الأحد 9 مايو 2021
سياسة

الحبيب استاتي: حزب البيجيدي يعيش مخاضا عسيرا على الرغم من محاولة إنكار ذلك

الحبيب استاتي: حزب البيجيدي يعيش مخاضا عسيرا على الرغم من محاولة إنكار ذلك الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ القانون الدستوري والفكر السياسي بجامعة عبد المالك السعدي
هل من تفسير لتقديم الرميد استقالته لأسباب صحية، ثم تراجعه عنها في ظرف وجيز؟ هل كانت الحالة الصحية هي السبب حقا وإلا كيف سيستمر في أداء مهامه وهو الذي ذكر في رسالة الاستقالة أنه غير قادر على تحمل مسؤولياته؟
يبدو أن السؤالين مترابطان، ولأن القاسم المشترك بينهما هو الاستغراب من قرار الاستقالة والتراجع عنها بعد يوم واحد من تقدير العجز عن أداء المسؤوليات. أجد من الضروري أن يكون تفسيرنا مزدوجا وموسوما بالكثير من النسبية في مثل هذه الحالات التي تختلط فيها النفسانية بالعقلانية، والمصالح بالعقائد، والفردانية بروح الجماعة. أبدأ بالتفسير الإيجابي إن لم أقل المثالي المثقل بالنوايا الحسنة: فعلا، المصطفى الرميد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان وجد أن وضعه الصحي لا يسمح له بالاستمرار في أداء مهامه، وما يعزز ذلك تداول خبر خضوعه لعملية جراحية تكللت بالنجاح وفرضت، من ثمة، إعادة النظر في قرار الاستقالة. لكن هناك تفسير ثان تدعمه العديد من المؤشرات التي سبقت أو أعقبت تسريب الاستقالة. مؤشرات كثيرة تنزع الطهرانية عن هذا القرار المفكّر فيه. قد يكون توقيت القرار أو طريقة تصريفه دون الخضوع للإجراءات والأدبيات الجاري بها العمل مفاجئا وغير متوقع، غير أن الواقع يقول عكس ذلك. فبغض النظر عن خلفيات تسريب «استقالة» الرميد والجهة التي تقف وراءها، واختيار محمد يتيم، أحد قياديي الحزب، للفايسبوك لنشر خبر «تراجعه» عنها، وما خلّفه الخبران من ردود فعل متباينة، الواضح أن الحزب يعيش مخاضا عسيرا تهيأت وتضافرت شروط عدة مترابطة لحدوثه على الرغم من محاولة إخفاء أو إنكار ذلك. يتمثل هذا المخاض في النقد الموجَّه للأمانة العامة -تصريحا وتلميحا- من قبل المنتمين للحزب بسبب ما يسمونه بالانزياح عن الأفكار والمبادئ التي بُني عليها الحزب في نظرهم، وخاصة بعد استئناف العلاقات مع إسرائيل والتقدم الحاصل حول تقنين زراعة الكيف. المستفاد أن دائرة الاختلاف بين مكونات الحزب لا تزال في اتساع وحراك متواصل، وأن أزمة الهوية والثقة في أعضاء أمانته أصبحت مهددة بتآكل البيت الداخلي.
 
الرميد نشر بصفحته على الفايسبوك رسالة عن صحة مرضه واتصال الملك به للتعبير له عن تمسكه باستمراره كوزير الدولة في تحمل المسؤولية وأداء الأمانة. أين ستدرج هذا الخبر: التفسير الأول أم الثاني؟
في كل تفسير قدر غير قليل من الواقعية. أفضل التركيز على ما هو مهم: تكريس الثقة، ولتكن مصلحة الدولة فوق الجميع. توقعت أن يتلقى اتصالا من الملك بعد انتشار خبر المرض للاطمئنان والتشجيع، وأتوقع أن يحثه على الاستمرار في مهامه من باب الدعم والعطف المعهود فيه، كما أتوقع أنه تلقى كلمات الموافقة الفورية. أليس الأمر صحيحا؟
إذا كان الرميد إذن سيكمل مهمته، فماذا عن الأزمي؟ فقد وضع بدوره استقالته من رئاسة المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، لكن من الناحية الأخلاقية لماذا لم يقدم استقالته من المناصب التي يستفيد منها من الريع بصفته برلمانيا وعمدة؟
الحديث عن الريع متشعب ومستفز في آن واحد. لذلك لا تطمئن إليه نفسي. فلا أخوض فيه إلا مرغما. كل ما يمكن لي أن أقول في هذا الإطار هو أن التجربة الحزبية المغربية تؤكد باستمرار أن المعتقدات السياسية والانتماءات الحزبية تساعد في تشكيل الأخلاق. لم تعد هذه الأخيرة أساس بناء المواقف السياسية الآنية والمستقبلية للشخص، بل العكس هو الصحيح، أضحت المواقف السياسية موجِّهة للبوصلة الأخلاقية للفرد. قد يسأل سائل: ما الضرر في ضبابية العلاقة السببية بين أخلاق الفرد وانتمائه السياسي وخدمة مصالح الفرد أو العشيرة أصبحت عملة رائجة؟ أعترف أن السؤال وجيه، غير أن عملية التحقق من أن صاحبه جادّ غير مراوغ ينبغي أن تسبق أيّ محاولة لتفسير أن وراء «الرائج» «والمتداول» قد يقبع الخلل، وباستمراره ستظل قضية السياسة والأخلاق أشبه بسردية «الدجاجة والبيضة»، وحبذا لو يفكر الأزمي، ومن خلاله كل السياسيين المغاربة، في هذا التساؤل: هل أخلاق الشخص هي التي تُملي عليه انتماءه السياسي أم أن انتماءه السياسي هو الذي يشكل أخلاقه؟
 
تبعا لهذه العلاقة الملتبسة بين السياسة والأخلاق، ألا تعتبر الاستقالة مناورة من قبل قيادات الحزب وتبادل الأدوار فيما بينهم؟ 
لا جواب حاسم لديّ، ولا مكان للنوايا لتفسير الوقائع والأحداث في هذا السياق. من هنا، لا أتفق مع ذلك ولا أستبعده تماما. سأكرر ما قلته قبل قليل للتذكير والاستزادة لا غير: عندما تنتصر السياسة على الأخلاق، يصبح كل شيء ممكن ومتوقع في نفس الوقت. هل معنى ذلك أنني أحجب حسن النية؟ ليس هذا قصدي أبدا، ولا أتمنى أن يفهم على ذلك النحو. كثيرون يستشهدون بالقرآن والأحاديث النبوية الشريفة، كما يستند آخرون إلى ماركس، ولكن يبدو أن الأمر لا يخرج في السنوات الأخيرة عن أغراض سياسية أو مطامع شخصية أو فئوية ليس إلا.