الثلاثاء 16 إبريل 2024
في الصميم

خريطة المغرب وحقارة فرنسا الماكرونية

خريطة المغرب وحقارة فرنسا الماكرونية عبد الرحيم أريري
مرة أخرى يتأكد أن السلوك الفرنسي المناهض لكياننا ولاختياراتنا السيادية، وضمنها وحدتنا الترابية، ليس صادرا عن سوء تدبير أو تقدير، ولكنه موقف منهجي يروم مواصلة استفزاز المغاربة، والمس بعمق قرارهم الوطني. فبعد عمل الدولة العميقة بفرنسا على الإسهام في صياغة الاتهام الماكر، خلال يوليوز 2021، بادعاء تورط بلادنا في ما سمي «حملة التجسس»، ثم صمتها عن قرار المغرب باللجوء إلى القضاء. وبعد العمل السري من أجل الإسهام المنظم في حملة اتهام المغرب بـ «إرشاء أعضاء من البرلمان الأوروبي»، وتغليف ذلك بغطاء الدفاع عن حقوق الإنسان. وبعد إقرار «شروط الخزيرات» في عملية التفاوض مع المغرب في شتنبر 2021 بخصوص ملف «إعادة مهاجرين غير نظاميين»، وما تلاه من قرار تشديد شروط منح التأشيرات للمغاربة...
 
ها هي فرنسا الماكرونية توسع اليوم مدار الحرب على قراراتنا واختياراتنا السيادية الوطنية لتنقله باتجاه المنظومة التعليمية داخل مدارس البعثة الفرنسية بالمغرب.
 
ولقد بدأت معالم هذه الحرب حين ضبطت المصالح الإدارية المغربية المختصة، في مطلع الموسم الدراسي الحالي (2002-2023) وجود شحنات من المقررات الدراسية المنقولة من فرنسا، والموجهة نحو البعثة الفرنسية بالمغرب، بخرائط مبتورة تفصلنا عن أقاليمنا الصحراوية المسترجعة من قرابة نصف قرن.
 
في نفس الفترة، تواصل الاستفزاز بمدينة طنجة بعد أن ثبت تضمن المقرر الدراسي لمادة الاجتماعيات بالمستوى السادس لخريطة المغرب المبتورة، وذلك بإحدى مدارس البعثة الفرنسية بمدينة طنجة حيث تصدى آباء وأولياء التلاميذ هناك إلى هذه النازلة منددين بهذا التجاوز الكبير. في نفس السياق دائما تجدد الاستفزاز، خلال مارس 2023، بمدينة  أكادير بعد أن تصدت جمعية آباء وأولياء تلاميذ الثانوية الفرنسية الدولية لنفس النوايا المغرضة ضد وحدتنا الترابية، وذلك حين وقفت على تضمن إحدى مواد امتحانات الباكلوريا لخريطة المغرب مبتورة. وهو ما دفعها إلى الاحتجاج معبرة عن «استنكارها لهذا السلوك الذي اعتبرته اعتداء على السيادة المغربية، وعلى وحدته الترابية»، موجهة رسائل في الموضوع إلى إدارة المؤسسة المعنية، وإلى كل من قنصلية فرنسا بأكادير وسفارتها بالمغرب.
 
واضح إذن أن الإصرار الفرنسي على تشويه خريطة بلادنا، وتعميمها رسميا بشكل مبتور هو، في الواقع، فضح مبيت لخريطة العداء في عقل ومخيلة الدولة العميقة هناك تجاه وحدتنا الترابية والمغرب بشكل عام. وهو الفضح المعبر كذلك عن كثافة الحقد الذي يسكن قصر الإليزي الذي صار يؤلمه أن يرى المغرب كيانا ناهضا بقرار سياسي مستقل عن العقلية الاستعمارية المتوارثة من زمن الإمبرياليات المباشرة.
 
ولقد تضاعف هذا الحقد بعد أن قرر الإليزي، على خلفية مضاعفات الحرب في أوكرانيا، بيع ضميره إلى الشيطان الجزائري، وإلى خصوم وحدتنا الترابية، فقط من أجل براميل الغاز...
 
قد يقول قائل إن علاقات الدول هي روابط مصالح وامتيازات. ومع ذلك لا أحد كان يتصور أن يتم التحالف المصلحي الوضيع على حساب «بلد صديق» يتقاسم مع فرنسا لا فقط أواصر ثقافية وإنسانية وشراكات اقتصادية، ولكنه يتقاسم معه كذلك مبادىء الاختيار الديموقراطي، وفضاء الحريات وقيم التنوير بخلاف دولة كوريا الشرقية حيث يواصل الجنيرالات إحكام القبضة الحديدية على المواطنين الجزائريين بعد أن كبلوا حرياتهم الفردية والجماعية، وصادروا حقهم في الثروة الطبيعية، وبعد أن أعاقوا سيرورة العمل المشترك من أجل محيط مغاربي ينشد السلام، ويرسخ الأهمية الفعلية للجوار الحقيقي.
 
وبالفعل فلا أحد كان يتصور أن ينسلخ العقل الفرنسي الراهن في عهد ماكرون، عن تاريخه وقيمه ليدوس المشترك بيننا فقط من أجل مصالح آنية.
 
ما يجري في الإليزي ومحيطه ليس فقط سقوط القيم والضمائر، ولكنه انكشاف الأوهام لدى كل من لا يزال يعتقد أن الحاضر والمستقبل هما فرنسا التي تأكد بأنها تغادر اليوم زمن الأنوار بعد أن ولجت زمن الظلام والوضاعة والخسة والعار.