الثلاثاء 27 يوليو 2021
كتاب الرأي

جمال المحافظ: العمل عن بعد وماذا بعد ؟

جمال المحافظ: العمل عن بعد وماذا بعد ؟ جمال المحافظ

يندرج العمل عن بعد باعتباره أحد العناصر المرتبطة بمفهوم الإدارة الحديثة، ضمن تطوير وتنويع أساليب العمل؛ عبر إنجاز المهام خارج مقرات العمل الرسمية التابعة للإدارة، باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال، بما يضمن استمرار المهام وتقديم الخدمات، في مختلف الظروف،ومنها جائحة كورناالتى اكتشفت أول حالة إصابة بفيروسها بالمغرب في ثاني مارس 2020.

ومن أجل ضمان استمرارية المرفق العمومي في أداء وظائفه من جهة والبحث عن السبل الكفيلة بالحد من التداعيات السلبية للجائحة، تعددت المبادرات المتخذة وفي مقدمتها محاولة التأطير القانون والتنظيمي للعمل عن بعد التي تصدرها مشروعمرسومأعدته وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، حول العمل عن بعد بإدارات الدولة، يوجد حاليا في مرحلةالمصادقة والذي يهدف بالخصوص الى " تحقيق التوازن بين حاجيات الإدارة، من جهة المتمثلة أساسا في ضرورة استمرارية الخدمات بالنجاعة والفعالية اللازمتين، وبين الظروف الخاصة للموظفين من جهة ثانية، بما يوفره من مرونة في ساعات العمل مع الحفاظ على المعدل اليومي لساعات العمل الرسمية".

توفير بيئة عمل مناسبة للارتقاء بمستوى الادارة

وهكذا يساهماعتماد إمكانية العمل عن بعد، في توفير بيئة عمل مناسبة للموظفين، من شأنها الرفع من نجاعة الإدارة وتحسين مردودية الموظف، من أجل تقديم خدمات ذات جودة للمرتفقينمع المساهمة في تطوير أساليب العمل بالمرافق العمومية وتشجيع رقمنة المساطر وأدوات الاشتغال بها .

وبغض النظر عما تضمنه مشروع المرسوم من تفاصيل، فإن تقييم العمل عن بعد كمنهجية للاشتغال بالإدارات وكتجربة ومردودية، يطرح نفسه بإلحاح في المرحلة الراهنة، تقييم لا يمكن أن يكون ناجعا الا وفق مقاربة تشاركية لكافة القطاعات المتدخلةحكومية وغير حكومة وفق مقاربة تدرج كافة الابعاد الإدارية والتقنية والاقتصادية والاجتماعية والنفسيةوالتواصلية والإعلامية.

وعلى الرغم من المجهودات المبذولة للقضاء على الجائحة، يبدو أن المعطيات الراهنة لوضعية الوباء، تبين أن الطريق لازال طويلا، وهو ما يقتضى تثمين المكتسبات التي راكمتها الإدارة المغربية العمومية والخاصة، التلاؤم مع هذا الوضع الجديد منها مضاعفة الجهود لتطوير الآليات القمينة بالارتقاء بمستوى الأداء المهني ، للاستجابة لحاجيات المرتفقين من جهة، واحترام التدابير الاحترازية والوقائية، خاصة في ظل الإعلان عن الموجة الثالثة التي تعرفها بعض البلدان والاستعدادات الجارية لمواجهة تداعيات الفيروس ونسخه المتحولة.

كورونا تطرح مجددا مكانة الإدارة الالكترونية في نسقنا الإداري

كلن قد شرع في تطبيق العمل عن بعد بإدارات الدولة في 15 أبريل 2020 بعدماتقرر إعادة تنظيم العمل بالإدارات،وذلك بهدف تطوير وتنويع الوسائل المتاحة، بما يضمن استمرارية المرافق العمومية مع ضمان سلامة الموظفين والمرتفقين، وذلك في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، نتيجة التداعيات الصحية والاقتصادية والاجتماعية لانتشار فيروس كورونا.

بيد أن الواقع الجديد الذي أفرزته الجائحة كوفيد 19 المستجد، والأولويات التي فرضتها، أعادت طرح، مكانة ومركزية قضية الإدارة الالكتروني في نسقنا الإداري، ارتباطا مع التطور التكنولوجي والتقنيات الرقمية التي ميزت العقد الاخير وجعلت هذه التقنيات والتطبيقات، تغزو كافة الميادين والأنشطة، فضلا عن مساهمتها في تغيير عاداتنا وعلاقاتنا، والتأثير في معرفتنا وفي حياتنا المهنية وطرق ترفيهنا، أضحت تمس الحميمية والهوية الشخصية، وتغير من محيط شبكاتنا الاجتماعية كما ذهب اليه كتاب"الثورة الرقمية، ثورة ثقافية " للباحث الفرنسي ريمريفيل.

فاعلون يطلقون النقاش حول العمل عن بعد:

من إدارة بدون ورق الى إدارة بلا مكان، و بلا زمان

وإذا كان من خصائص الإدارة الالكترونية، بأنها ادارة بدون ورق وبلا تنظيمات جامدة وإدارة بلا مكان، وبلا زمان، فإنه يلاحظ خلال الجائحة، تسجيل ضعف في كل من شبكة الاتصال والتغطية ومنسوب الصبيب والربط الالكتروني خاصة لدى بعض القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، وذلك على الرغم من المجهودات المبذولة لبعض القطاعات في مجال الرقمنة، وفي البنيات التحتية والتجهيزات المعلوماتية مع العلم أن الاستخدام الأمثل لهذه التكنولوجيا الحديثة يتوقف في جانبه الرئيس على ضرورة توفير الموارد البشرية المؤهلة لضمان التعامل الإيجابي لهذه الوسائل التقنية لتكون لها مردودية على الأداء الإداري.

ويبدو أن المشاركين في مائدة مستديرة تفاعلية نظمتها الخميس فاتح أبريل الجاري بالرباط لجنة النوع الاجتماعي بالتعاون الوطني، قد فتحت نقاشا علميامتعدد الأبعاد والأوجه حول واقع وآفاق العمل عن بعد خلال فيروس كورونا، وذلك من خلال الإجابة عن تساؤلات حول الإيجابيات والسلبيات التي تطرحها تجربة العمل عن بعد بصفة عامة وعلى الحياة الإدارية بصفة خاصة؟ وما هو دور التشريع في الارتقاء بالعمل عن بعد؟ وكيفية تفعيل التواصل كآلية للتحسيس والتوعية بأهمية العمل عن بعد؟

وشددت سامية شكري مديرة نظم بوزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة – قطاع اصلاح الإدارة –على ضرورة التشبع ب" ثقافة معلوماتية وتوفير الأمن المعلوماتي" مركزة المتطلبات التي يقتضيها الارتقاء بمستوى العمل عن بعد، خاصة في ظل التراكم الإيجابي المحقق لحد الآن في الإدارات المغربية، في حين سجل زميلها بالقطاع ذاته توفيق أزروال مدير الوظيفة العمومية، أن التشريع ساهم في الارتقاء بالعمل عن بعد، والورش القانوني مرشح للمساهمة بشكل أوسع مستقبلا متوقفا عند تعريف وأهداف العمل عن بعد، والاشكالات الذاتية والموضوعية والتحديات التي يطرحها هذا العمل.

التكنولوجيا، لم تضع حدا لعدم المساواة والاعلام والاتصال آلية أساسية

  • جهته اعتبر الأستاذ الباحث عبد الصمد مطيع مدير مساعد بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، فاعتبر في مداخلته خلا هذه الندوة التي أشرفت على تنشيط فقراتها، أن العمل عن بعد يكتسى صبغة راهنية، في ظل ظروف فيروس كورونا مشددا على ضرورة الاهتمام بالبحث والتكوين في مجال العمل عن بعد وتأسيس وحداث وبرامج للتكوين واستكمال التكوين، مع إيلاء مزيد من الاهتمام بالتواصل باعتباره ألية أساسية، بجعله ينسجم مع التحولات التي تعرفها الإدارة المغربية.

أما فاطمة بركان مديرة المرأة بوزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة، فركزت مداخلتها حول التدابير المتخذة من أجل تمكين المرأة من الولوج الى مراكز القرار وفق قواعد الانصاف والمساواة معتبرة بالخصوص أن تمكين النساء وتأهيلهن في مجال العمل عن بعد كآلية للتوفيق بين الحياة المهنية والاجتماعية للمرأة، يتطلب توفر حاجيات أولية حددتها في البيئة والمحيط وكيفية استعمال التكنولوجيا وفي مجالات التتبع والتقييم، الأمر الذي يتطلب اعتماد خطة تواصلية مستمرة.

انتهى لقاء العمل عن بعد في ظل فروس كورونا، لتتناسل الأسئلة أخرى وتبقى إشكالات جديدة مطروحة يتعين التعامل معها بمقاربات تستحضر التحولات التي فرضتها تداعيات جائحة كوفيد 19 المستجد، مع العمل على اذكاء تربية وثقافة تواصلية، لأن التكنولوجيات الرقمية، لا تعدو أن تكون الا انعكاسا للاستعمال الذي يقوم به المرء، وأنها لا يمكن أن تحلل بمعزل عن الفاعلين الذين يمتلكونها، لأن التقنيات الحديثة هاته، لم تضع حدا لعدم المساواة فيما يتعلق باستعمالها،لكنها بالمقابل وسعت بشكل ملموس الاطار الزماني والمكاني، ووفرت ولوجا، غير محدود الى المعارف.