الأحد 17 يناير 2021
سياسة

مصطفى الفارح: لما بنينا الجدار الأمني بالصحراء أحسسنا بالاطمئنان على البلاد

مصطفى الفارح: لما بنينا الجدار الأمني بالصحراء أحسسنا بالاطمئنان على البلاد مصطفى الفارح، ضابط سابق بسلاح المشاة  (L'infanterie)
حين التحق الضابط مصطفى الفارح بالجيش الملكي كان يشعر، مثله مثل باقي زملائه من أبناء الشعب، أن قلب الجندي أقوى من وقع حذائه العسكري. كانت البدايات صعبة، لكن الواجب الوطني كان يذلل كل تلك الصعاب. في هذا الحوار مع " أنفاس بريس" و" الــوطن الآن"؛ ينقل لنا الفارح كيف كانت تدور الحرب. وكيف كسب المغرب معركة الجدار الأمني التي تحطمت عليه كل معنويات العدو الجزائري والبوليساريو.

ولجت سلك الجيش سنة 1980، أي في أوج الحرب مع الجزائر. ما الذي أغراك لدخول المؤسسة العسكرية؟ 
الإجابة عن هذا السؤال تفرض بالضرورة الرجوع إلى الماضي، إلى جزء منه مرتبط بالحياة الجامعية. في بداية أواخر السبعينات والثمانينيات كانت الجامعة، جامعة حقيقية لكل الأفكار والتوجهات العقائدية، السياسية، وغيرها. كانت فضاءاتها من ساحة ومدرجات وحلقات نقاش تروي عطش البحث وتحفز عليه، وتخلق لدى الطالب الجديد مثلي أزمة بخصوص جملة من القضايا والمفاهيم والمواقف. كانت معرفتي محدودة رغم انخراطي البكر في النضال السياسي إبان دراستي الثانوية. أما في الجامعة فأصبحت فلسطين حاضرة بشكل شبه يومي وجدي في حياتي، لبنان، سوريا، الديمقراطية في الوطن وفي العالم...
 
أين العلاقة بين ما تقوله وسبب انخراطك في الجيش؟
العلاقة هي ما أنا بصدد الحديث عنه. في الجامعة تعلمت، عرفت معنى حب الوطن.. علمني درويش، مارسيل خليفة، أمل دنقل، خليل حاوي: المناصرة، وآخرون. جيفارا كانت صورته بلباسه العسكري اللوحة الوحيدة التي تؤثث فضاء غرفتي. أغاني فرقة الميادين وفرق أخرى تنفخ الحماس في روحي الشابة. كانت الحرب مع الجزائر فرصة لحمل السلاح وممارسة ما اعتقدته آنذاك العربون الوحيد والأوحد لحب بلدي ووطني. كانت بالنسبة لي درجة عليا على سلم الوطنية الحقيقية. الأمر يبدو رومانسيا، وهو كذلك. صدقني، دقات قلب الجندي أقوى من صوت وقع حذائه العسكري.
 
الأمور بدأت تختلط عندي، لست أدري إن كنت أحاور ضابطا عسكريا سابقا، أم شاعرا؟
الأدوات وحدها تختلف بين الرجلين، أن تكتب حبك لوطنك قصيدة أو تطلقه رصاصا في وجه أعداء الوطن، فالغاية واحدة: يحيا الوطن.
 
ألم تكن هناك إغراءات أخرى: موقع اجتماعي، طموح شخصي أو البحث عن استقرار مادي لا غير؟
ككل بني البشر، الذات حاضرة وتوجهي اختيار شخصي حددته، إلى جانب العوامل التي ذكرت، عوامل أخرى موضوعية، لعل أهمها الانفتاح الكبير للمدارس العسكرية العليا على كل فئات الشعب بعد أن كانت قبل حرب الصحراء حكرا على فئة معينة من خدام المخزن والأعيان، وخصوصا الأكاديمية الملكية العسكرية. وقراءة في لوائح الخريجين آنذاك وانتماءاتهم العائلية وأعدادهم القليلة، تعطي صورة واضحة عن الانغلاق والانتقائية كسياسة عامة للمؤسسة العسكرية. فعامل الانفتاح للاستجابة للحاجة الملحة الميدانية لأعداد كثيرة من الضباط خصوصا مع اشتعال الجبهة وتحول المواجهة من مواجهة بين عصابات البوليساريو والقوات المسلحة الملكية إلى مواجهة مفتوحة بين هذا الأخير والقوات الجزائرية في شبه حرب نظامية فريدة من نوعها في تاريخ النزاعات والصراعات العسكرية. لقد انتقل عدد أفراد القوات المسلحة الملكية من عدد قليل في بداية الصراع إلى الآلاف. هذا العدد يحتاج إلى عدد كبير من الأطر، من الضباط على وجه الخصوص. فكان الخيار الوحيد للمؤسسة العسكرية هو الانفتاح على كل فئات الشعب، وهو ما سهل انخراطي وعدد كبير من أبناء الطبقة الشعبية في سلك الضباط العسكريين.
هذا الانفتاح كان له أثره الكبير على مستوى تطوير المؤسسة العسكرية، إذ انخرط في سلك الضباط من جهات مختلفة بثقافات مختلفة، جلهم درسوا في الجامعة لهم إلمام بما يجري في البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
 
أنت من بين الضباط الذين بنوا مسارهم المهني كله في حرب الصحراء. كيف أحسست وأنت تباشر أولى مهامك في الصحراء؟ وكيف كانت البداية؟
كنت أعرف وأعي كبقية رفاق السلاح أن مهامنا تنتظرنا في الجبهة، وكنا نعرف جيدا أن آخرين منا تنتظرهم مكاتب مكيفة وسيارات الخدمة ومهام مفصلة على قياسهم. بدأنا ندرك جيدا مع اقتراب نهاية مدة الدراسة والتكوين.
كانت أكادير، حيث توجد قيادة المنطقة الجنوبية، محطة الانطلاق. ولكم أن تتصوروا حوالي 90 ضابطا جديدا موجها لسلاح المشاة في الوحدات المرابطة على الجبهة الأولى لا يحظون حتى بلقاء، ولو لبضع ثوان، مع مسؤولي المنطقة الجنوبية. لقد انتابني إحساس غريب منذ تلك اللحظة بأن هؤلاء القادة العسكريون تصورات سأختلف حتما معهم حولها.
البداية صعبة ككل البدايات، كان الإحساس مزيجا من الفرح والحزن في آن. الفرح بتحقيق حلم حمل السلاح ومعانقة البندقية وحياة الخندق والمتاريس وتحدي الموت، أي اختبار قوة الذات، والحزن على فراق الأهل والأحبة والمدينة بأسواقها وأسرارها ونسائها.
مهنيا كان تكويننا جيدا وعاليا، وخصوصا بعدما تم استقدام مجموعة من الضباط المغاربة ذوي التجربة الميدانية المتميزة من الجنود إلى الأكاديمية الملكية العسكرية. لقد حرص هؤلاء على إعطائنا صورة قريبة من الحياة في جبهة القتال، وكذا ظروف العيش. كان ذلك يتم خارج حصص التكوين، وكانت مبادرات منهم وبحرص شديد على عدم إثارة الانتباه. أعتقد بأنه كان لديهم تعليمات بعدم الخوض في الحديث عما يدور في ساحة المعركة، ولربما هو حرص منهم على عدم التشويش على التكوين.
كانت أول محطة في مساري المهني، اللواء العاشر المحمول (10eme BIM)  والذي كان يشكل فيما مضى مجموعة «الأرك»، التي كانت إلى جانب «الزلاقة» و«أحد» عصب القوات المسلحة الملكية.
قضينا فترة تكوين أخرى دامت زهاء ثلاثة أشهر، بعدها تم تعييننا في وحدات بشكل رسمي، فكان نصيبي في الفوج 44 للمشاة للمنطقة بـ «المسيد» جنوب شرق طانطان. كان القصف المدفعي للعدو شبه يومي، وكان قائد الفوج الكولونيل «أقلعي» رجلا مهذبا ومحنكا وصاحب تجربة ميدانية مهمة. كان رجل تواصل وحوار يزورنا أو يجتمع بنا بشكل يومي، يمدنا بآخر المستجدات والتطورات على الساحة ويتعرف على أحوالنا وأحوال الجنود.
من موقع لمسيد بمعية الفوج 44 للمشاة للمنطقة إلى إقليم واد الذهب سنة 1984 حيث كانت الأحزمة الأمنية لا تتعدى محيط الداخلة غير بعيد عن «العركوب». ومن هناك إلى بئر «كندوز».. ثم «تشلا»، على مراحل.
 
ما هي أهم المعارك التي خضتها رفقة زملائك؟ 
يمكن اعتبار الفترة التي قضيتها بالمسيد فترة تمرين، ذلك أن القصف شبه اليومي من طرف العدو لمواقعنا مكنني من الاستئناس بأجواء الحرب ودوي الانفجارات، وكان الانتقال إلى منطقة وادي الذهب التي بدأت حرارة مواجهتها ترتفع بفعل إنشاء الأحزمة أو الجدران الأمنية بالنسبة إلى إضافة أخرى إيجابية.
حضرت الحزامين الرابع والخامس بمنطقة وادي الذهب، وشاركت في الحزام السادس والأخير بمنطقة تشلا على مشارف الحدود الموريطانية مع اللواء 12 للمشاة المحمول الذي كنت قد انتقلت إليه. كانت المناوشات والاشتباكات شبه يومية، وكان قادة البوليساريو يعرفون أن الجدران الأمنية أنهت حلمهم، وكانوا يحاولون أن يضربوا بكل قوة وعنف، وكنا نتصدى لهم بثبات.
 
من هم الرجال الذين بصموا حياتك العسكرية؟
الكولونيل اقلعي، قائد الفوج 44 للمشاة للمنطقة. كان رجلا نظيفا ورجل حوار ومستمع جيد يصغي لكل الآراء. وكان قريبا منا جميعا ضباطا، وضباط صف وجنودا، وكان يمنح هحرية المبادرة. ولهذا كان عطاء الفوج في أوجه وسمعته جيدة حتى لدى العدو.
كان استقباله لنا نحن الأربعة الضباط الجدد استقبالا أبان فيه عن درجة عالية من المهنية. وكان قائدا حقيقيا، وأظن أنه يستحق الإنصاف أكثر.
 
واكبت عملية بناء الجدار الذي وصف بأنه عمل هندسي وعسكري متميز. هل كنتم كجنود وضباط تحسون بالزهو وأنتم تبنون الجدار؟
جميعنا نعلم أن الجدران الأمنية أو الدفاعية شكلت، ولا تزال، اختيارا عسكريا للعديد من الجيوش والقادة العسكريين، فهو ليس أداة عسكرية جديدة. لقد عرفته الصين قبل قرون عدة في شكل سورها العظيم، وعرفته أوروبا، وعرفه الشرق الأوسط. فهو ليس الوسيلة المثالية، لكنه على الأقل على مستوى حرب الصحراء، ونظرا لخصوصيتها الجغرافية ونوع الحرب الدائرة فيها، يمكن القول بأنه حقق أهدافه المتمثلة أساسا في ضمان أمن الأقاليم الصحراوية. فإحساسنا، ونحن نبني ونحمي الجدار، ليس الزهو، ولكن الاطمئنان على أمن البلاد في المرحلة الراهنة، على الأقل على ضوء المعطيات الميدانية، سواء ما تعلق بعتاد العدو وأسلحته أو ما تعلق بمعنوياته التي تحطمت على الجدار.
 
لو جاء عندك شاب اليوم يرغب في ولوج الأكاديمية الملكية العسكرية بمكناس ليصبح ضابطا، ما هي النصيحة التي ستقدم له؟
المؤسسة العسكرية تتطور بشكل كبير جدا، وهذا التطور يعود الفضل فيه، كما قلت سابقا، إلى الانفتاح الذي عرفته، والذي فرضته حرب الصحراء.
هذا الانفتاح مكن من أن يلج الميدان العسكري ضباط بحس وطني عال لهم ثقة كبيرة في المستقبل، يضعون كل يوم لبنات على درب التقدم وانخراطهم بدورهم لن يكون إلا مفيدا وسيسهم بدون شك خلق المؤسسة العسكرية الحديثة التي نريدها ذراعا للدفاع والتنمية.
 
ما هي المحطات المؤلمة التي عشتها كضابط؟
كل محطات الموت مؤلمة، وكل موت لأحد رجالي أو أحد رفاقي محطة مؤلمة.. ويكبر الألم كلما كان عدد الموتى الشهداء كبيرا. لكن أهم محطة مؤلمة عشتها هي استشهاد أحد الجنود، بشكل جعلني أقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله». كان الوقت غروبا، إحدى سيارات العدو التي رصدها الرادار غير بعيد عن موقعنا، اختفت فجأة، ولم يعد الرادار قادرا على رصدها.. أخذت موقعها وأطلقت قذيفة واحدة ووحيدة أودت بحياة العريف «الهندى» بالفوج 44 للمشاة. العريف «الهندى» كان قد وصلني بشأنه بريد تلغرافي قبل يومين، يطلبون مني إخباره بوفاة والده، فكان مفروضا أن أمنحه إجازة لهذا الغرض. ونظرا لكونه ما زال لم يتلق راتبه الشهري بعد، قررت الاحتفاظ بالخبر وبه ليوم واحد حتى يلتقي كل أصدقائه قبل السفر. لكن شاءت الأقدار غير ذلك، كان له موعد مع الموت.. وهذا الاستشهاد أعتبره من أغرب حالات الموت التي عرفتها، ذلك أن الشهيد «الهندى» كان موجودا في المخبأ (L'abris) الذي تحيط به المتاريس الحجرية من كل ناحية، فضلا عن أكياس الرمل، بشكل يؤمن حياة الجندي من كل طلقة غادرة. لكن القذيفة التي سقطت قرب مخبأ الهندى لما انفجرت تناثرت منها شظايا، وتمكنت شظية واحدة من اختراق ثقب صغير جدا وسط المتاريس في المخبأ، فأصابته في رأسه وأردته قتيلا في الحين. لم أصدق الخبر، ولما انتقلت إلى عين المكان، اندهشت للكيفية ولغرابة الصدفة التي جعلت شظية صغيرة تنسل من ثنايا الرمل والحجر من ثقب صغير، وتفقد المغرب في واحد من أنبل جنوده. أحسست حينها بالذنب ومزقني الألم والحزن. وهذه محطة من محطات كثيرة كان للموت فيها الكلمة الفصل.