات الماكرواقتصادية ولو على حساب القدرة الشرائية للمواطنين ، لهذا وفي ظل هيمنة الليبيرالية الاقتصادية في شكلها الممارس لا يمكن لأي إصلاح حكومي أن ينجح.
إن أمين عام حزب الزيتونة مصطفى بنعلي لم يفوّت مناسبة لقائه مع أخنوش ليمدح ويتودد إليه، ربما يجود عليه بالقليل من الوزيعة، وأبدا الزعيم اليساري أنه مستعد ليذهب بعيدا جدا ليحظى بالتفاتة أخنوشية ،ولو أدى ذلك به إلى أن يقف وحده في التيار السلفي الجارف، وهكذا سقط في تناقض صارخ وأبان أنه لم يأت إلى المشاورات كرئيس حزب تقدمي ذي مرجعية يسارية تتميز بنزعة علمية في التعاطي مع القضايا السياسية والاجتماعية، وإنما تحول إلى مجرد أداة تعمل على توجيه الحشد .
أخرج التصريح الغريب الحشد عن صمته، صرخ في وجه بنعلي ولكن في نفس الوقت أفصح عن تناقضاته العميقة، لقد أوهمته وسائل الإعلام بأن له القوة التي تمكنه من ممارسة إرادته الحرة son libre arbitre لمعاقبة الإسلام السياسي ويصفق في نفس الوقت لانتصار الحزب الشريك في التسيير الحكومي .
رغم التناقض الصارخ أبدا الحشد تشبثه بسلفيته وإن في صورتها البدائية الانفعالية التقليدية، وأظهر أنه لا يتبنى السلفية كمرجعية فكرية وإنما كطقوس تعبدية تؤثث هوية مهزوزة تنساق بشكل انفعالي مع صراعات هامشية لا علاقة لها بانتظاراته.
لا يختلف أثنان في القول بأن العدالة والتنمية رهن حاضر ومستقبل المغرب في كماشة الرأسمالية المتوحشة بحكم أن عهده عرف أكبر استدانة مست الاقتصاد الوطني، كما نتفق حول تخلّى البيجيدي عن مرجعيته الإديولوجية في تدبير الحكومة من هنا نخلص إلى أن لا وجود لأي مؤشر يدل على أن الحزب الإسلامي كان يشتغل على مشروع الدولة الإسلامية، ثم ما علاقة حزب الأحرار بالليبيرالية كمنظومة فكرية لها تاريخها وشروط إنتاجها ؟ لا وجود لأية علاقة بين الليبيرالية و الأحرا ر، إلا في الشق الاقتصادي ذي التوجه الرأسمالي المتوحش، هكذا يتبين أن بنعلي اليساري لعب دورا مهما لتهييج الحشد، وتوجيه الرأي العام إلى نقاش يبتعد عن مآلات الانتظارات المنشودة من الحكومة المقبلة .
انتهت التحالفات وانتهت القسمة بين الأحرار والبام والاستقلال ،كل حزب أخذ ما يراه حقه الشرعي، وتم نبذ الأحزاب الأخرى التي وجدت نفسها مضطرة لتلعب دور المعارضة ،في انتظار أن تتغير الشروط وتجد نفسها ضمن الفريق الحكومي ، كل شيء ممكن إلا انتظارات الشعب ستؤجل كالعادة إلى أجل غير مسمى .