الاثنين 26 أكتوبر 2020
كتاب الرأي

لبيلتة: وجهة نظر في مضمون "النهضة "

 
لبيلتة: وجهة نظر في مضمون "النهضة " عبد الحميد لبيلتة
منذ القرن التاسع عشر، طرح التساؤل الإشكالي، لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟ اي البلاد العربية الإسلامية.
وطبيعي أن سياق طرح هذا السؤال هو ما تم توصيفه لاحقا بـ"صدمة الحداثة" التي كان وقعها شديدا على المثقف العربي والإسلامي، لكن الكتابات الفكرية النهضوية التي تبناها أو أنجزها آنذاك المثقفون العرب المسلمون، هل كانت مشاريع نهضوية متكاملة أو انتقائية؟
أقطاب الدعاة إلى نهضة عربية وإسلامية كجمال الدين الأفغاني، كانوا ينظرون إلى النهضة من خلال رؤية سياسية لبناء الدولة على غرار ماهو قائم في الغرب آنداك، وتوالت الكتابات في ظل هذا السياق السياسي ككتابات علي عبد الرازق والكواكبي بشكل خاص.
في حين نجد محمد عبده بعد رجوعه من فرنسا يرى بأن نهضة الأمة العربية والإسلامية يجب أن تقوم على التربية والتعليم، هذه الرؤى الفكرية لدعاة النهضة العربية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لماذا لم تتحقق معها النهضة العربية والإسلامية؟
ففي تصور المفكر عبد الله العروي: أن المشاريع النهضوية العربية في أغلبيتها كانت تزاوج بين الأصالة والمعاصرة، وهذه الثنائية في التفكير تشكل عائقا منهجيا. ولذلك اقترح أن مشروع النهضة العربية لابد له من الاستناد على المعاصرة أي الحداثة.
أما المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري فيرى أن شروط النهضة العربية تتحقق من خلال قراءة نقدية جديدة للتراث على اعتباره جزءا يسكن فينا ونسكن فيه، وقراءته تقتضي استثمار العقلانية النقدية الرشدية نسيبة (إلى أبي الوليد بن رشد) وللمناهج الحديثة. وهناك اتجاه آخر يرى أن تحقيق النهضة العربية الإسلامية يجب أن تستعيد التراث الحضاري الذي من خلاله قامت الحضارة العربية الإسلامية إي العودة إلى السلف الصالح. بالإضافة إلى تنامي قراءات وكتابات عديدة، ارتكزت على المادية التاريخية بعد المد الماركسي في البلاد العربية ككتابات الراحل حسين مروة الطيب تيزيني والمهدي عامل وجورج طرابيشي وغيرهم.
والسؤال المركزي الذي مازال قائما منذ ما يزيد على قرن ونصف من الزمن. لماذا مشروع النهضة العربية يراوح مكانه؟ هل مضمون هذه المشاريع الفكرية للنهضة كانت قاصرة بين قوسين أم أن الاستعمار الإمبريالي الذي غزا البلاد العربية عطل قيام نهضة عربية، كما حدث في اليابان مثلا؟
أم أن مضمون هذه المشاريع الفكرية كان يتصف بالانتقائية وليس بالرؤية الشمولية لنهضة عربية شاملة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا؟
إن الأنظمة العربية التي قامت بعد حركة التحرر والاستقلال عن المستعمر الغربي،كانت لا تملك مشروعا نهضويا أم تبعيتها للاستعمار الجديد كبل تلك النهضة المنشودة، وإدارة الشعوب العربية والإسلامية بآليات قمعية استبدادية ؟
في تقديري الخاص إذا تعقبنا هذه المشاريع الفكرية النهضوية نجدها تركز على مجال معين من مجالات الحياة الواقعية للمجتمعات العربية والإسلامية، وهذا ظاهر بشكل جلي في الأمثلة التي أوردتها في بداية هذه المقالة.
وأريد أن أطرح سؤالا آخر هل النهضة من اختصاص أفراد أو مؤسسات، ؟ و هل أحداث التغيير والنقلة النوعية تتم عن طريق مشاريع نهضوية فردية أم أن مشروع النهضة موكول للمؤسسات سواء الدولة القائمة بمؤسساتها أم موكول للأحزاب والهيئات السياسية الجماهيرية المدنية؟
فإذا نظرنا إلى الثورات التي قامت في التاريخ الحديث نجد أن هذه الثورات الحديثة استفادت من الإنتاج الفكري والسياسي لكبار المثقفين منذ الثورة الفرنسية والبلشفية وغيرهما.
ولذلك أعتقد أن التراكم الفكري والسياسي للمثقفين في تعدد مجالات اهتمامهم واختصاصهم، هو المدخل الإستراتيجي لتحقيق النهضة شريطة وجود مؤسسات قادرة على تمثل هذه المشاريع الفكرية للنهضة برؤية نقدية جديدة ومتكاملة وغير انتقالية، تستحضر التحولات الجذرية التي عرفتها المجتمعات العربية. سواء الكمية و النوعية. مما يطرح السؤال هل مجتمعاتنا العربية والإسلامية الحالية تمتلك مؤسسات سواء مدنية أو دولية قادرة على إحداث نهضة من أجل تحقيق التغيير، أم أن توزيع القوة والهيمنة الدوليتين يساهم في إعادة إنتاج إخفاقات النخب والمؤسسات السابقة؟ هل العزلة العالمية التي فرضها كوفيد19 وما يعتمل في كل الأنظمة والمجتمعات في العالم من قلق فكري، يتيح لنا التوجه لاستعادة سؤال النهضة العربية والإسلامية؟ لكن بأية آفاق ورؤى؟