الاثنين 6 ديسمبر 2021
كتاب الرأي

عتيقة الموساوي: الاندماج في منظومة "سكن وسكان".. إعادة النظر في سياسة التأهيل الحضري

عتيقة الموساوي: الاندماج في منظومة "سكن وسكان".. إعادة النظر في سياسة التأهيل الحضري عتيقة الموساوي

قدم المجلس الأعلى للحسابات في عرضه أمام الحكومة والبرلمان سنة 2019 مقاربة اعتمد فيها على إجراءات متكاملة للتنمية البشرية تتجاوز هدف الإسكان وفق النظرة النموذجية الشاملة للجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ودعا بقدر الإمكان الى توفير جل الخدمات العامة الأساسية في الأحياء الجديدة، لاسيما التعليم والصحة والنقل والأمن..، نفس المقاربة أدرجت في النموذج التنموي الجديد للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ركز فيها على التخطيط الحضري كإطار مرجعي للتنمية الحضرية مؤكدا على ضرورة خلق إطار للعيش والتمازج الاجتماعيين لتحسين ولوج السكان للسكن وتبني سكن يعزز التنوع الاجتماعي والاندماج الاقتصادي لتوفير العيش الكريم .

 

ورغم أن المغرب خطا في مجال النهوض بالسكن، وخصوصا السكن الاجتماعي خطوات هامة، صنف حسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في المرتبة الثانية من حيت النتائج في القضاء على الأحياء الهشة بفضل السياسة الرشيدة للملك محمد السادس وبرامج وزارة إعداد التراب الوطني والإسكان والتعمير وسياسة المدينة القاضية إلى تحسين السياسات الموضوعية وتطوير البرامج السكنية بما يلائم المتغيرات البنيوية ويقضي بإزالة دور الصفيح والمناطق العشوائية بشكل كامل أو جزئي، داخل محيط مندمج يهدف إلى تحقيق توازن مجالي بأليات التأهيل والتطوير للأحياء السكنية المستهدفة، غير أن النهوض بالسكن الاجتماعي يلزمه تخطيط مجالي متكامل في الرؤية الاستراتيجية لتدبير التخطيط والتنمية المستدامة.

 

فغالبا ما رافقت عملية القضاء على السكن غير اللائق وإعادة الإسكان سلوكيات تنعكس على التدابير الشاملة للتنمية المجالية في الاحياء الجديدة، وتأثيرها على عملية إعادة التأهيل وتطوير السكان بما يفيد تحقيق عملية الإدماج المطلوب داخل محيط هذه الأحياء.

 

في استطلاعاتنا للرأي عن هدا الموضوع بادر الكثير من القاطنين إلى التعبير عن رفضهم للواقع المزري الدي يعيشونه داخل احيائهم الهشة وتطلعهم إلى التغيير ورغبتهم في الانتقال من سكن غير لائق غير منظم إلى سكن منظم يضمن الكرامة في إطار شروط الروابط الاجتماعية التي باتت جزءا من حياتهم .. مما يعني أن مقاربات السكن الاجتماعي تتم دوما وفق مشروع سكني بديل.. لكن تعيقه بعض النتائج السوسيو-اجتماعية الاقتصادية والمجالية والبيئية لعملية إعادة الاندماج داخل لأحياء الجديدة المتدخل فيها مما يترتب عنه انعكاسات بصور التناقض مع باقي المنظومة الحضرية والمشروع الجديد، فالإنسان يبقى دوما هو الفاعل الأساسي في التنمية المستدامة وليس مجرد مستفيد.

 

مقاربات إعادة الاسكان إنتاجية لمشروع سكن جديد يحقق الحاجيات الحقيقية للسكان بفضل الامتيازات الممنوحة وليس مجرد سكن للاستهلاك.. ومع ذلك فإن اختلافات التباين في المشهد من حيت المواقع التي تم استهدافها خارج المدار الحضري للمدن تنعكس على البعد الاجتماعي وتسجل اعتراضات القاطنين على المواقع الجديدة وعملية الترحيل برمتها. فاغلب الأسر القاطنة تتشبث بروابطها الاجتماعية التي طورتها عبر علاقات بنيوية في تماسك قوي ضد أي تدخل من قبل الفاعلين العموميين، وطدت سلوكهم على التآزر والتعاون ونسج علاقات فيما بينهم اقتصاديا واجتماعيا مما يجعلهم يتخوفون من تغييبه في التدخلات المؤسساتية التي ركزت على الجوانب التقنية لأحياء الاستقبال.. فكيف يمكن استغلال هذا الوضع القوي لإنجاج مشاريع الاستقبال بما يفيد نجاح عمليات الترحيل المنجزة من وضع أفقي مألوف إلى تمايز عمودي في طوابق.. فأغلبهم يعيدون تمثل أحيائهم الهشة في أحياء الاستقبال بشكل يصعب معه تحقيق الاندماج المطلوب بل يتطلب وقتا طويلا..

 

إن الاندماج السيكولوجي والمعيشي مع المحيط صعب حتى وإن كانت عملية التسوية والترحيل ايجابية، فاجتثاث الفوضوية في استغلال المجال والإدماج في المنظومة الحضرية بشكل كلي يتطلب إعادة النظر في سياسة التأهيل الحضري.

لهذا، وجب إعادة النظر في أسلوب سياسة التأهيل الشاملة للسكن الاجتماعي وللسلوكيات المجتمعية كما دعا لذلك النموذج التنموي الجديد..

 

فالتجمعات السكنية الهشة تفتقر دوما للتجهيز والعمران القانوني باتت بفعل برامج التدخل والتسوية تستفيد من نمط عيش جديد بأحياء سكنية منظمة ومرافق أمنية وصحية، ومراكز القرب والمدارس والمساجد.. مساحات خضراء وتجهيزات مكملة للاستخدام السكني لتلبية حاجيات ومتطلبات السكان وذويهم في الحياة اليومية، وضع لا يختلف عن نتاج السكن الحديث.. لا بد من التوطئة له بما يوصله بالنسيج العمراني للمدينة وتركيبتها الحضرية، وبما يراعي الروابط الاجتماعية للأهالي بالمشاركة والمواكبة الاجتماعية لتأهيل السكان والرفع من قدراتهم في التدبير الحضري بصورة تعكس الرقي لهذه الأحياء. وأي نجاح محقق يكمن في مدى تفاعل السكان مع المشروع الجديد الذي استفادوا منه، لتصبح هده الأحياء مناطق نقط جدب وجلب جديد.. وتحفيز محلي للمشاركة الجماعية والاقتصادية في العملية الإنمائية المطلوبة لتحقيق التنمية المستدامة.

 

فالتطوير والارتقاء المجالي يشمل السكان والمسكن وخلق بناء سكاني متزن أساسه وعي شامل، يوافق نظرية التوكيد في علم الاجتماع، فنحن لسنا في حاجة إلى تنظير جديد بقدر ما نحن في حاجة الى الظروف الاجتماعية المفضية إلى تصحيح الوعي الزائف لدى الإنسان والمجتمعات.

 

- عتيقة الموساوي، كاتبة مختصة في شؤون السكن الاجتماعي