الجمعة 9 ديسمبر 2022
سياسة

نظام العسكر يوظف استقبال الرئيس التونسي الانفصالي غالي: المغرب في مواجهة توسيع حزام المؤامرات الجزائرية

نظام العسكر يوظف استقبال الرئيس التونسي الانفصالي غالي: المغرب في مواجهة توسيع حزام المؤامرات الجزائرية الإنفصالي إبراهيم غالي يتوسط قيس سعيد (يمينا) وعبد المجيد تبون
لم يكن قرار الرئيس التونسي قيس سعيد تخصيص استقبال رسمي للإنفصالي إبراهيم غالي يوم الجمعة 26غشت 2022، في مطار قرطاج للمشاركة في النسخة الثامنة لتيكاد بشأن التعاون بين اليابان وإفريقيا، مفاجئا في ضوء اندفاع النظام الجزائري منذ عدة شهور لحمل تونس على مسايرة سياساته في  المنطقة ، وخصوصا مناكفة المغرب ومحاولة الإضرار بوحدته الترابية.
 
وأكدنا في مقال في هذا الموقع يوم الخميس 16 دجنبر 2021، بمناسبة زيارة الرئيس عبد المجيد، الذي يشكل الواجهة المدنية للطغمة العسكرية الحاكمة لتونس، " أن النظام الجزائري يحاول بهذه الزيارة الدفع إلى ترتيب الوضع الداخلي في تونس بما يخدم مصالحه في سعيه إلى أن تكون الأنظمة في جواره متماهية معه في نبذ الديمقراطية واعتناق المذهب الشمولي وأن تكون دول الجوار من الضعف، بما يجعلها مرتهنة لهيمنته في المنطقة".
 
وتأكد هذا التوقع في إظهار النظام الجزائري، بتوظيفة سياسة المساعدات والقروض لتونس، سعيه المحموم إلى عزل المغرب، بإحيائه  سياسة المحاور في المنطقة ودفن اتحاد المغرب العربي، باستصداره في ختام زيارة تبون لتونس ما يسمى "إعلان قرطاج"، الذي جاء فيه أنه "اعتبارا للدروس المستخلصة من التجارب السابقة وبالنظر إلى الإنجازات التي حققتها العلاقات بين البلدين، تداول الرئيسان (التونسي والجزائري) في أهمية اعتماد نظرة طموحة نحو إرساء فضاء إقليمي جديد جامع ومندمج ومتكامل يقوم على القيم والمثل والمبادئ المشتركة ويوفر ردودا منسقة وناجعة للتحديات الأمنية والاقتصادية والصحية وللأحداث ولكافة التطورات الراهنة والقادمة على الصعيدين الإقليمي والدولي".
 
كما تأكد ذلك التوقع لاحقا في دفن الرئيس قيس سعيد النموذج الديمقراطي الناشئ في تونس عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في سنة 2011، وإنتاجه دستورا مناهضا للديمقراطية ودولة الحق والقانون والحريات.
 
وأكدنا في مقال ثان في هذا الموقع يوم 17دجنبر 2021، بمناسبة صدور "إعلان قرطاج" في زيارة الرئيس تبون لتونس " أن ذهاب نظام الجنرالات في الجزائر إلى إقامة محاور جديدة في المنطقة سيفرض على المغرب القيام بقراءة متبصرة لما يعتمل في المنطقة للتصدي لكل ما يمس مصالحه ووحدته الترابية".
 
وجاء يوم 26 غشت 2022 حاملا معه استمرار اتساع حزام مؤامرات النظام الجزائري ضد المغرب وانبثاق تحالف علني بين النظامين الجزائري  والتونسي ضد وحدة المغرب الترابية، وهو ما يفرض على بلادنا  العمل على احتواء الأزمة الناشئة مع تونس بعد التصرف المنحرف للرئيس قيس سعيد والسعي إلى مخاطبة العقلاء في تونس الشقيقة للحفاظ على العلاقات التاريخية والأخوية بين البلدين والحيلولة دون أن تسقط تونس لقمة سائغة في حضن النظام الجزائري، الذي يطمع في إحداث قطيعة بين المغرب وتونس تخدم توجهه في توسيع دائرة المتحالفين معه ضد مصالح المغرب ووحدته الترابية.
 
ولاحظنا في هذا الشأن أن النظام الجزائري دخل رسميا وبسرعة على خط الأزمة بين المغرب وتونس لتأجيج نارها وليس لإطفائها وهو الذي يدعي كذبا أنه يعمل على لم الشمل العربي في أفق القمة العربية التي يعتزم استضافتها في فاتح نونبر 2022، بأن استنكر ، من خلال تعليق لوكالة الأنباء الجزائرية الرسمية ما ادعاه" الحملة الإعلامية المغربية الخسيسة ضد تونس"، مدافعا عن التصرف المعادي للرئيس قيس سعيد تجاه المغرب، باستقباله الانفصالي غالي ". 
 
وأكد النظام الجزائري تماديه في تغذية التوتر بين المغرب وتونس وإشعال الفتنة بينهما بزعمه "إن الذين يعتقدون أن تونس ضعيفة قد جانبوا الصواب تماما، فتونس بعيدة كل البعد عن الضعف، أولاً لأن الرئيس قيس سعيد يحظى بدعم شعبه، ثم إن جميع الدول الأفريقية التي لا تزال متمسكة باحترام مبادئ ومعايير هيئاتنا الإفريقية، تدعمه في موقفه المشرف الذي يتماشى مع الأخلاق والقانون وقيم الترحيب وحسن الضيافة وكذا مع ميثاق الاتحاد الافريقي".
 
ولا يقف سعي نظام الطغمة العسكرية في الجزائر إلى توسيع حزام مؤامراته ضد المغرب عند تونس، بل يمتد إلى دول أخرى في القارة الإفريقية، في ضوء استخدامه جزءا من القدرات المالية الكبيرة المتوفرة للبلاد من ارتفاع أسعار المحروقات في تمويل عدائه للمغرب، كما يشمل دولا أخرى خارج القارة، مما يتطلب منا المزيد من اليقظة للحفاظ على زخم مكتسبات بلادنا في قضية وحدتنا الترابية. 
 
وفي هذا الإطار لا بد من الانتباه إلى مجريات ونتائج زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من 25 إلى 27 غشت 2022  إلى الجزائر وعدم التقليل من أهميتها في اتجاه إحداث تحول نوعي في العلاقات بين البلدين، قد يكون على حساب مصالح بلادنا.
 
لقد وقع الرئيسان ماكرون وتبون في ختام هذه الزيارة "إعلان الجزائر لشراكة متجددة"، بهدف إعطاء دفعة جديد لعلاقات البلدين، يطويان بها بالتدرج صفحة التشنج والخلاف حول الذاكرة المرتبطة بالاحتلال الفرنسي للجزائر والتوجه إلى تعزيز التعاون في الميادين الاقتصادية والاجتماعية. وشمل إعلان الجزائر المجالات التي سوف تهم تعزيز العلاقات الثنائية وهي: الهجرة والتأشيرات والطاقة والتحول الرقمي والطاقة المستدامة واستغلال المعادن النادرة، ومسائل الصحة، والزراعة، والسياحة. وهي كلها ملفات قد تقدم فيها فرنسا خبرتها واستثماراتها لدعم النظام الجزائري على تنويع النسيج الاقتصادي وعدم الاعتماد فقط على ريع المحروقات.
 
وإذا كانت زيارة ماكرون خلت من توقيع أي اتفاقيات تجارية واقتصادية كما جرت العادة، فإن جديدها الملفت للانتباه هو أنها تضمنت في برنامجها عقد جلسة عمل بين الرئيسين تبون وماكرون  في 26 غشت، بحضور قادة أركان الجيش الفرنسي والجيش الجزائري وقيادتي الأمن والمخابرات، تقرر فيها إحداث مجلس أعلى للتعاون على مستوى الرئاسة في البلدين، لمواصلة المباحثات والتنسيق في مسائل التعاون الأمني والعسكري.
 
ويبدو أن النظام الجزائري حاول في زيارة ماكرون أن يفرض دوره الأمني في المنطقة، بما قد يخدم توجهه في معاداة بلادنا ومواصلة معاكسة حقها المشروع في استكمال وحدتها الترابية. وقال الرئيس تبون في هذا الصدد، معلقا على جلسة العمل العسكرية والأمنية والمخابراتية التي جمعته بماكرون أن: "البلدين سوف يعملان معا في عدة ميادين خارج الجزائر وفرنسا"، يظهر في طليعتها  الوضع في مالي وليبيا ومنطقة الشمال الإفريقي .
 
ويلاحظ في هذا الإطار أنه في الوقت الذي أتمت فرنسا إجلاء آخر جندي لها في مالي في متم غشت 2022، بعد الأزمة مع القيادة العسكرية الحاكمة في باماكو، تريد استرجاع دور فعال في منطقة الساحل الإفريقي من خلال بوابة الجزائر، التي تشارك مع مالي 1400 كلم من الحدود، وأصبحت كلمتها مسموعة في باماكو باعتبارها  المشرفة على متابعة تنفيذ اتفاق مسار الجزائر عام 2015 لإحلال السلم والأمن في شمال مالي. وهي التي يسرت استقدام قوات فاغنر الروسية لتعويض القوات الفرنسية، وباركت زيارة وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان أخيرا إلى باماكو، في مسعى لتعزيز علاقات مالي بالدول المناوئة للمغرب.
وداخل القارة الإفريقية يحاول النظام الجزائري الحد من توجه بعض البلدان إلى تعزيز علاقاتها مع بلادنا. وفي هذا الشأن يمكن الاستدلال بالزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي أبي احمد للجزائر ومحادثاته مع الرئيس تبون. وقبلها زيارة رئيسة إثيوبيا سهلورق زودي  للجزائر بمناسبة دورة الألعاب المتوسطية، فضلا عن الزيارة الأخيرة لرئيس غينيا بيساو عومارو سيسوكو أومبالو للجزائر، وإعلان الرئيس تبون  بمناسبة الزيارة عن فتح سفارة جزائرية في هذا البلد وأن "بعض الظروف أدت إلى ابتعاد البلدين عن بعضهما البعض و أنه انطلاقا من هذه الزيارة، ستعود العلاقات الطبيعية بين البلدين"، علما أن غينيا بيساو أيدت مغربية الصحراء وفتحت قنصلية عامة لها في الأقاليم الجنوبية.

ويحاول النظام الجزائري أيضا ربط علاقات جيدة مع قادة الانقلاب في غينيا وبوركينا فاصو الداعمتين لبلادنا في قضية مغربية الصحراء، مما يبين رهانه المستمر على توسيع حزام ودائرة مؤامراته ضد بلادنا ووحدتها الترابية.