في مغرب اليوم، يتجرأ البعض على استدعاء مفردة "اليسار" كأنها ما زالت تملك سحرها القديم، بينما الواقع يكشف أننا أمام فراغ رهيب في المعنى والممارسة. لم يعد اليسار سوى شعار مُعلّب، كلمة فقدت روحها بعدما انسلخت عن جذورها الاجتماعية والتاريخية، وصارت تُستعمل لتلميع صور حزبية شاخت وتآكلت تحت وطأة مصالحها الخاصة. كيف يمكن الحديث عن يسار حقيقي في ظل لوبيات سياسية تمسك بمفاصل القرار، وتعيد إنتاج الثنائية القطبية المصطنعة: معارضة شكلية وموالاة متحكمة؟ إننا لسنا أمام جدلية سياسية حقيقية، بل أمام مسرح يُدار وفق سيناريوهات محكمة، حيث الأحزاب القديمة لم تعد سوى ديكور يبرّر استمرار الوضع.
الأحزاب الوطنية التي صيغت ذات يوم في نار المقاومة الفكرية والسياسية ضد الاستبداد والاستعمار، تحوّلت اليوم إلى أدوات لترويض الشارع، لا إلى منابر لإيقاظه. الاتحاد الاشتراكي مثلاً، الذي كان يوماً ضميراً يسارياً، أصبح كياناً مُنهكاً يجر وراءه تاريخاً مجيداً لكنه عاجز عن إنتاج بديل أو حتى خطاب يتجاوز الماضي. تلك الأحزاب التي ادّعت يوماً تمثيل الطبقات الشعبية صارت اليوم جزءاً من "طبقة سياسية" معزولة، نخبوية، بيروقراطية، تنام على أمجادها وتعيش على ريعها، كأنها وُجدت فقط لتُبرّر موت السياسة في المغرب.
إن أكبر مأساة في التجربة السياسية المغربية تكمن في هذا التواطؤ بين "معارضة" لم تعد تعارض، و"موالاة" لم تعد تخفي وجهها الحقيقي، لأن الطرفين يشتغلان معاً كأدوات في خدمة نفس المنظومة. المعارضة الوطنية صارت قدحاً في ذاتها، لا لأنها ضعيفة فحسب، بل لأنها ارتضت أن تتحول إلى نسخة باهتة من خصومها، تتغذى على خطابات قديمة فقدت شرعيتها. لقد اختفى البعد الفلسفي والفكري لليسار، وحل محله براغماتية رخوة لا تجرؤ على مواجهة السلطة، ولا تجرؤ حتى على مواجهة ذاتها.
وفي المقابل، المجتمع المغربي، خاصة شبابه، صار ينظر إلى السياسة بمنظار الريبة أو اللامبالاة، بعدما لمس أن لا فرق جوهري بين الموالاة والمعارضة، وأن الانتخابات لا تغيّر في العمق موازين القوة. العزوف الانتخابي، ارتفاع نسب المقاطعة، وتصاعد الاحتجاجات غير المؤطرة، كلها علامات على نهاية الثقة بين الشعب والنظام الحزبي.
في العمق، نحن أمام أزمة هوية سياسية: هل يمكن لليسار أن يستعيد معناه تحت هذه الوصاية المزدوجة للوبيات المصالح وثنائية القرار المغلقة؟ هل يمكن للحزب الذي وُلد ليكون صوت المستضعفين أن يستمر وهو اليوم غارق في مكاتب مكيفة، منغمس في حسابات انتخابية عقيمة؟ السياسة في المغرب تحولت إلى إدارة أزمة لا إلى صناعة أفق. اليسار أصبح مجرد ذاكرة باهتة، يلوّح بها من يملك خطاباً قديماً، دون أن يملك مشروعاً جديداً.
النتيجة أننا أمام مغرب تنهشه أحزاب فقدت وظيفتها التاريخية، أحزاب لم تعد قادرة على إنتاج أمل ولا حتى على إنتاج خطاب مقاوم. لقد تآكلت القيم، وتحوّلت المعارضة إلى مجرد ترديد لشعارات لم يعد يصدقها حتى من يرفعها. السياسة صارت شكلاً بلا مضمون، واليسار لم يعد سوى قناع لوجوه تائهة تبحث عن شرعية ضائعة. وفي هذا السياق، ينهض سؤال قاسٍ: هل نحن بحاجة فعلاً إلى "يسار" جديد، أم أننا بحاجة إلى ولادة فكر سياسي آخر، خارج هذه الثنائية العمياء، يملك الجرأة على تمزيق الستار الذي يخفي حقيقة المغرب؟
هذا هو الجرح الحقيقي: اننا لسنا في حاجة إلى يسارٍ ولا يمين ولا لمن يتحدث باسمه من استهلكيه، بل إلى فعلٍ سياسي جديد يحرر المغرب من لعبة الموالاة والمعارضة الفارغة و الانحيازات و "التخلويض" كما تقول بالعامية ووو ...
السياسة للاسف لم تعد سوى عملة وجهين لعملة واحدة...
السياسة للاسف لم تعد سوى عملة وجهين لعملة واحدة...
