الخميس 29 أكتوبر 2020
منبر أنفاس

الصادق بنعلال: المغرب والجزائر.. دائما هناك حل آخر!

 
الصادق بنعلال: المغرب والجزائر.. دائما هناك حل آخر! الصادق بنعلال

مهما كانت درجة إحساسنا من اليأس والإحباط من الحديث عن العلاقة "العجائبية" بين القطرين المغاربيين الكبيرين المغرب والجزائر، إلا أننا نصر إصرارا على المضي قدما في دق "جدران الخزان"، وتعليق الجرس في عنق "القط" إيمانا منا بخطورة الوضع الجيواستراتيجي بالغ الحساسية لدول شمال إفريقيا، ويقينا منا أيضا من إمكانية تحويل هذه المنطقة إلى أكبر ورش اقتصادي، بإمكانه أن يجعل من دولها بلدانا متقدمة ترفل في معالم التنمية والازدهار والتقدم. وفي هذا السياق لا يسعنا إلا أن نعيد نشر مقالة تعود إلى ثلاثة سنوات، رغبنا من خلالها دق ناقوس الخطر والتنبيه إلى خيارات السلم والتطبيع والأمن !

 

- يجمع عدد غير قليل من الخبراء والمعنيين بالشأن السياسي الدولي والعربي تحديدا، على أن الجزائر مصرة وإلى أبعد مدى، على استهداف المغرب والدفاع الأسطوري على العقيدة العسكرية الجزائرية المتمثلة في أن المغرب عدو بالغ الخطورة على الوجود الكلي للدولة الجزائرية، وبالتالي فإن محاصرته وشيطنته على أكثر من صعيد هو الحل ”الأمثل” لإعطاب آلته وشل حركتها نحو الانطلاق التنموي المنتظر! خاصة وأن أصحاب القرار الجزائريين يدركون أكثر من أي وقت مضى أن بلاد المليون شهيد تواجه أشكالا من مظاهر القصور السياسي والاجتماعي، في ظل استمرار تراجع سعر النفط، مما يحدو ببعض المسؤولين السياسيين إلى التهجم المنهجي على المغرب بمناسبة وبدونها.. ولعل ما صرح به في السنوات الأخيرة وزراء جزائريون وازنون من عداء متأصل إزاء المغرب من شأنه أن يوجز الوضع النفسي والسياسي والاجتماعي العصيب لدوائر الحكم، ويعكس بجلاء جنونهم لأي نجاح مغربي مهما كبرت أو صغرت أهميته. إنها الجزائر التي عوض أن تبحث عن مخارج موضوعية وعلمية لأزماتها المحرقية، وتجترح حلولا كفيلة بوضع حد للفساد والاستبداد، وتزرع الأمل في قلوب المواطنين الجزائريين الأشقاء، عوض ذلك، تتخذ من كراهية المغرب هدفها التنموي ومرادها الاستراتيجي وتطلعها الأبدي!

 

- بيد أن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن المملكة المغربية تعيش في بحبوحة من العيش، أو ترفل في نعيم من الديمقراطية والتنمية الشاملة، كلا فأمام المغرب مسلك طويل وشاق من أجل اللحاق بالدول الصاعدة، والحصول على مكانة محترمة تحت شمس التقدم والحداثة، من خلال احترام مضامين الدستور والقوانين المنظمة للحياة العامة، وتقدير الإرادة الشعبية والفصل الفعلي بين السلطات ومحاسبة الفاسدين.. إلا أن خطوات بالغة الأهمية اجتازتها المملكة المغربية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ظلت غائبة عن الجمهورية الجزائرية، وأن أي مقارنة محايدة وجادة بين المنجز التنموي المغربي والجزائري ستكون في صالح المغرب، وهذا باعتراف المنظمات الدولية والمؤسسات المالية والسياسية العالمية، والسياسيين الجزائريين الأحرار والشرفاء الذين لا يقتصرون على تحصيل معلوماتهم عبر الإعلام الرسمي المنحاز، بل من خلال زياراتهم الدورية لمختلف المدن المغربية المحورية، رغم أن الجزائر تسبح في محيط من النفط والغاز المدرين لأموال خيالية، وتحظى بموقع استراتيجي بالغ القيمة! فما الذي يصيب النموذج السياسي الجزائري في مقتل؟ ما الذي يجعله يبدد مئات الملايير من الدولارات في ظرف زمني استثنائي، ويحرم مواطنيه من رؤية الضوء في آخر النفق؟ ما الذي يجعل المواطن الجزائري يشعر بمرارة التهميش والضياع والغربة داخل بلده؟

 

- ليس التشفي من سمات صاحب هذه السطور، ولا الابتهاج بمعاناة الآخرين ومصائبهم، بل إنه ينطلق من إيمان راسخ وعقيدة صادقة ويقين حازم، بأن تطبيع العلاقة بين البلدين الشقيقين، وفتح الحدود بينهما وتحييد المشاكل والنزاعات الوهمية المؤججة للصراعات، والمهددة بأوخم العواقب يمكن أن يؤدي لا محالة إلى قطب مغاربي غير مسبوق، وقوة فعالة نحو البناء والتشييد، وإقامة مستقبل واعد، مستقبل الدولة الوطنية الديمقراطية بحصر المعنى. إن كلا من المغرب والجزائر في حاجة إلى مد جسور المودة والتآزر والعمل المشترك من أجل غد مشرق، أما المناكفات المتجاوزة والاتهامات المجانية والمسيئة فلا يمكن أن تزيد واقعنا العربي والمغاربي إلا فسادا فوق فساد. فهل تفعلها الجزائر ولو مرة واحدة في تاريخ استقلالها الحديث، وتكفر عن خطاياها وتضع حدا لمسلكياتها السياسية، وتقف في وجه التصريحات والمواقف غير المسؤولة، ذات الصلة بشؤون المغرب الداخلية، والمعادية لمصالحه الحيوية، وتساهم في طي صفحات حالكة السواد، وكتابة أخرى بوازع العقل والعروبة والدين والقيم والمواثيق المعترف بها دوليا؟ أم أننا سنظل ”نحلم في زمن الوهم”؟ في كل الأحوال الكرة هنا والآن في مرمى الجزائر، أما المغرب فقد قرر رغم كثير من الأخطاء والمعيقات أن يمضي قدما في سفر طويل الأمد، في اتجاه أفق يراه أجدى!