Sunday 30 November 2025
مجتمع

شعلة أكادير تلامس عوالم المراهقين بوعي تربوي جديد

شعلة أكادير تلامس عوالم المراهقين بوعي تربوي جديد في ختام اللقاء، تم تسليم الشهادات للمشاركين
في صباح يوم السبت 29 نونبر 2025، امتلأ مركز للا أمينة بأيت ملول بنبض مختلف، حيث التأم عشرات اليافعين في دورة تكوينية حملت عنوان "التغيرات الفسيولوجية والجسدية لدى المراهقين"، نظمتها جمعية الشعلة للتربية والثقافة فرع أكادير بشراكة مع العصبة المغربية لحماية الطفولة، في مبادرة تعكس وعيا تربويا عميقا بضرورة مرافقة المراهقين خلال أكثر مراحل الحياة حساسية وتعقيدا . كان المشهد منذ البداية يوحي بفضاء تربوي مختلف، تتلاقى فيه أسئلة اليافعين بإنصات حقيقي من الأطر، وتنصت فيه المؤسسة لنبض هذه الفئة التي تبحث عن منافذ للفهم والطمأنينة. فالمراهقة كما يؤكد علم النفس الاجتماعي ليست مجرد انتقال عمري، بل لحظة إعادة بناء كاملة للذات، يتصارع فيها الجسد والعقل والعاطفة في حوار داخلي دقيق، وتكون فيها البيئة المحيطة عاملا حاسما في تشكيل ملامح الشخصية وسلوكياتها.
 
خلال العروض والورشات، تم تقديم شرح مبسط وعميق للتحولات الفسيولوجية والجسدية التي يمر بها الجسم في فترة البلوغ، من الطفرة الهرمونية إلى تغير ملامح الجسد وطريقة اشتغاله. ولم يكن الحديث عن الجسد معزولا عن النفس، بل تم الانتقال بانسيابية نحو ما يحدث داخليا من تقلبات مزاجية، وبحث عن هوية، ورغبة في الاستقلال، وتوترات لا يجد المراهق في كثير من الأحيان الكلمات لشرحها.
 
حاول المؤطرون الاقتراب من هذا العالم الخفي الذي يشبه "مسرحا داخلياً" تتقاطع فيه الأصوات والصراعات الداخلية، بين الحاجة إلى الاعتراف وهاجس الرفض، وبين رغبة اليافع في الانتماء وخوفه من فقدان ذاته. ولأن الصحة النفسية تشكل حجر الزاوية في هذا العمر، فقد تم توجيه المشاركين نحو أهمية النوم الجيد، والتغذية المتوازنة، وممارسة الرياضة، ومشاركة المخاوف مع شخص موثوق، باعتبار هذه السلوكيات ليست مجرد نصائح، بل آليات دفاعية تنظم العلاقة بين المراهق وذاته، وتخفف من وطأة التحولات السريعة التي يعيشها.
 
أما مهارات التعامل مع الضغوط فكانت واحدة من أكثر اللحظات تفاعلا، إذ وجد اليافعون أنفسهم يعبرون عن ضغوط الدراسة، وعن حيرة العلاقات الاجتماعية، وعن الخوف من الجرح العاطفي أو الفشل، وتعلموا تقنيات بسيطة لكنها فعالة لمواجهة ضغط الأقران، وإدارة القلق، وتحويل التوتر إلى قوة دافعة.
إن ما ميز هذا اليوم هو تلك الجسور غير المرئية التي تشكلت بين المؤطرين واليافعين؛ جسور من الثقة، والتعبير المشترك، والفهم المتبادل، حيث شعر المشاركون لأول مرة ربما أن ما يعيشونه ليس شذوذا أو خط، بقدر ما هو مرحلة طبيعية من رحلتهم نحو النضج. وقد أظهرت المخرجات النهائية للبرنامج ارتفاعا ملموسا في مستوى الوعي، وتطورا في القدرة على الفهم والتأقلم، وجرأة في طرح الأسئلة، وانفتاحا جديدا على التواصل مع الأطر التربوية.
 
وفي ختام اللقاء، تم تسليم الشهادات للمشاركين، في لحظة احتفالية بسيطة لكنها محملة بمعنى عميق، لأن المعرفة هنا لم تكن تلقينا بل مشاركة، ولم تكن معلومات بل دعوة للتصالح مع الذات. هكذا غادر اليافعون مركز للا أمينة وقد حمل كل واحد منهم شيئا من الضوء: ضوء المعرفة، وضوء الوعي، وضوء الإحساس بأن رحلتهم نحو اكتمال الذات ليست معركة فردية، بل تجربة إنسانية تستحق الإصغاء والمرافقة.