السبت 20 إبريل 2024
كتاب الرأي

أيت بلعربي: رسالة مفتوحة إلى زميلاتنا وزملائنا قضاة المغرب

أيت بلعربي: رسالة مفتوحة إلى زميلاتنا وزملائنا قضاة المغرب أيت بلعربي
لقد شهدت العدالة المغربية حراكا كبيرا في القرن الواحد والعشرين، ساهمت فيه جل مكونات المجتمع من أحزاب، جمعيات حقوقية، محامون ومحاميات، قضاة وقاضيات، صحافة حرة ومستقلة انتهى بتعديل دستوري سنة 2011 أقر باستقلال السلطة القضائية. وهو الاستقلال الذي حمل آمالا كبيرة للعدالة، تحقق منها الكثير بمساهمة قاضيات وقضاة آمنوا منذ البداية، بأن استقلالهم هو المعبر الوحيد عن وجودهم. 
إن الدستور الذي حمل استقلال السلطة القضائية، هو نفسه الذي أناط بكم في فصله 117 مهمة حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون. 
وأنتم تعلمون زميلاتي زملائي القضاة بأن الأمن القضائي وحسن تطبيق القانون، لا يمكن أن يتحقق دون محاكمة عادلة تراعي حقوق الدفاع في المقام الأول، باعتبارهما حقين يضمنهما الدستور في فصله 120. 
وبمناسبة مناقشة الحق في محاكمة عادلة وحق الدفاع، تعلمون السادة قضاة وقاضيات المملكة، بأن زملاءكم المحاميات والمحامين عبر ربوع الوطن، يعيشون أكبر محنة في تاريخ المحاماة تجلت في الهجمات الشرسة والمتتالية لوزارة العدل ووزارة المالية، من خلال محاولة فرض قانون للمهنة يضرب استقلال المحاماة وحصانة الدفاع في الصميم، ومشروع قانون للمالية يضرب كل قيم العدالة الضريبية، من خلال فرض تسبيق ضريبي على كل قضية يفتحها المحامي في مكتبه، بغض النظر عن طبيعتها ورفع سعر الضريبة على القيمة المضافة على أتعاب المحامي، دون مراعاة لخصوصية مهنة المحاماة ولحق التقاضي المجاني لفئات واسعة من المجتمع.
إن هاته الهجمة، وكما بدا واضحا لكل متتبع يحركها شخص، أبان عن حقد دفين وغير مفهوم لمهنة ظل للأمس القريب يمارسها بشكل نظامي، ومازال يمارسها إلى الآن متخفيا رغم حالة التنافي.
إن توالي الهجمات على زميلاتكم وزملائكم المحامين، دفع مؤسساتهم المهنية على المستوى الوطني، اتخاذ قرار غير مسبوق يتجلى في التوقف التام عن العمل بمختلف محاكم المملكة، ابتداء من الإثنين 14 نونبر 2022، وإلى أجل غير مسمى بعدما قاموا بخطوات إنذارية لم تجد مسؤولين أكفاء بآذان صاغية. 
وها أنتم ستدخلون قاعات الجلسات، وستجدون أنفسكم أمام ملفات ورقية بدون روح ومتهمين وضحايا يملؤون هاته القاعات دون محامين يؤازرونهم أو ينوبون عنهم.  ولا شك أن الكثير منكم ممن يؤمنون بمفهوم الأسرة الواحدة وبقدسية رسالة الدفاع وبالحق في محاكمة عادلة يتضامنون مع زملائهم المحامين، ويؤيدون مسعاهم في إيجاد حل لهاته الوضعية التي وجدوا أنفسهم فيها، لكن بسبب واجب التحفظ الذي يحكمكم، لن تستطيعوا التعبير علانية عن هذا التضامن.
أما على مستوى تدبير الجلسات فلا شك أنكم ستقفون أمام خيارين: 
- أولهما يتجلى في اعتباركم القضية جاهزة لعدم جواب دفاع المدعى عليه أو المستأنف عليه أو لعدم تعقيب دفاع المدعي، أو المستأنف رغم الإعلام و الإمهال، أو القضية جاهزة لكون المتهم والمطالب بالحق المدني أمهل لإعداد الدفاع لكنه لم يقم بذلك.
- ثانيهما تأخير الملف إلى جلسة لاحقة لتمكين أطراف الدعوى من الجواب أو التعقيب أو تقديم المطالب المدنية أو إعداد الدفاع بواسطة محاميهم وذلك انتصارا لروح الفصل 117 من الدستور الذي وضع على عاتقكم مسؤولية حماية الأمن القضائي والقانوني للمتقاضين، وانتصارا أيضا لروح الفصل 120 الذي يؤكد على كون المحاكمة العادلة والحق في الدفاع مضمونان.  ومادام المتقاضي سيقف أمامكم مجردا من هذين الحقين فإنكم المسؤولون الأولون على ضمانهما بكافة الوسائل.
فإذا كان استقلال القاضي حق للمتقاضي وضمانة أساسية له في محاكمة عادلة، فإن حق الدفاع بدوره حق للمواطن و ليس للمحامي ولا يمكن تصور محاكمة عادلة في غياب المحامي.
فابتداء من الإثنين 14 نونبر 2022، ستصلنا أخبار عن القاضي الذي جسد  استقلاله وحكم ضميره وانتصر لقيم العدل والمحاكمة العادلة وحق الدفاع، وعمن تجاهل هاته القيم.
 رشيد أيت بلعربي ، عضو مجلس هيئة المحامين بالقنيطرة