Sunday 31 August 2025
سياسة

تحضيرا لانتخابات 2026.. مامدى مشروعية مطلب الزيادة في عدد البرلمانيين؟

 
تحضيرا لانتخابات 2026.. مامدى مشروعية مطلب الزيادة في عدد البرلمانيين؟ عبد الغني السرار (يمينا) والحسن أشهبار
يسود نقاش ساخن بشأن الزيادة في عدد أعضاء مجلس النواب، حيث تقدمت أحزاب سياسية بمقترح رفع عدد أعضاء مجلس النواب من 395 حاليا، إلى أزيد من 495، انسجاما مع مطلب رفع عدد النساء بمجلس النواب من 90 إلى الثلث، أي 132 مقعدا، في تشريعيات 2026، في أفق المناصفة بحلول 2031، وإرجاع لائحة الشباب إلى 100 مقعد، إما من خلال إقرار نظام الحصص، أو ضمن لوائح يكون وكلاؤها شبابا دون 40 سنة، وهو المقترح الذي قوبل بالتحفظ من لدن أحزاب في المعارضة وفي الأوساط الجامعية والأكاديمية التي تعتبر أن المغرب  لا يمكن أن يتوفر على برلمان يتفوق في عدد المقاعد على برلمانات دولٍ أكبر من ناحية الكثافة السكانية، وضمنها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لا يتعدى عدد أعضاء مجلس النواب الأمريكي 435 ، أما إجمالي أعضاء الكونغرس فلا يتعدى 435، ناهيك عن استمرار ظاهرة غياب النواب، كما أن مقترح الزيادة – حسب هؤلاء - مضر بالنجاعة البرلمانية، وله تأثيرات سلبية على مصداقية العمل السياسي، ويسيء إلى صورة المؤسسة التشريعية؛ حيث يجعل تعديل عدد أعضائها محكوما بحسابات سياسية ظرفية، لا تخدم الخيار الديمقراطي ولا تتماشى مع قيم المساواة وتكافؤ الفرص، كما يدفع الخريطة السياسية نحو مزيد من التشتت والانقسام؛ ما يؤدي إلى فقدان الثقة في العملية السياسية.
 
في هذا الإطار يرى عبد الغني السرار أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق بالجديدة أن مبادرة بعض الأحزاب السياسية الرامية لتعديل مقتضيات القانون التنظيمي لمجلس النواب في أفق الرفع من عدد النواب الحالي المحدد في 395 بموجب المادة الأولى من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، لن يحل الإشكاليات البنيوية الآنف ذكرها، لأن هذا المقترح من غير المستبعد أن تكون فرضته اعتبارات أخرى لا علاقة لها بالرغبة في الرفع من كفاءة الأداء البرلماني، بل من المحتمل أن تكون وراءه (المقترح) بعض الضغوط التي تعرفها أغلب إن لم نقل كل الأحزاب السياسية من طرف التنظيمات الموازية خاصة الشبيبات الحزبية والتنظيمات النسائية التي تطالب بالرفع في حصتها وحضورها على مستوى مجلس النواب. وبالتالي، ومخافة من فقدان الدعم الذي توفره هذه الإطارات الشبابية والنسائية للهيئات السياسية، فكرت الأخيرة في هذا المقترح الذي يبقى حلا تقنيا/مرحليا ولن يكون بمقدوره على المستوى البعيد حل كل أو حتى بعض من الإشكاليات العميقة التي يعاني منها البرلمان المغربي  والذي يعاني من أزمة بنيوية في ممارسة اختصاصاته الدستورية خاصة ما يتعلق بالمبادرة في مجال التشريع والتصويت على القوانين، والأدوار المالية والرقابية والدبلوماسية.
 
وعليه – يضيف السرار - فإن أية محاولة في اتجاه الرفع من تمثيلية وحضور فئتي الشباب والنساء داخل مجلس النواب لا يجب أن تخرج عن هذه التدابير القانونية، بحيث يمكن التفكير في تعديلها وتعزيزها لكن دون الوصول إلى إمكانية الرفع من العدد الحالي للنواب، الذي يتميز أصلا بالتضخم.
 
 في نفس السياق، تطرق السرار الى أداء النواب البرلمانيين بصفة عامة وما يطرحه من تساؤلات بخصوص الحكامة التشريعية والأمن القانوني، خاصة في ظل استفراد الحكومة بالمبادرة التشريعية، بالرغم من العدد المرتفع للنواب الذين أبانت التجربة والممارسة على مستوى الواقع أن حضورهم يبقى شكليا أو أن الهدف منه هو تثمين ودعم المبادرات التشريعية التي تأتي بها الحكومة التي أصبحت تميل في أكثر من مناسبة لاستغلال أغلبيتها العددية لتمرير مشاريعها القانونية، مشيرا بأن  أية محاولة لعقلنة العمل البرلماني والرفع من كفاءته وجودته وحكامته، هي مسؤولية تقع على عاتق الأحزاب السياسية أولا وأخيرا، وذلك من خلال تحمل مسؤوليتها من خلال منح التزكيات للكفاءات عوض الأعيان، واختيار مرشحين أكفاء للانتخابات التشريعية ويتوفرون على مستوى تعليمي عالي وعلى تجربة وتكوين سياسي داخل أجهزة الحزب، أما غير ذلك فيعتبر إجراء ترقيعي أو مدخل جديد للريع السياسي، ذلك أن الإجراء السليم والأصح لتجويد العمل البرلماني  - من وجهة نظره - يتوقف على مدى نجاح الأحزاب في منح التزكيات بناء على معايير موضوعية تؤطرها الكفاءة والاستحقاق والالتزام بأخلاقيات الممارسة السياسية والديمقراطية حتى أثناء الحملات الانتخابية، واحترام النواب للالتزامات التي تجمعهم الكتلة الناخبة أو الدائرة الانتخابية التي يمثلها.
 
الحسن اشهبار، أستاذ القانون الدستوري بالكلية متعددة التخصصات تازة، يرى هو الآخر أن الاقتراح المتعلق بزيادة عدد أعضاء مجلس النواب الى ما يتجاوز السقف الحالي يثير نقاشا عميقا حول مدى مشروعيته الدستورية وجدواه السياسية و مردوديته العملية. فالدستور يربط المسؤولية بالمحاسبة ويؤكد على مبادئ الحكامة الجيدة وترشيد المالية العمومية، كما ينص على أن تفاصيل عدد الأعضاء ونظام الانتخاب تضبطها القوانين التنظيمية التي تخضع بدورها لمراقبة المحكمة الدستورية قبل إصدارها. وهذا يعني أن الشرعية الشكلية للتعديل غير كافية ما لم تكن هناك أسباب موضوعية تتعلق بالتمثيل العادل والنجاعة المؤسسية.
 
وأوضح أشهبار أنه إذا كان الهدف من الزيادة تصحيح اختلال في التمثيل ناتج عن تفاوت سكاني أو توسع عمراني غير متكافئ، فإن ذلك يمكن أن يشكل مبررا معقولا. غير أن جزءا كبيرا من هذه الاختلالات يمكن معالجته عبر إعادة توزيع المقاعد بين الجهات وتحيين الخريطة الانتخابية داخل العدد الحالي دون الحاجة الى رفع السقف، فالقيمة الحقيقية للصوت الانتخابي يمكن ضمانها بإصلاحات تقنية تتعلق بحجم الدوائر وآليات توزيع المقاعد أكثر من مجرد زيادة في العدد الكلي.
وتوقع أشهبار أن يؤدي التوسع العددي في أعضاء مجلس النواب الى مضاعفة الإشكاليات القائمة من غياب وضعف في أداء اللجان وغياب الأثر الفعلي للمبادرات التشريعية، كما أن المواطن قد يفسر هذه الزيادة على أنها مجرد امتياز حزبي ونخبوي، مما يزيد من أزمة الثقة بين المجتمع والمؤسسات، خصوصا في ظل نسب مشاركة انتخابية ضعيفة وانتقادات مستمرة للغياب البرلماني.
 
أما على المستوى المالي، فإن كل مقعد اضافي يعني كلفة جديدة في التعويضات والامتيازات والوسائل اللوجستية. والمنطق الدستوري يقتضي – بحسب محاورنا - إجراء دراسة أثر مالية ومؤسساتية تسبق اتخاذ القرار، توازن بين الكلفة والجدوى وتقارن بين البدائل الممكنة.
 
كما أن الأهداف المتعلقة بإدماج أوسع للمرأة والشباب والتمثيل الترابي يمكن تحقيقها بوسائل أخرى داخل السقف الحالي، من خلال تطوير نظام اللوائح الجهوية وإعادة النظر في قواعد تمويل الحملات وضمان تناوب فعلي في رؤوس اللوائح. وإذا كان هناك من ضرورة للإصلاح، فالأولوية ينبغي أن تعطى – يضيف أشهبار -  للأدوات التي تحقق المساواة امام الاقتراع وتكافؤ الفرص بين المتنافسين وتحافظ على الحياد المؤسساتي في العملية الانتخابية، مشيرا بأن تقييم وجاهة الزيادة لا يمكن أن يتم إلا عبر مؤشرات دقيقة لقياس الأداء خلال ولاية برلمانية كاملة، مثل نسب الحضور، وعدد المقترحات ذات الأثر الفعلي، وجودة التقارير، ومدى التزام الحكومة بالإجابة على الأسئلة، فإذا تبين أن الخلل مرتبط بضعف المردودية لا بضيق التمثيل، تنتفي الحاجة الى  زيادة عدد أعضاء مجلس النواب، أما إذا أظهرت المعطيات أن هناك مظالم تمثيلية فعلية  لا يمكن معالجتها الا بتوسيع عدد المقاعد، فإن ذلك يصبح خيارا مشروعا لكنه مشروط  بإصلاحات مؤسساتية ومحاسبة دقيقة.