الأحد 20 سبتمبر 2020
منبر أنفاس

مريم الأزدي : المَنسِيون في زمن الجائحة

مريم الأزدي : المَنسِيون في زمن الجائحة مريم الأزدي
إسمي "كوبرا"، لكنهم في فناء اليونسكو، ينادونني اللّفْعة وينادون والدي الحنش(!) ولدتُ في منحدرات وادي تاساوت، وزحفت على أحراشه وأنا ألقي بكراماتي لحَفَدة سيدي رحال فلا أعاديهم ولا أقاضيهم ولا اؤذيهم..لكنني سقطت يوما في فخ أحد الصيادين ذوي السوالف الطويلة، الذين يكسبون رزقهم من العزف على الغيطة.. فحولني راقصةً يَتمَلّى العابرون والمتحلقون جسدها ، يتلمسونه، ويرفعونه عِقْدا حول أعناقهم المتعرقة ،المختلفة الأحجام والألوان كي يلتقطوا معها الصور..كم مرة وددت لو أعضهم، لكنني كنت أتراجع صامتة أكتم حنقي داخلي ،بينما صاحبي يُطْبق على أنيابي بقبضته القاسية..طوال اليوم أشتغل تحت زمهرير الساحة، لا حق لي في البكاء أو الإحتجاج أو اللدغ..في الإحتماء من شمس المدينة وعيون الفضوليين..زمن الجائحة،خَلَت الساحة من عيون العابرين.. وصمَتَ صوت الغيطة. فَرِحتُ لأنني سوف أرتاح ولو لبعض الوقت..لكن المدة طالت وأنا قابعة داخل الصندوق الرمادي المتسخ.. لَعَلهم نَسوْني.. لعل صاحبي ذا السوالف الطويلة مات بالسعال والحمى ..لعل المتفرجين كَفّوا عن عاداتهم..لعل يد اليونسكو ارتفعت عن الساحة..أسئلتي ترتد صدى بين جنبات الصندوق الذي حُشرْتُ داخله، 
وتحول زنزانة أبدية، لا كوة ضوء فيها ولا عيون لترقب رقصة موتي الأخيرة، وفي رأسي يعبر ضباب ذكرى عن تلال تاساوت البعيدة .
 وأنا إسمي "سَعدان" ،وفي الساحة العالمية ينادونني القرد.. ولدت في غابات جبال الأطلس المتوسط العامرة بأشجار الأًرْز السليطة الجمال، حيث يتردد رجع صدى أغنية بهية تُكنّى "إيناس..إيناس ".. كنت أهيم عشقا بغابتي، بعيون مياهها ، و بأشجارها الجميلة الدائمة الكَرَم..أشجار باسقة كثيفة الأغصان، شامخة وأبدية الخضرة..وكنت فخورا بها لأن صورتها تتوسط علم بلاد دائم الجروح والدموع، لكن أهله يخرجون للتظاهر ضد النظام وهم في أوج فتنتهم و زينتهم. 
كزميلتي كوبرا، وقعت في فخ صياد متمرس،في لحظة سهو مني وصفاء ذهن..أخذني بعيدا عن غابتي وأغنياتي الجميلة، ووضع سلسلة حديدية حول عنقي.. كل يوم يجرني إلى فناء المدينة ويأمرني بأن أنط وأقفز..بأن أبتسم حتى ولو كنت حزينا وأن أتشعبط في رقبة سائحة شقراء كي تلتقط صديقتُها صورة لي وتعلقها على جدار وكالة للأسفار..لا أخفيكم أنني كنت أحب التعلق بأعناق الشقراوات اللواتي يدوخني العطر الطالع من بياض أجسادهن، كما أنني أحب أن أذهب في جولة للعالم ولو على جناح بطاقة بريدية..في زمن الجائحة  ، ما عدت أرى صاحبي..ربما لذغته زميلتي،بعدما فاض كأسُ سُمِّها.. ربما أخذته سيارة إسعاف حمراء اللون..وربما وبخته شقراء فرنسية إسمها بريجيت، لا تحب أن تراني إلا على أشجاري هناك بالأطلس المتوسط.. ما عاد يخرج بي ليجرني إلى الساحة.. شحت الأعناق وتبخرت العطور.. انطفأت كاميرات التصوير وما عدت أرى غير صناديق زملائي الخضراء المكدسة بجانبي عبر فتحة صندوقي حيث أنط طوال اليوم وقد فاح الفضاء حولي بعطر ما يخرج مني..أصبحت حبات الفول السوداني والذرة ترفا، وضجيج الأطفال حلما بعيدا..نسيت الإبتسامة التي تعلمتها، ونسيت صورتي على ظهر بطاقة البريد التي لم تعد تسافر نحو العالم..داخل رأسي يدندن وَتَرٌ لَحْنَه الحزين" إيناس إيناس/ ما يْريخْ أَدا سِيخْ إِزْمانْ..أدا سِيخْ إِزْمانْ" ..
فيا أيها العالم ،ها نحن نطرق باب الخزان، فهل من سامع؟