في زمنٍ تعالت فيه الضوضاء وتداخلت فيه الأصوات، أصبح من الضروري أن يظهر المثقف الذي لا يكتفي بجمع المعارف أو تداول المصطلحات، بل يتجاوز ذلك إلى حمل مسؤولية مجتمعه، والإسهام في توجيه بوصلته وسط تحولات متسارعة ومتشابكة. لم يعد المثقف اليوم مجرّد شاهد على العصر، بل أصبح مدعوًّا لأن يكون فاعلًا فيه، ومشاركًا في صياغة مستقبله.
صوت وأصداء
ثمة فرق جوهري بين من يستمد وعيه من أعماق بيئته، ومن يستهلك فكرًا غريبًا عنه دون تمحيص. فالمثقف الأصيل لا ينسلخ عن محيطه، بل ينهل من ماضيه، ويقرأ حاضره، ليبني رؤى للمستقبل تنبع من واقعه، لا مما يُملى عليه. أما المقلد، فهو من يردد خطابًا مستوردًا، يعجز عن تمثّل روحه أو إدراك سياقه، فيغدو تابعًا في الفكر كما في الموقف.
إن التبعية الثقافية ليست مجرد اختيار، بل قد تتحول إلى قطيعة مع الذات، وفقدان للهوية.
وعي المرحلة
في مجتمعات تواجه تحديات داخلية وخارجية، يصبح دور المثقف محوريًّا في تفكيك الخطابات المتكلسة، والمساهمة في بلورة وعي جديد ينسجم مع القيم الراسخة والتحولات المعاصرة. مسؤوليته ليست نظرية فقط، بل تتطلب جرأة في الموقف، واستعدادًا لطرح الأسئلة الصعبة، ومواجهة النماذج الجاهزة التي لا تلائم السياق المحلي.
إن المثقف الحقيقي لا يكتفي بالتحليل، بل يحرّك الساكن، ويدفع نحو البناء، لا الهدم.
بريق وجذور
كثيرًا ما يُؤخذ أبناء المجتمعات الناهضة ببريق النموذج الخارجي، فيقعون في فخ الانبهار دون مساءلة. غير أن الثقافة ليست بضاعة قابلة للتصدير والاستهلاك، بل منظومة حيّة تنمو من رحم المجتمع ذاته، وتتغذى من تاريخه وتجربته وخصوصياته.
المثقف الحصيف لا يرفض الخارج رفضًا مطلقًا، ولا يقبله بلا تمييز، بل يعيد تشكيله بما يتناسب مع حاجاته وسياقه. هو جسر واعٍ لا ناقل أعمى.
رفيق لا وصيّ
ليس المثقف خطيبًا مفوّهًا يعلو على الناس، بل هو فرد منهم، يعيش واقعهم، ويُعبّر عنهم، ويستمع إليهم قبل أن يُملي عليهم. المجتمع في حاجة إلى من يحاور همومه، لا من يعظّه من برجٍ عاجي. والمثقف بدوره يحتاج إلى نبض الشارع، ليظل فكره حيًّا ومعاشًا، لا حبيس التنظير.
حين يغيب هذا التفاعل، يتحول المجتمع إلى جمهور مُنقاد، والمثقف إلى صدى أجوف.
غياب الحضور
الصمت في لحظات التحوّل ليس حيادًا، بل تقصير. والمثقف المتخاذل، الذي يساير الموجة، أو يصمت عن الزيف، لا يختلف كثيرًا عن من يروج له. مسؤولية الفكر ليست في تقديم أجوبة جاهزة، بل في إثارة الأسئلة الصحيحة، وفي الحفاظ على مسافة نقدية تُمكّنه من الإشارة إلى مواضع الخلل بوضوح وشجاعة.
فالصراع اليوم لم يعد بين المعرفة والجهل، بل بين الوعي والتزييف.
اختبار الوعي
تواجه المجتمعات اليوم امتحانًا صعبًا في الحفاظ على توازنها بين الأصالة والانفتاح، بين الحداثة والخصوصية. وفي قلب هذا الامتحان، يقف المثقف أمام خيارين: أن يكون صوتًا حرًّا، يعبّر عن هموم مجتمعه وتطلعاته، أو أن يتحول إلى مُنتج ثقافي مأجور، يكرّر ما يُطلب منه، ويبرر ما لا يُبرر.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
• هل لا يزال للمثقف دور في زمن الصورة والتدفق الإعلامي؟
• هل يستطيع أن يحافظ على استقلاليته وسط الضغوط المتزايدة؟
• وهل اختار أن يكون مرآة للواقع، أم مجرد انعكاس لما يُراد له أن يكون؟
• هل لا يزال للمثقف دور في زمن الصورة والتدفق الإعلامي؟
• هل يستطيع أن يحافظ على استقلاليته وسط الضغوط المتزايدة؟
• وهل اختار أن يكون مرآة للواقع، أم مجرد انعكاس لما يُراد له أن يكون؟
أسئلة لا تبحث عن إجابات سريعة، بل عن وقفة صادقة مع الذات، وجرأة في الاختيار.
