الأربعاء 12 يونيو 2024
جالية

هذا هو مصير مهاجرات مغربيات حين يُقمن في رحاب الموت..!

هذا هو مصير مهاجرات مغربيات حين يُقمن في رحاب الموت..!

هـن مرافقات للعجزة وونيساتهم في لياليهم البائسة ومنظفاتهم عند عجزهم عن قضاء حاجاتهم الطبيعية.. لسْـن شغالات بيوت ولا ممرضات.. هـن كل هذا العمل المرهق والشاق والإنساني أيضا..

فمشهود للهرم السكاني الإيطالي بالشيخوخة، كما أن إيداع الأبناء لآبائهم بدور العجزة هو أمر عادي.. وللتخلص من تأنيب الضمير يكلفون إحدى المرافقات بـرعايته وهو عمل لا يقبل عليه الإيطاليون.. عوامل جعلت الطلب على هذه العينة من العمالة في ارتفاع مستمر.. عجّلت بفتح مؤسسات تعليمية لفروع تأهيل وإعادة تكوين المهاجرات في مجال المرافقة والعناية بالعجزة... بعد أن كان في بداية الأمر غير مؤطر..

طبيعة العمل تتطلب الإقامة في بيت العجائز مما دفع العديد من المغربيات يقبلن على هذا العمل لأنه يسمح لهن بتوفير قـيمة إيجار السكن وحاجيات أخرى..

في المقابل يعملن أكثر من 50 ساعة في الأسبوع، ولهن نصف يوم كعطلة أسبوعية..!!! وبأجـر نخجل من ذكره..!!

ولأن لكل عمل مخاطر، فإن هذا النوع من العمل لا يشكل استثناء.. ولن نبالغ إذا قلنا إنه من أصعبها على الإطلاق.. فصعب جدا أن تعمل تحت تهديد أن يخطف الموت العجوز في أي لحظة.. ويخطف معه عقد العمل الذي يعني تجديد رخصة الإقامة.. وأشياء أخرى.. كثيرات عـايشْـن حالات احتضار عديدة.. وتعـوّد الموت على خطف عجائزهن أمام أعينهم ويتركهن للبطالة..! بل أكثر من هذا، فالكثيرات الآن يعانيـن من اضطرابات نفسيـة عميقـة..!

تجربة مع مرض الزهامير

فاطمة 43 سنة من البيضاء، مجازة آداب عربي وعاشقة لنزار القباني..

بعد سنة كاملة من البطالة قبلت هذا العمل الذي لم تكن تتخيل يوما القيام به ولو على سبيل الدعابـة.. عاشت تجربة 5 سنوات مع مريضة بالزهامير وسنة كاملة مقعدة.. قبل مرضها كان الكل يناديها بالجنرال لقوة شخصيتها وتحكمها.. تقـول فاطمـة: طـوال هذه السنوات عزمت أكثر من مرة على مغادرة هذه السيدة فرغم هذه السنوات الخمس 5 لم تتذكر اسمي.. ولم أنل منها غير الشتم والسب بأقبح الألقاب والاتهام بالدعارة والسرقة.. أتابع عملي بعد إقناعي من طرف العائلة أنني شابة مكافحة.. وأن تصرفات العجوز هي مجرد عوارض لمرض الزهامير..! وتعوّدْت العيش مع مرضها، وبكيت عليها بصدق يوم موتـهـا.. وقفت أكثر من مرة على قيمـة تقاليدنا المغربية في ربط الألفة والاعتناء بمن هم أكبر سنـا... وفي ليلة الخميس من مارس.. سمعتها تتنفس بصوت تصاعدي.. مصحوب بكـلام لم أتمكن من فـك رموزه.. لم تكن عادية نظراتها الفاحصة للسقف وكأنها تودع كل ركن في الغـرفة.. أمسكت بيديْـها.. ولم أكن خائفة من الموت.. عرفت أنها تحتضر.. دمعت عيناها.. وسقطت يداها من يـدي.. وانتقلت إلى عفــو الله..

لم أتذكر كيف ومتى أبلغت عائلتها بالخبر الأليم.. وأنا التي دخلت في هستيريا من الصراخ والعويل.. مرددة أكثر من مرة ".. إنا لله وإنا إليه راجعــون.." مازلت أسمعها تناديني وصوتها في كل مكان في هذا البيت الذي تقاسمناه معا لمدة 5 سنوات.. وفي حركات اعتيادية ما زلت أذهب لغرفتها ليلا للاطمئنان عليها... كان آخر لقاء بها بـاقـة من الزهور فوق قبرها.. قبل ذهابي إلى مطار بولونيا متوجهة للبيضاء.. أحتاج للوقت لاستعادة توازنــي...

رحمة 34 سنة من البيضاء مجازة آداب انجليزي..

هي الأخرى عايشت أكثر من حالة احتضار. لكن يبقى الأول هو الأصعب، حيث غادرت مباشرة إلى المغرب لمدة سنة كاملة.. ورغم عدم إيمانها بالشعوذة فقد اضطرت أكثر من مرة لزيارة الأضرحة والسادات للتخلص من هواجس سكنتها وأصوات كانت ترعبها ليلا..

حالات كثيرة تحدثت لنا عن المخاطر النفسية لهذا العمل.. عن المعاناة والمنافسة الشرسة من طرف مهاجرات الفليبين وأوروبا الشرقية.. لكن الإيجابي أنهن يعتبرن هذا العمل فقط استراحة محارب.. وحالمات بعمل يوازي شهاداتهن الجامعية وأيضا تطوير لمهاراتهن. أما إذا قبلـن بهذا الوضع الراهــن فهو فقط عنـوان كبـير... فـمرغم أخاك... لا بطـل....!