الثلاثاء 7 فبراير 2023
كتاب الرأي

مصطفى لمودن: السياسة المائية بالمغرب.. بين الأرصاد والاستسقاء

مصطفى لمودن: السياسة المائية بالمغرب.. بين الأرصاد والاستسقاء مصطفى لمودن
تعاملت الدولة المغربية مع الماء بكثير من الشدة والحزم اللذين دعت إليهما الضرورة القصوى، ضرورة الإبقاء على الحياة.. وخلال العقود الأخيرة توفر المغرب على ما يفوق الستين سدا كبيرا، ناهيك عن عشرات السدود الثلية لتخزين الماء لوقت الشدة.. وشرع مؤخرا في توفير محطات تحلية ماء البحر عن طريق إزالة الملح منه، وهناك مدن تتوفر على مثل هذه المحطات منذ مدة كحالة مدينة العيون، بل هناك من المحطات ما أعدت للسقي كما هو الشأن في أكادير.. 
 
وهناك سياسة لتنظيم استعمال الماء، مثلا لا يقع حفر بئر في المناطق الفلاحية سوى بعد ترخيص، وهناك دَأْبٌ على التحكم فيما يستخرج من تلك الآبار عن طريق عدادات خاصة مُراقبَة، وهناك دعم من الدولة لتمويل منشآت السقي.. 
 
وعلى المستوى الإداري، أصبحت إحدى الوزارات تحمل إلى باقي تسمياتها اسم "الماء" (وزارة التجهيز والماء). وهناك وكالات تابعة للدولة على كل حوض مائي، مثلا "حوض سبو"، دورها تنظيمي وإداري.. حتى أنه وقع تعيين "شرطة الماء".
 
وبالتالي لم تبق مسألة توفير الماء عرضة للصدفة.. رغم أن للأمطار الدور الأول والأساسي في توفيره للمغرب، وتلعب الجبال قبل السدود دور المُخزّن الطبيعي والذي يسمح بتسرب المياه على شهور.. 
 
مرة رأيت في برنامج تلفزي مساهمة هيآت دولية ووطنية في طريقة مبتكرة لجمع الماء بإقليم تيزنيت، وذلك باعتراض رذاذ البحر بواسطة شبكة معلقة، وتحويله إلى ماء سائل يقع تجميعه للحاجة.
 
 ولم يستسلم جدودنا بدورهم، وقد أبدعوا حسب ظروفهم لتوفير الماء، مثل تحويله بواسطة قطّارات من منابعه العليا إلى مناطق في السافلة، كما كان ذلك بحوض "تانسيفت" ومراكش. وصنعوا نواعير كبيرة لرفع مياه الأنهار إلى أعلى وجعلها تتدفق إلى الحقوق، وجعلوا الدواب تساهم في استخراج الماء من الأبار العميق بطريقتين على الأقل، الأولى بنواعير تدور على محور بفعل دوران الدابة، أو أن هذه الدابة نفسها تجر دلوا إلى مسافة كي يصعد الماء.. باختصار، لم يستسلم يوما المغربي كباقي البشر في العالم للصدفة..
 
وقبل عقود، لما لم تجد مدينة طنجة ما تشربه، إثرَ جفاف السدود وعدم ملء أحدها كان حديث النشأة، تضامنت  كل الجماعات المحلية بالمال، ووقع توفير صهاريج على بواخر تنقل الماء من نهر أم الربيع إلى المدينة المنكوبة.. ولم تتكفل بذلك في حينه نظارة الأوقاف المحلية و"المجلس العلمي" بالمدينة!.
 
يعرف الآن جميع تلاميذ المغرب كيف تتشكل الأمطار من خلال دروس النشاط العلمي.. ويُفترض في كل تلميذ انتقل من الابتدائي أن يكون ملمّا بذلك.. فلماذا لا يقع حجب هذه الروس عن الأطفال وإعطائهم تفسيرا آخر؟.
 
لقد عرف المغرب فترات مطيرة كثيرة، رافقتها فياضانات كما كان ذلك بشكل متكرر قبل سبعينيات القرن الماضي. ولكنه عرف كذلك فترات جفاف، وتأخر أو انعدام سقوط المطر، وكان لذلك نتائج صعبة اقتصاديا واجتماعيا، أخرها جفاف سنوات 1983 /1985.
 
 لماذا كل هذا المجهود لتنظيم استعمال الماء؟ إنها محاولة مستمرة للتغلب على الخصاص المستمر في هذه المادة الحيوية، حتى ما يوجد منها في باطن الأرض أصبح يقلّ وقد نزل بثلاثة أمتار على الأقل بجميع المناطق التي بها أبار..
 
ووقع الاضطرار مؤخرا لاستعمال صهاريج متنقلة لتزويد السكان ببعض المناطق بالماء، كما ذكر ذلك وزير "التجهيز والماء"..
 
يتأثر مناخ المغرب بدوره بما يعرفه العالم، فهناك جفاف بعدة مناطق حتى بأوربا التي يظهر في عدد من دولها (ألمانيا السنة المنصرمة)، وفي فرنسا وإسبانيا واليونان.. وكل دولة تتسلح بالعلم والتقنية لإيجاد الحلول المناسبة.. 
 
وهناك دول يسبب لها  كثرة الماء مشكلة، كما يحصل في ثلث هولاندا تقريبا، لكنها لم تستسلم وشرعت منذ نصف قرن في تجهيز البلاد بالحواجز الطبيعية والصناعية. من ذلك سدود ضخمة متحركة على مدخل الأنهار.. وهو نفس الشيء الذي لجأت إليها مدينة البندقية الإيطالية، ببناء حواجز حديدية متحركة ضخمة، كلما ارتفع مد البحر أو جاءت منهم أمواج مرتفعة.. كل تلك الحواجز تعمل آليا بدون تدخل إنسان في حالة أي خطر.
 
كان دائما السيد عبد السلام شعشوع المسؤول عن مصلحة الأرصاد الجوية، يرد عدمَ وصول الأمطار إلى المغرب بالمرتفع "الأصوري" المتمركز غرب الجزيرة الأيبيرية، وبحسّه العلمي الحق ومسؤوليته، لم يكن يرد الجفاف لسبب آخر. وقد وقع تقدم هائل في التنبؤات الجوية، تشمل نصف شهر  أو أكثر بهامش خطأ بسيط..
 
إذا كان المغرب قد أعلن رسميا وفي عدة مناسبات، عن تحمله مسؤوليته بدوره في الحد من الانبعاثات الغازية، آخرها ما وقع بقمة "شرم الشيخ"، التي تسبب الاحتباس الحراري، فهو كغيره من الدول يستحضر المسببات الحقيقية لتأخر المطر أو سوء توزيعه على العالم وعلى فترات الفصل المطير. وطبعا لم يكن لوزارة الأوقاف رأي في ذلك.. فكيف تقولون لأطفالكم الشيء ونقيضه؟.