الأحد 14 أغسطس 2022
كتاب الرأي

أبو أيمن الفارح: نخب تعمل تحت الضغط والطلب

أبو أيمن الفارح: نخب تعمل تحت الضغط والطلب أبو أيمن الفارح
التيه السياسي
عندما يتبلور مشروع مجتمعي لدى جماعة وازنة من المواطنين، من خلال جمعية، وتصبح الحاجة إلى خلق إطار أوسع واكثر قدرة على استيعاب المشروع والطموحات وقادر على خلق ديناميكية تخلخل البنيات التقليدية وتهيء الضمير الجمعي لوعي سياسي جديد ولممارسة سياسية جديدة، تتحول الجمعية، علنا، إلى حزب سياسي، وقد يأخذ هذا التحول بعض الوقت ويرتبط بفترة إعداد وتربص وتحين الفرصة واللحظة السياسية المناسبة. يمكن لمثل هذه الولادات والتأسيسات أن تشكل خطرا على السياسة وعلى مصداقية العمل السياسي وتساهم في إفراغه من مضامينه الأخلاقية وجوهره المرتبط بنضج الشروط الموضوعية والذاتية التي تحدد وجوده وغاياته.
علاقة الجمعوي بالسياسي في المغرب علاقة ملتبسة ومتشابكة يصعب فصلها عن بعضها البعض، وبالتالي يصعب تحديد مساحاتها ووضع حدود واضحة المعالم لها.
الجمعيات تخلق الأحزاب وهذه الأخيرة تصنع الجمعيات، والصراع محموم على الثروة والسلطة، أما المشاريع السياسية والسوسيواقتصادية الحيوية فإنها تظل حبيسة أسوار الدولة، في مبادرات تنموية وصناديق سيادية تظهر وتختفي بحسب الحاجة السياسية، قبل أي شيء آخر، من أجل بث بعض الروح في بعض المؤسسات أو بهدف تسويق تصور أو برنامج أو مشروع أو من أجل تصفية تركة سياسية لم تعد صالحة أو لم يعد مرغوبا فيها أو ثبت إفلاسها. 
بإلقاء نظرة سريعة على التاريخ القريب، منذ ظهور الأحزاب والجمعيات، نلاحظ بأن كل المبادرات، وعلى الخصوص تلك التي تمت في فترة الاستعمار وخلال السنوات الأولى للاستقلال، ارتبطت بالتربية والثقافة وبالرياضة. لاحقا شعرت الدولة المغربية بأهمية العمل الجمعوي والتنظيمات الجمعوية ودورها الكبير والخطير في تكوين وتأطير ورفع مستوى وعي المواطنين، الشباب منهم على الخصوص، فانخرطت على كل المستويات من أجل احتواءه وتأطيره قانونيا(ظهير الحريات سنة 1958 ).
مهما حضرت من عناصر أخرى لن تجدي في طمس العامل العاطفي المركزي، العائلة والقبيلة على رأسها، في تحديد هوية وهدف ونظام أي جمعية في البلاد، في الوقت الراهن، في مقابل العامل العاطفي الوطني في فترة الاستعمار وسنوات بداية الاستقلال.
في هذا الإطار تفرض بعض الجمعيات نفسها ولا يستقيم الخوض في العمل الجمعوي بدون استحضارها وأدوارها الطلائعية. لقد كان لمنطقة النفوذ الإسباني في شمال المغرب دور السبق في ظهورالجمعيات، مثل جمعية المغرب سنة 1918 بمدينة طنجة وجمعية الهلال سنة 1926 بطنجة كذلك ، لكن الأكثر قوة وإشعاعا ظهرت في المنطقة الخاضعة للاستعمار الفرنسي، جمعية الكشفية الحسنية سنة 1933، الاتحاد الرياضي الرباطي سنة  1932 ، فريق الوداد البيضاوي سنة 1937 ، الجمعية المغربية لتربية الشبيبة سنة 1956 ، حركة الطفولة الشعبية سنة 1956، جمعية التربية والتخييم سنة 1964، وتوالت الجمعيات في ميادين مختلفة إلى أن وصلت إلى الوضع الذي نحن عليه اليوم .جمعيات في خدمة أشخاص وفي خدمة أحزاب وخدمة أجندات سياسية للدولة وحتى لجهات أخرى .
 عملت الدولة على خلق جمعيات وطنية وجهوية، اعتقدت بأن وضع شخصيات بارزة على رأسها، من الأعيان والوجهاء وخدام المخزن، سيخلق الوهج الذي يجذب نخب الطبقة المتوسطة بالخصوص، تجسدها فئات الموظفين والتجار وبعض الملاكين باعتبارهم مؤهلين ماديا وفكريا وأخلاقيا للمساعدة على إحكام السيطرة على مصادر السلطة والإمساك بخيوط التحكم في تسيير الشأن العام المحلي والوطني وتسهيل مأمورية الطبقة الحاكمة والدولة ولكي تصبح جزءا من العملية السياسية ومن نظام الحكم السياسي ككل.
لم تستجب هذه الأدوات للتوجه العام للدولة ولم تسع مخططاتها، فبدأ التفكير الجدي في خلق أدوات جديدة تستجيب لمطلب التشاركية، هذا المفهوم الذي أصبح لصيقا بمفهوم الديمقراطية ويحفظ ماء وجه بعض التيارات والأصوات التي طال جلوسها في قاعة الانتظار وفشلت في الحصول على مناصب من مواقعها السياسية التقليدية و الحزبية.
انطلقت المناورات  من أجل تهميش الأحزاب والنقابات  وتبخيس أدوارها من اجل فتح الممرات السياسية الآمنة لحركات جديدة اقتحمت الساحة السياسية  بقوة وبعنف وكسرت  قواعد كثيرة للعمل السياسي التقليدي الذي اعتمد بعض التقاطب في ممارسته العلنية، على الأقل. ظهرت حركات قدمت نفسها بديلا سياسيا يستجيب لتطورات العصر ولانتظارات الليبرالية والديمقراطية والدولة الاجتماعية. يمكن اعتبار "حركة لكل الديمقراطيين" نمودجا صارخا ، معبرا عن التوجه الجديد لدولة العهد الجديد في محاولة معالجة الانحباس السياسي والركوض، على كل المستويات. هذا الركوض الذي قارب سكتة بداية سنوات التسعينيات من القرن الماضي، كما عبر عن ذلك الملك الحسن الثاني رحمه الله.
لم تتشكل هذه الحركة من رحم الشعب، لكنها وجدت من أجل منعه من التمكن من زمام المبادرة ومنع الأجنة التي بدأت تتشكل بين الضلوع من اكتمال نموها وخروجها إلى الحياة وإلى معترك الصراع السياسي. ليس أسهل من عملية قيصرية ووضع الجنين في حاضنة المخزن والاطمئنان بشكل تام على مراحل نموه وتهييئه لمهام حماية العقد الاجتماعي والديني والسياسي من الانفراط.
تحت شعار "ممارسة السياسة بشكل مغاير" دخلت "حركة لكل الديمقراطيين" معترك الحياة السياسية من الباب الواسع وعملت على إفراغ الأحزاب والجمعيات والجماعات من نخبها وطرحت نفسها بديلا وفضاءا ديمقراطيا حالما وأداة مثالية لامتصاص الغضب الشعبي والصدمات، ثم خلقت"بام" حزب الأصالة والمعاصرة، وفي أرض أحزاب المغرب العريضة الواسعة زرعت بذورها لتجني في مواسم الحصاد السياسي، ما شاء الله من ريع ومن غنيمة.
هل نجحت حركة لكل الديمقراطيين في جعل شعارها "ممارسة السياسة بشكل مغاير" واقعا ملموسا ؟
الممارسة تتطلب أدوات فكرية وعقدية  وتنظيمية وتواصلية قادرة على نسج علاقات عريضة، متطورة مع كل فئات الشعب، وليس خطابات موسمية وفي مناسبات ، تحت الطلب، كلما دعت الحاجة والضرورة إليها. الديمقراطية ليست شعارا يرفع لتزيين واجهات البنايات والمؤسسات السياسية أو من أجل الاستهلاك الخطابي الإعلامي الداخلي والخارجي، حتى والدستور يتضمنها ويعلن التزامه بحمايتها وتطويرها فهي تبقى في حاجة لمن يخرجها إلى الفضاء العام، في حاجة لمن يحررها. الديمقراطية ممارسة عن قناعة، سلوك فردي وجماعي ومؤسساتي من إيمان عميق بسمو وسيادة القانون في دولة الحق والمؤسسات وبحق الإنسان في الاستفادة والتمتع بخيرات وثروات بلاده والعيش فيها، وحيثما وجد في هذا الكون، بكرامة.
ليس خافيا ولا خفيا كون نشأة "حركة لكل الديمقراطيين" مرتبطة في جزء كبير منها بالغزو والمد الإسلاموي والطموح الزائد للمبشرين به والحاملين للواءه، المتمثلين بالأساس في الجبهتين: جماعة العدل والإحسان، الضاغطة بقوة لحماية مصالح أعضاء الجماعة والتابعين الاجتماعية والمادية بدرجة أولى، ولا تحظر فيها السياسة إلا للتذكير بالزهد فيها أو استعراض القوة في كل مناسبة شعبية. الجبهة الثانية تمثلها فصائل حزب العدالة والتنمية، صاحب المشروع السياسي الديني، بينهما برزخ لا يبغيان، يحاول خلط الخصوصية المغربية الدينية بتوابل دين مستوردة ، بهدف خلق منافسة دينية، جوهرها ابتزاز سياسي. نجحت التيارات الإسلامية في استقطاب شرائح واسعة في أوضاع هشة، على كل المستويات، مستغلة عدم اهتمام الدولة بأوضاعهم وطرحت جمعياتها ومبادراتها، بديلا للدولة الاجتماعية التي فشلت الدولة في إرساء بعض قواعدها ، بل إن هذه الأخيرة عملت على تكريس نظام ليبرالي متوحش تؤكده المواقع التي يحتلها المغرب على درجات سلم التنمية البشرية العالمي والفوارق الطبقية الفاحشة وكذلك الفجوة الصارخة بين ما تعرفه البلاد من تنمية حضرية وعلى مستوى البنيات التحتية بالمقارنة مع ما تعيشه الطبقات الشعبية من حرمان ومن فقر وحاجة.
استشعارا للخطر القادم وبالنظر للقوة التنظيمية الكبيرة للحزب الإسلاموي والجماعات الدعوية المساندة له، وكذلك نجاحه في إغراء جماعات يسارية تقليدية بمكاسب مادية  وسياسية وبتوفيره لها فرصة للانتقام من نظام سياسي نكل بها وأذاقها العذاب في "زمن الرصاص"، كان لزاما على الدولة العميقة التفكير في خلق المناخ السياسي الذي من شأنه حصر المد وتصريف الاحتقان عبر قنوات رديفة تكون في مستوى المواجهة فكريا وسياسيا ولها من المشروعية الشعبية ما يجعلها قادرة على المنافسة في بلورة مشروع مجتمعي، سياسي.
من هذه المنطلقات وغيرها، بدون شك، تشكلت"حركة لكل الديمقراطيين" سنة 2008 تحت إشراف رجل الدولة القوي فؤاد عالي الهمة ، من نخبة من أشخاص من كل المشارب ، من جيله ومن جيل الملك الشاب محمد السادس. تشكلت الفرقة الخاصة بالمهمة الصعبة الجديدة في العهد الجديد، لكن شاء مكر التاريخ أن تهب رياح الفوضى العاصفة على بلدان العالم العربي وفشلت حركة لكل الديمقراطيين في احتواء الحراك في المغرب، في حين نجحت الجبهة الأخرى في الظهور بمظهر الماسك بزمام المبادرة وقدمت نفسها بمثابة صمام الأمان والقادرة على تهدئة الوضع وامتصاص الغضب وتجنيب الدولة المغربية أحداثا هي في غنى عنها، داخليا وجيوسياسيا.
في خضم الأحداث جاء الخطاب الملكي بمضامينه المتقدمة معلنا عن طرح دستور جديد ، سحب البساط من تحت أرجل الجميع، من مزايدين ومغامرين سياسيين إسلاميين ويساريين وكثير من الشعبويين الذين لازال بإمكانهم دغدغة العواطف والمشاعر.
غابت حركة لكل الديمقراطيين في الميدان لكنها حظرت في الكواليس للتحظير للمرحلة الموالية وتحولت لحزب سياسي"الأصالة والمعاصرة" بتكليف بمهمة قطع طريق الحكم على الإسلاميين وتقليم أظافر أحزاب الكتلة الديمقراطية وقوى اليسار ومهام أخرى أهم وأكبر وهي منع أي تقارب أو تلاحم بين القوى السياسية ذات التوجه الفكري المعارض للنظام السياسي .3

نخب تعمل تحت الضغط والطلب
التيه السياسي
عندما يتبلور مشروع مجتمعي لدى جماعة وازنة من المواطنين، من خلال جمعية، وتصبح الحاجة إلى خلق إطار أوسع واكثر قدرة على استيعاب المشروع والطموحات وقادر على خلق ديناميكية تخلخل البنيات التقليدية وتهيء الضمير الجمعي لوعي سياسي جديد ولممارسة سياسية جديدة، تتحول الجمعية، علنا، إلى حزب سياسي، وقد يأخذ هذا التحول بعض الوقت ويرتبط بفترة إعداد وتربص وتحين الفرصة واللحظة السياسية المناسبة. يمكن لمثل هذه الولادات والتأسيسات أن تشكل خطرا على السياسة وعلى مصداقية العمل السياسي وتساهم في إفراغه من مضامينه الأخلاقية وجوهره المرتبط بنضج الشروط الموضوعية والذاتية التي تحدد وجوده وغاياته.
علاقة الجمعوي بالسياسي في المغرب علاقة ملتبسة ومتشابكة يصعب فصلها عن بعضها البعض، وبالتالي يصعب تحديد مساحاتها ووضع حدود واضحة المعالم لها.
الجمعيات تخلق الأحزاب وهذه الأخيرة تصنع الجمعيات، والصراع محموم على الثروة والسلطة، أما المشاريع السياسية والسوسيواقتصادية الحيوية فإنها تظل حبيسة أسوار الدولة، في مبادرات تنموية وصناديق سيادية تظهر وتختفي بحسب الحاجة السياسية، قبل أي شيء آخر، من أجل بث بعض الروح في بعض المؤسسات أو بهدف تسويق تصور أو برنامج أو مشروع أو من أجل تصفية تركة سياسية لم تعد صالحة أو لم يعد مرغوبا فيها أو ثبت إفلاسها. 
بإلقاء نظرة سريعة على التاريخ القريب، منذ ظهور الأحزاب والجمعيات، نلاحظ بأن كل المبادرات، وعلى الخصوص تلك التي تمت في فترة الاستعمار وخلال السنوات الأولى للاستقلال، ارتبطت بالتربية والثقافة وبالرياضة. لاحقا شعرت الدولة المغربية بأهمية العمل الجمعوي والتنظيمات الجمعوية ودورها الكبير والخطير في تكوين وتأطير ورفع مستوى وعي المواطنين، الشباب منهم على الخصوص، فانخرطت على كل المستويات من أجل احتواءه وتأطيره قانونيا(ظهير الحريات سنة 1958 ).
مهما حضرت من عناصر أخرى لن تجدي في طمس العامل العاطفي المركزي، العائلة والقبيلة على رأسها، في تحديد هوية وهدف ونظام أي جمعية في البلاد، في الوقت الراهن، في مقابل العامل العاطفي الوطني في فترة الاستعمار وسنوات بداية الاستقلال.
في هذا الإطار تفرض بعض الجمعيات نفسها ولا يستقيم الخوض في العمل الجمعوي بدون استحضارها وأدوارها الطلائعية. لقد كان لمنطقة النفوذ الإسباني في شمال المغرب دور السبق في ظهورالجمعيات ، مثل جمعية المغرب سنة 1918 بمدينة طنجة وجمعية الهلال سنة 1926 بطنجة كذلك ، لكن الأكثر قوة وإشعاعا ظهرت في المنطقة الخاضعة للاستعمار الفرنسي، جمعية الكشفية الحسنية سنة 1933، الاتحاد الرياضي الرباطي سنة  1932 ، فريق الوداد البيضاوي سنة 1937 ، الجمعية المغربية لتربية الشبيبة سنة 1956 ، حركة الطفولة الشعبية سنة 1956، جمعية التربية والتخييم سنة 1964، وتوالت الجمعيات في ميادين مختلفة إلى أن وصلت إلى الوضع الذي نحن عليه اليوم .جمعيات في خدمة أشخاص وفي خدمة أحزاب وخدمة أجندات سياسية للدولة وحتى لجهات أخرى .
 عملت الدولة على خلق جمعيات وطنية وجهوية، اعتقدت بأن وضع شخصيات بارزة على رأسها، من الأعيان والوجهاء وخدام المخزن، سيخلق الوهج الذي يجذب نخب الطبقة المتوسطة بالخصوص، تجسدها فئات الموظفين والتجار وبعض الملاكين باعتبارهم مؤهلين ماديا وفكريا وأخلاقيا للمساعدة على إحكام السيطرة على مصادر السلطة والإمساك بخيوط التحكم في تسيير الشأن العام المحلي والوطني وتسهيل مأمورية الطبقة الحاكمة والدولة ولكي تصبح جزءا من العملية السياسية ومن نظام الحكم السياسي ككل.
لم تستجب هذه الأدوات للتوجه العام للدولة ولم تسع مخططاتها، فبدأ التفكير الجدي في خلق أدوات جديدة تستجيب لمطلب التشاركية، هذا المفهوم الذي أصبح لصيقا بمفهوم الديمقراطية ويحفظ ماء وجه بعض التيارات والأصوات التي طال جلوسها في قاعة الانتظار وفشلت في الحصول على مناصب من مواقعها السياسية التقليدية و الحزبية.
انطلقت المناورات  من أجل تهميش الأحزاب والنقابات  وتبخيس أدوارها من اجل فتح الممرات السياسية الآمنة لحركات جديدة اقتحمت الساحة السياسية  بقوة وبعنف وكسرت  قواعد كثيرة للعمل السياسي التقليدي الذي اعتمد بعض التقاطب في ممارسته العلنية، على الأقل. ظهرت حركات قدمت نفسها بديلا سياسيا يستجيب لتطورات العصر ولانتظارات الليبرالية والديمقراطية والدولة الاجتماعية. يمكن اعتبار "حركة لكل الديمقراطيين" نمودجا صارخا ، معبرا عن التوجه الجديد لدولة العهد الجديد في محاولة معالجة الانحباس السياسي والركوض، على كل المستويات. هذا الركوض الذي قارب سكتة بداية سنوات التسعينيات من القرن الماضي، كما عبر عن ذلك الملك الحسن الثاني رحمه الله.
لم تتشكل هذه الحركة من رحم الشعب، لكنها وجدت من أجل منعه من التمكن من زمام المبادرة ومنع الأجنة التي بدأت تتشكل بين الضلوع من اكتمال نموها وخروجها إلى الحياة وإلى معترك الصراع السياسي. ليس أسهل من عملية قيصرية ووضع الجنين في حاضنة المخزن والاطمئنان بشكل تام على مراحل نموه وتهييئه لمهام حماية العقد الاجتماعي والديني والسياسي من الانفراط.
تحت شعار "ممارسة السياسة بشكل مغاير" دخلت "حركة لكل الديمقراطيين" معترك الحياة السياسية من الباب الواسع وعملت على إفراغ الأحزاب والجمعيات والجماعات من نخبها وطرحت نفسها بديلا وفضاءا ديمقراطيا حالما وأداة مثالية لامتصاص الغضب الشعبي والصدمات، ثم خلقت"بام" حزب الأصالة والمعاصرة، وفي أرض أحزاب المغرب العريضة الواسعة زرعت بذورها لتجني في مواسم الحصاد السياسي، ما شاء الله من ريع ومن غنيمة.
هل نجحت حركة لكل الديمقراطيين في جعل شعارها "ممارسة السياسة بشكل مغاير" واقعا ملموسا ؟
الممارسة تتطلب أدوات فكرية وعقدية  وتنظيمية وتواصلية قادرة على نسج علاقات عريضة، متطورة مع كل فئات الشعب، وليس خطابات موسمية وفي مناسبات ، تحت الطلب، كلما دعت الحاجة والضرورة إليها. الديمقراطية ليست شعارا يرفع لتزيين واجهات البنايات والمؤسسات السياسية أو من أجل الاستهلاك الخطابي الإعلامي الداخلي والخارجي، حتى والدستور يتضمنها ويعلن التزامه بحمايتها وتطويرها فهي تبقى في حاجة لمن يخرجها إلى الفضاء العام، في حاجة لمن يحررها. الديمقراطية ممارسة عن قناعة، سلوك فردي وجماعي ومؤسساتي من إيمان عميق بسمو وسيادة القانون في دولة الحق والمؤسسات وبحق الإنسان في الاستفادة والتمتع بخيرات وثروات بلاده والعيش فيها، وحيثما وجد في هذا الكون، بكرامة.
ليس خافيا ولا خفيا كون نشأة "حركة لكل الديمقراطيين" مرتبطة في جزء كبير منها بالغزو والمد الإسلاموي والطموح الزائد للمبشرين به والحاملين للواءه، المتمثلين بالأساس في الجبهتين: جماعة العدل والإحسان، الضاغطة بقوة لحماية مصالح أعضاء الجماعة والتابعين الاجتماعية والمادية بدرجة أولى، ولا تحظر فيها السياسة إلا للتذكير بالزهد فيها أو استعراض القوة في كل مناسبة شعبية. الجبهة الثانية تمثلها فصائل حزب العدالة والتنمية، صاحب المشروع السياسي الديني، بينهما برزخ لا يبغيان، يحاول خلط الخصوصية المغربية الدينية بتوابل دين مستوردة ، بهدف خلق منافسة دينية، جوهرها ابتزاز سياسي. نجحت التيارات الإسلامية في استقطاب شرائح واسعة في أوضاع هشة، على كل المستويات، مستغلة عدم اهتمام الدولة بأوضاعهم وطرحت جمعياتها ومبادراتها، بديلا للدولة الاجتماعية التي فشلت الدولة في إرساء بعض قواعدها ، بل إن هذه الأخيرة عملت على تكريس نظام ليبرالي متوحش تؤكده المواقع التي يحتلها المغرب على درجات سلم التنمية البشرية العالمي والفوارق الطبقية الفاحشة وكذلك الفجوة الصارخة بين ما تعرفه البلاد من تنمية حضرية وعلى مستوى البنيات التحتية بالمقارنة مع ما تعيشه الطبقات الشعبية من حرمان ومن فقر وحاجة.
استشعارا للخطر القادم وبالنظر للقوة التنظيمية الكبيرة للحزب الإسلاموي والجماعات الدعوية المساندة له، وكذلك نجاحه في إغراء جماعات يسارية تقليدية بمكاسب مادية  وسياسية وبتوفيره لها فرصة للانتقام من نظام سياسي نكل بها وأذاقها العذاب في "زمن الرصاص"، كان لزاما على الدولة العميقة التفكير في خلق المناخ السياسي الذي من شأنه حصر المد وتصريف الاحتقان عبر قنوات رديفة تكون في مستوى المواجهة فكريا وسياسيا ولها من المشروعية الشعبية ما يجعلها قادرة على المنافسة في بلورة مشروع مجتمعي، سياسي.
من هذه المنطلقات وغيرها، بدون شك، تشكلت"حركة لكل الديمقراطيين" سنة 2008 تحت إشراف رجل الدولة القوي فؤاد عالي الهمة ، من نخبة من أشخاص من كل المشارب ، من جيله ومن جيل الملك الشاب محمد السادس. تشكلت الفرقة الخاصة بالمهمة الصعبة الجديدة في العهد الجديد، لكن شاء مكر التاريخ أن تهب رياح الفوضى العاصفة على بلدان العالم العربي وفشلت حركة لكل الديمقراطيين في احتواء الحراك في المغرب، في حين نجحت الجبهة الأخرى في الظهور بمظهر الماسك بزمام المبادرة وقدمت نفسها بمثابة صمام الأمان والقادرة على تهدئة الوضع وامتصاص الغضب وتجنيب الدولة المغربية أحداثا هي في غنى عنها، داخليا وجيوسياسيا.
في خضم الأحداث جاء الخطاب الملكي بمضامينه المتقدمة معلنا عن طرح دستور جديد ، سحب البساط من تحت أرجل الجميع، من مزايدين ومغامرين سياسيين إسلاميين ويساريين وكثير من الشعبويين الذين لازال بإمكانهم دغدغة العواطف والمشاعر.
غابت حركة لكل الديمقراطيين في الميدان لكنها حظرت في الكواليس للتحظير للمرحلة الموالية وتحولت لحزب سياسي"الأصالة والمعاصرة" بتكليف بمهمة قطع طريق الحكم على الإسلاميين وتقليم أظافر أحزاب الكتلة الديمقراطية وقوى اليسار ومهام أخرى أهم وأكبر وهي منع أي تقارب أو تلاحم بين القوى السياسية ذات التوجه الفكري المعارض للنظام السياسي .