الأحد 1 نوفمبر 2020
كتاب الرأي

حميد لبيلتة: اليسار المغربي ومطلب العلمانية

 
حميد لبيلتة: اليسار المغربي ومطلب العلمانية حميد لبيلتة

من الأعطاب المنهجية والسياسية التي تقع فيها بعض خطابات اليسار المغربي، والتي يتم التسويق لها في شعارات كبرى، وعادة ما تكون هذه الشعارات لا تستقرئ وتتحاور، بكيفية جدية، مع الواقع الحي للمجتمع المغربي، لأن قواعد منهج التحليل الملموس والعلمي للواقع، الذي يعد بوصلة الفكر اليساري، يتم القفز عليه، واللعب فوق حبال الرغبات الذاتية الإرادوية النخبوية، وليس تقديم رؤية مؤسسة على قراءة نقدية وتاريخية بحسب تطور مسارات المجتمع المغربي وعوامله الداخلية المؤثرة فيه، وطبعا لا ننسى العوامل الخارجية التي يتفاعل معها هذا التطور الداخلي.

 

هكذا إذن نجد بعض النخب من اليسار المغربي ترتكن وتخضع لسلطة مفهومية مرجعية، لا تتمثلها بالكيفية المطلوب الذهنية الجمعية للمجتمع المغربي، لأنها مبتورة من سياقها الاجتماعي والثقافي، ومن تطور نسقها الفكري، ومع ذلك نجد إصرار بعض اليساريين للدفاع عن مقولات في صيغة شعارات، بغاية التأثير على تغيير قواعد السلطة المهيمنة في المجتمع. مما يجعل تلك الشعارات لا وقع لها في ذهنية الطبقات التي يتوسل اليسار من خلالها إحداث التغيير. فمثلا شعار أو مطلب العلمانية، هل يشكل مطلبا راهنيا للمجتمع المغربي؟ هل شروط وسياق المجتمع المغربي شبيهة بشروط وسياق المجتمع الفرنسي بعد قيام الثورة الفرنسية، والنجاح في إقامة نظام علماني للدولة الجمهورية الحديثة؟

 

إذا قمنا بعملية مقارنة بين فرنسا والمغرب، نجد العلمانية وجدت مسار تطورها مع إقامة نظام جمهوري على أنقاض النظام الملكي، وتحييد الكنيسة من كل سلطة مدنية بعد سلسلة من الإصلاحات والحروب الدينية قبل تثبيت النظام الجمهوري العلماني بفرنسا.

 

 أما في المغرب فالنظام السائد منذ قرون هو نظام ملكي وراثي مع تغيير في التسميات عبر الدول التي حكمت تاريخ المغرب، بحيث نجد الشأن الديني منذ قيام الدولة المغربية من اختصاص الملك أو السلطان أو أمير المؤمنين، وحتى ما كان يعرف بأهل الحل والعقد من رجال الدين والعلماء كانوا تحت إمارة السلطة السياسية للملك ولم يشكلوا سلطة دينية سياسية مستقلة كالكنيسة الكاثوليكية، إذن هذا الشرط التاريخي المغربي يتنافى مع الشرط التاريخي الفرنسي على سبيل المثال ، وكذلك يتنافى مع والسياق الديني لكلا التجربتين الدينيتين.

 

هل بهذا التحليل المقارن نعتبر المجتمع المغربي يعيش في ظل نظام "علماني" حيث الملك كأمير للمؤمنين ينفرد بالسلط السياسية والسلطة الدينية؟ هل هذه التوليفة في جمع الملك لسلطة دينية وسلطة سياسية منعت من التنازع بين هذه السلط أي سلطة دينية وسلطة سياسية مدنية؟ أم أن هذا الجمع قد يغلب سلطة على سلطة حسب الأحوال، كما وقع في تجربة انسحاب البرلمانيين الاتحاديين في عهد الملك الحسن الثاني.؟

 

في تقديري الخاص، أن تجربة المغرب في عدم خضوع المجال الديني لأي هيأة اجتماعية موازية سواء طائفة أو جماعة أو حزب سياسي، بحيث نجد الدساتير التي عرفها المغرب الحديث عملت على تأطير ذلك بما يعرف بإمارة المؤمنين كمرجعية دينية وحيدة، مما جنب المغرب الكثير من الصراعات الدينية، بالرغم من وجود جماعات تدعي المرجعية الدينية أو "ناطقة" باسم الدين. فالرأي المتقدم الحالي لحل معادلة هذا الإشكال في جمع المؤسسة الملكية للسلطة الدينية والسلطة السياسية يتمثل في تجسيد مطلب الديمقراطية، أي أن تدبير الشأن العام المدني يقتضي وجود مؤسسات مدنية ديمقراطية منبثقة عن إرادة شعبية، وموكول لها تقرير السياسات والقوانين، وتكون الملكية داعمة لهذا التوجه، وتلعب دور التحكيم بين المؤسسات، لا دور الفاعل السياسي المباشر حتى لا تغلب مصالح فئة على أخرى، على اعتبار دورها السيادي الوطني فوق المصالح الفئوية أو الطبقية أو الحزبية..

فمنزع تغليب سلطة مفهومية كطروحات معرفية لنخب بعض اليسار، أكثر منها حورا نقديا سياسيا لمتطلبات المرحلة الراهنة، يجعل بعض قوى اليسار، وليس كلهم، يتحولون إلى صالونات ثقافية عوض فهم المتطلبات الحقيقية للمجتمع المغربي، وتطويع المواقف المعرفية لنخب اليسار إلى مواقف سياسية وخطط برنامجية تستجيب لطموحات المجتمع، وبالتالي الانتقال بوعي الذهنية الجمعية إلى "اعتناق" فكر اليسار المتجذر بالقوة في المجتمع كمطالب اجتماعية، فغالبية الكادحين تتساءل عن الشغل والتعليم والعدالة والمساواة والحقوق والكرامة والحرية وجودة الخدمات العمومية... ولا تتساءل عن المواقف المعرفية هذه ليست " نفعية جديدة" بل مداخل لتجذير المشروع اليساري الذي يعرف انحباسا عالميا وليس محليا.