الأربعاء 23 سبتمبر 2020
كتاب الرأي

عبد السلام الصديقي: أجرأة خطة الإنعاش الاقتصادي والحاجة إلى تعبئة وطنية

عبد السلام الصديقي: أجرأة خطة الإنعاش الاقتصادي والحاجة إلى تعبئة وطنية عبد السلام الصديقي

الأوراش الثلاثة الكبرى الواردة في خطاب العرش الأخير، تم عرضها بتفصيل من قِبل وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة خلال لقاءٍ مع الصحافة يوم 04 غشت الجاري، حيث أصبحنا نتوفر على مزيدٍ من المعطيات بخصوص محتوى خطة الإنعاش الاقتصادي، وخاصة على مستوى تركيبتها المالية، وكذا بشأن المراحل المختلفة لإنجاز ورشيْ التغطية الاجتماعية الشاملة وإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية.

 

فالهندسة الإجمالية لهذه الأوراش، والتي ستُلقي بظلالها على "مغرب الغد"، قد تم رسمها، وينبغي الآن الدخول في الجزئيات والانتقال إلى أجرأتها الفعلية.

 

فبالنسبة إلى خطة الإنعاش الاقتصادي، يمكن القول إننا دخلنا بالفعل هذه المرحلة النهائية. فما هي محتويات هذه الخطة الطموحة التي تُقدر تكلفتها المالية ب 120 مليار درهما؟ ومن سيقوم بماذا؟

 

يتضح جليا من خلال العرض الذي قدمه السيد بنشعبون أن القطاع البنكي مُطالبٌ بدفع 75 مليار درهما في شكل قروض لفائدة المقاولة، بما فيها المقاولة العمومية، مع ضمان الصندوق المركزي للضمان / CCG  (والذي سيتحول إلى شركة وطنية للضمان وتمويل المقاولة) بمبلغ 05 مليارات من الدراهم، سيتم تحويلها من صندوق الدعم كوفيد – 19.

 

أما الـ 45 مليار درهما الباقية، فالدولة هي التي ستعمل على توفيرها قبل تحويلها إلى صندوق الاستثمار الاستراتيجي، والذي سيتم إنشاؤه في شكل حساب مرصد لأمور خصوصية، وذلك على النحو التالي: تحويل 15 مليار درهما من قانون المالي المعدل إلى ذات الصندوق، واللجوء إلى السوق المالي الوطني والدولي من أجل اقتراض مبلغ 30 مليار درهما، وهو ما يعني أن الخزينة عليها أن تتحمل استدانة إضافية بمبلغ 30 مليار درهما، وهو ما سَيُفاقِمُ المديونية العمومية بثلاث نقط إضافية.

 

إن صندوق الاستثمار الاستراتيجي سيضطلع بمهمة مزدوجة: القيام بتمويلٍ مباشر للمشاريع الاستثمارية في إطار شراكة عمومي-خصوصي، من جهة، وتدعيم رسملة المقاولات من أجل تنميتها، من جهة ثانية. وهو ما يعني أن الدولة ستعمل، بواسطة هذا الصندوق، على المساهمة في رأسمال بعض المقاولات التي تعاني صعوبات مالية. وهذه الصيغة، الجاري بها العمل على نطاق واسع اليوم، مستحسنةٌ أكثر من صيغة تقديم القروض، لأنها صيغة تساهم عمليا في إغناء الدولة بدل تفقيرها.

 

وبصفة سريعة، تمت ترجمة هذه التدابير في "ميثاق من أجل الإنعاش الاقتصادي والتشغيل"، والذي تم التوقيع عليه يوم 06 غشت الجاري من قِبَلِ الأطراف الثلاثة المعنية: وزير المالية ورئيس الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب ورئيس المجموعة المهنية للأبناك المغربية. ووفقا لهذا الميثاق، التزم كل طرف بالقيام بما يجب عليه القيام به.

 

هكذا، التزمت الدولة بتعبئة غلاف  120 مليار درهما لمصاحبة خطة الإنعاش الاقتصادي، مع توزيع هذا المبلغ حسب التركيبة سالفة الذكر، ويتعلق الأمر بمواصلة آلية "ضمان أوكسجين" في شقين: شق يهم المقاولة الصغيرة التي تنجز رقما للمعاملات لا يتجاوز 10 مليون درهما، وشق ثانٍ يهم المقاولات التي تتجاوز سقف 10 مليون درهما. كما تمت إعادة تنشيط برنامج "انطلاقة" الذي تم إطلاقه قبل ظهور الجائحة، والذي يهم كما هو معلوم، المقاولة الصغيرة جدا والمقاولة المبتكرة والمقاول الذاتي، كما تم إقرار تحفيز الطلب مع إعطاء الأولوية ل"الأفضلية الوطنية" في احترامٍ لالتزامات المغرب تجاه المنظمة العالمية للتجارة وإزاء شركائه الذين تربطه بهم علاقات في إطار التبادل الحر.

 

من جهتها، تلتزم الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب بتدعيم القواعد الصحية، وبالحفاظ على 80% من مناصب الشغل كحد أدنى، وباستفادة الشغيلة من التغطية الاجتماعية، واحترام المقتضيات القانونية والتنظيمية في المجال الجبائي والاجتماعي والبيئي، وتثمين المنتوج المحلي.

 

في نفس الوقت، تلتزم المجموعة المهنية للأبناك المغربية بتوزيع وسائل تدخل الدولة بشكل سلس، والمساهمة الفعلية في إنعاش برنامج "انطلاقة".

 

وإذا كان من السابق لأوانه إجراءُ تقييم إجمالي أول لهذه الخطة التي تُعتبر طموحة بالفعل بالنظر إلى الإمكانيات المتواضعة للمغرب، فإنه ينبغي التنبيه منذ الآن إلى ضرورة القيام بتعبئة وطنية، بمشاركة مجموع القوى الحية للبلاد، وفي مقدمتها الشركاء الاجتماعيون.

 

والمُلاحَظ، في هذا الاتجاه، غياب شبه تام لرئيس الحكومة، باستثناء اللقاء الذي نظمه في الفترة الأخيرة مع عدد من الخبراء وعلماء الاقتصاد قصد الاستماع، على ما يبدو، إلى مقترحاتهم. ومن المؤكد أن هذه الخطوة لا تعدو أن تكون مجرد لقاء لا يُنتظر منه أي جديد، وهو لقاءٌ سعى من ورائه رئيس الحكومة فقط إلى أن يظهر أمام الرأي العام بمظهر "الحاضر"، ليس إلا. وكم كنا بِوُدِّنَا أن نعرف مآل الاقتراحات التي سُلمت إلى رئيس الحكومة من طرف تنظيمات سياسية ونقابية وجمعوية بخصوص الإنعاش، وذلك قبل أزيد من شهرين!

 

كما أن الانطباع الذي نخرج به، بعد قراءة متمعنة في "الميثاق من أجل الإنعاش والتشغيل" ولوثيقة عقدة برنامج 2020-2022 الخاصة بالقطاع السياحي، هو انطباعٌ لا يبعث على الاطمئنان، إذ نلاحظ أن ممارسات الماضي والمنهجيات المتقادمة هي التي ما تزال تطغى على غيرها من المقاربات المبتكرة والمتجددة التي تتلاءم مع متطلبات الساعة، مما من شأنه أن يقتل في المهد كل محاولة إصلاحية. ومن حسن الحظ أنه لا يزال هناك مشروع تعميم التغطية الاجتماعية الشاملة الذي يُتيح لنا فسحة من الأمل.

 

ختامًا، لا بد من التذكير أن الأزمة التي نجتازها هي أزمة عميقة ومركبة، ويمكن أن تدوم أكثر، خاصة مع تفاقم الوضعية الوبائية مؤخرا، والتي لا يستطيع أحد التنبؤ بمستقبلها. ودون التقليل من العمل الجبار الذي تقوم به بعض القطاعات الوزارية بتفانٍ ونكران ذات، فإننا نعتقد، بكل موضوعية، أن الجميع ليس معبأً بنفس الدرجة، كما أن الجميع لا يسير بنفس الوتيرة، وأننا لا نزال دون مستوى استعمال كل طاقاتنا، وبالتناغم الكامل المُفترض... إنه أمر مؤسف حقا.

 

- عبد السلام الصديقي، أستاذ جامعي، ووزير التشغيل والشؤون الاجتماعية الأسبق