الخميس 1 ديسمبر 2022
كتاب الرأي

يوسف غريب: ماتت ماما عائشة... جدّة الآلاف من الأطفال

يوسف غريب: ماتت ماما عائشة... جدّة الآلاف من الأطفال يوسف غريب

قال رسول الله ﷺ ،"إذا مات ابن آدم؛ انقطع عمله إلا من ثلاثصدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (رواه مسلم)

يدفعنا الحديث الشريف لخير البرية إلى التواجد والتسابق نحو أحد هذه الاختيارات الثلاثة كحدّ أدنى لصعوبة جمع هذه الصفات كلها في عبد واحد..

هو الاستثناء..أوفوق الاستثناء حين تكون الحالة بصيغة المؤنث..

هي القدّيسة الفقيدة عائشة الشّنا

تنوعت الألقاب والأسماء لامرأة قادمة من أقصى مدينة ذكورية بامتياز بشعر قصير فوق وجه دائري يوحي بالتعاطف والحنو وعينين صغيرتين تجمعان الحزم والإصرار والتحدي وسرائر أنثوية نادرة، بمضامين إنسانية كبيرة.

امرأة عاشت لكي تخدم الآخر، الآخر المعوز والضعيف أمام مجمتع تقليدي محافظ، لا يهمنا في شخصية الفقيدة الفاضلة «ماما عيشة» كما يناديها آلاف الأطفال الذين يرفعون اليوم وكل يوم أضرعهم إلى الله بالرحمة والمغفرة لروحها الطاهرة إلى جانب آلاف الفتيات والأمهات العازبات ،وبالكم الهائل للعمليات التضامنية التي قامت بها من أجلهن.

 

يهمنا أكثر كيف يمكن لامرأة عادية جدا، بتكوين أكاديمي محدود، وتنتمي لوسط اجتماعي بسيط وغير مؤازرة لا سياسيا ولا مؤسساتيا، أن تفتح ملفا غارقا في الطابو والوصول بالقضية لأعلى مراتب الإهتمام السياسي والسيادي. كل ذلك وهي متسلحة بإلحاحية شديدة، وبتصميم قوي لبلوغ الهدف هوأن تعيش المرأة العازبة وطفلها بأمان..

نصف قرن وأكثر بكثير من أجل حقوق الأمهات العازبات وأطفالهن، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم أبناء رجال لم يتحملوا مسؤوليتهم. أمام المجتمع والدولة..

قناعة جعلها في فوهة بركان التيار المحافظ التي وصمها بالمدافعة عن الرذيلة مع التواطؤ المفضوح لدعاة التنوير وصمتهم المطلق لحظتها !

 

في بوح سابق قالت:

"سمعت الكثير من الإنتقادات، لكن ما يحزُّ في النفس أنّ هذا الكلام صادر عن أناس مرموقين ومثقفين يرون ما أقوم به تشجيعاً على الفساد"، بل تلقيت الكثير من التهديدات".

كل هذا لم يحل دون إيمانها بقضيتها التي ناضلت من أجلها...نعم وسط هذه الشيزوفرينيا لم تقم الفقيدة سوى باحتضان أطفال تركهم المجتمع المتناقض على هامش الشوارع..وفى أسوأ الحالات في قمامة الأزبال .. لم تقم إلاّ بتصحيح أخطاء المجتمع..دون أن تشتكي يوما من ثقل المسؤولية

كانت المرحومة الفاضلة تعي تماما أنها تَجُرُّ على نفسها الكثير من الانتقادات والمخاطر بكسرها “طابو” من “الطابوهات” المجتمعية وتشريح عقلية واسعة من شرائح المجتمع الرافض مسبقا مناقشة فكرة وقوع حملٍ خارج إطاره الشرعي.

لكن القدر الجميل رسم طريقها وصدح برسالتها إذ جمعتها الصدفة بواقعة إنسانية أشبه بملحمة تراجيديا، تقول عنها في إحدى اللقاءات الصحفية :

السبب الذي دفعني لتأسيس الجمعية بمعية سيدات أخريات، راجع لحادثة وقعت في صيف عام 1981، إذ شاهدت أم عازبة أتت للتخلي عن ابنها الرضيع، وعندما وضعت ملف رضيعها لدى المساعدة الاجتماعية كان طفلها يرضع فسحبت ثديها من فمه بعنف ما أدى إلى تطاير الحليب على وجهه، وعندها شرع بالبكاء، صوت بكائه مازال عالقا في ذهني إلى اليوم، وأقسمت حينها أنني سأقوم بمحاربة هذه الظاهرة”، ورغم قساوة المشهد إلا أنها تفتخر بعد طول هذه السنوات بالرضيع الذي جرى احتضانه الذي أصبح طبيبا اليوم...

هي الروح التي عادت إلى باريها اليوم راضية مرضية..وعملها متواصل حسب منطوق الحديث الشريف عبر دعاء آلاف الأبناء الذين انقذتهم... وصدقة جارية من خلال مركز لجمعية التضامن النسوي..

وعلم انتفعنا به كفرد ومجتمع قربتنا به أكثر إلى هذه الازدواجية المجتمعية التي تزاوج إلى حد التناقض بين الفعل والموقف المضاد

لروحك الطاهرة سيدتي الفاضلة كل الرحمة والغفران وإنا لله وإنا إليه راجعون...