الخميس 13 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

صافي الدين البدالي: حكومة العثماني مصرة على تعنيف الأطفال والشعب معا

صافي الدين البدالي: حكومة العثماني مصرة على تعنيف الأطفال والشعب معا صافي الدين البدالي

القرار الانفرادي والمفاجئ الذي اتخذته الحكومة، والقاضي باعتماد التوقيت الصيفي، ولو في فصلي الخريف والشتاء، ينم على أن هذه الحكومة يسعدها الاستمرار في تعنيف الشعب والأطفال معا؛ بل أصبحت حكومة سادية تتلذذ بإلحاق الأذى للشعب. فبعد قرارات مجحفة في حقه، والتي تجلت في ضرب القدرة الشرائية للمواطنين والمواطنات من خلال رفع اليد عن مراقبة وضبط الأسعار، والتراجع الخطير عن الخدمات الاجتماعية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم وتحرير سوق المحروقات، نزولا عند رغبة لوبيات هذا القطاع، أسعار اكتوى بنارها المواطن بشكل مباشر؛ يأتي قرار الاستمرار باعتماد التوقيت الصيفي شتاء وخريفا وربيعا، طوعا للنفوذ الخارجي، ونزولا من أجل مصلحة جهات أجنبية، مما يؤكد على أن هذه الحكومة تخلت عن أحد أركان السيادة الوطنية.

إنه القرار الذي أدى إلى ارتباك وسط الشعب المغربي بكل شرائحه الاجتماعية، وإلى الإحساس بالحكرة بضرب مصالحه عرض الحائط  لفائدة القوى الضاغطة. بل الأخطر من ذلك هو الارتباك الذي خلفه قرار اعتماد التوقيت الصيفي وسط التلاميذ والأسر، مما سيعرفه الزمان المدرسي من مشاكل تربوية وإدارية، ورغم الحلول الترقيعية التي جاء بها وزير التربية الوطنية، دون أن يدرك بأن تلك الحلول لن تزيد الوضع إلا تعقيدا بالنسبة للزمان المدرسي، خاصة وأن هناك تراكمات سابقة على مستوى الخصاص في الحجرات وفي الأساتذة، وضعف البنية التحتية للمدارس، مما جعل التلاميذ يخرجون إلى الشارع رافضين تلك الحلول، الشيء الذي ترتب عنه بعض مظاهر الشغب في غياب مقاربة تواصلية وتشاركية تستجيب للضروريات التربوية والبيداغوجية .

السيد رئيس الحكومة، السيد وزير التربية الوطنية: ألم تدركوا مدى أهمية زمن التعلم أو الزمن المدرسي في المنظومة التربوية التعليمية والتكوينية؟، إنه يعتبر عند الباحثين التربويين رهانا استراتيجيا ورافعة أساسية لنجاح المنظومة التعليمية/ التعلمية على مستوى النمو الشامل للمتعلم؛ ولذلك كان عليكم اعتماد التفكير العلمي والتحليل المنهجي والمقاربة التشاركية والتواصلية مع الفاعلين المباشرين من أساتذة وآباء وتلاميذ عبر ممثليهم، قبل أي خطوة تمس الزمن المدرسي، وذلك من أجل وضع صيغ، تماشيا مع المواثيق الدولية لحقوق الطفل (الإعلان العالمي لحقوق الطفل 1950، إعلان جنيف 1924 للطفل والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل)، والتي كلها تجمع على أن للطفل حقوق على الدولة وعلى المجتمع، وأهمها توفير الشروط اللازمة لضمان نموه بشكل سليم، كما يجب استحضار الواقع الاجتماعي والثقافي والمجالي للطفل من أجل ضمان حق التلميذ في تحقيق أقصى استفادة من الزمن المدرسي على مستوى المعارف والمهارات واستثمار المكتسبات وتحقيق الكفايات. فالزمان المدرسي إذن هو من أجل التلميذ وليس من أجل الأستاذ أو المدير أو الحارس العام أو غيرهم.  فعلماء التربية وعلماء النفس مثل "فاليري تارتاس" و"فريس" و"مولير" الذين اعتبروا أن الزمن المدرسي هو بنية مركبة ومندمجة في المجتمع، فيجب إذن إعداد الزمن المدرسي للتلميذ ومن أجله، وفق معايير مرتبطة بالجانب النفسي والسيكولوجي للطفل، وبالجانب  العمري والفصل الدراسي. فعلى الزمان المدرسي أن يراعي الحصص الزمنية التي يتحقق فيها الإدراك المعرفي عند الطفل التي يكون استعداده حاضرا فيها للتعامل مع المادة حسب الخصوصية. أيضا يراعي الزمان المدرسي حصص الترفيه والأنشطة الفنية والتربية البدنية والاستراحة وأوقات التغذية .

السيد وزير التربية الوطنية: إنكم، وبالرغم من مكانتكم على رأس وزارة تعد الأولى لإعداد الجيل المقبل، كي تستمر الدولة في الحياة، فإنكم لم تخططوا ولا حكومتكم، بل حتى الذين سبقوكم، للطفل، بل تخططون كيف تمارسون تقشفكم على حساب الأطفال لحل مشاكل مالية، بسب الفساد الإداري ونهب المال العام اللذين يطغيان على القطاع كله. فحولتم مهنة الأستاذ، المهنة الشريفة، إلى تعاقد، وقلصتم من الحجرات والمعدات الدراسية والوسائط الحديثة، وألغيتم السكنيات للأساتذة من أجل توفير ميزانية تصرفونها في مجالات لا علاقة لها بالطفل .

السيد الوزير: لقد كان ينبغي، على الأقل بالنسبة للزمان المدرسي، توفير بنية تحتية تستجيب للشروط التربوية والبيئية، تساعد الأستاذ والتلميذ على التفاعل والتشارك المعرفي في ظروف سليمة وسلمية تساعد على البناء الجيد للمعرفة وللتعلمات، من خلال توفير حجرة لكل أستاذ وأستاذ لكل حجرة، وتوفير فضاءات صحية وفضاءات للراحة والمطالعة والتنشيط وممارسة التربية البدنية والفنية، حتى لا يبقى التوقيت المدرسي خاضعا لتوقيت الكبار الذي يجب أن يخضع للزمن المدرسي وليس العكس. وإن خير دليل على ذلك هو عدم التزام المدارس التابعة للبعثة الفرنسية بالتوقيت الذي اعتمدته وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي!! لتبقي بذلك على أوقات الدخول والخروج العادية طيلة أيام السنة.

إن الأمر ظل، ولا يزال، يتطلب تغيير النظرة الدنيا للمدرسة وكذلك عدم حل مشاكل الدولة المالية على حساب الطفل/التلميذ والشاب/الطالب، كما أنه لا يجب أن يظل قطاع التعليم لعبة سياسية تتقاذفه النزوات الشخصية والذاتية، لأنه لا يقبل عنف الدولة ولا عنف المجتمع؛ فإن انهار، انهارت معه القيم والعلم والتقدم.

- صافي الدين البدالي: مفتش تربوي سابق