الخميس 13 يونيو 2024
كتاب الرأي

عبد الرحيم الرماح: دور الحوار الاجتماعي في تحقيق السلم الاجتماعي والتنمية الاقتصادية

 
 
عبد الرحيم الرماح: دور الحوار الاجتماعي في تحقيق السلم الاجتماعي والتنمية الاقتصادية عبد الرحيم الرماح
خلال جميع المراحل الماضية ظل الحوار الاجتماعي بالمغرب يلعب دورا أساسيا على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وبعد مرور سنتين ونصف على تنصيب الحكومة الحالية وأمام طبيعة المرحلة الراهنة ودقتها والتي تتطلب استثمار هذه الإمكانية لما لها من أهمية ، ذلك انه لا يمكن تحقيق أي تقدم دون ذلك، وفي هذا الإطار نظم المنتدى المغربي للتنمية الاجتماعية ندوة بعنوان : الحوار الاجتماعي والقضايا المطروحة، ساهم في تأطيرها كل من الدكتور يونس الحكيم أستاذ القانون الخاص بكلية العلوم القانونية والاجتماعية بفاس، والذي قدم عرضا بعنوان : مخرجات الحوار الاجتماعي 2024 : المكتسبات والرهانات، والدكتور محمد السباعي دكتور في العلوم القانونية والسياسية والذي قدم عرضا بعنوان : آليات تقوية الحوار الاجتماعي لتعزيز مناخ الاستقرار والعدالة الاجتماعية، والأستاذ عبد الرحيم الصقلي الحسيني رئيس دائرة الشغل بفاس والذي قدم عرضا بعنوان : مدونة الشغل بين الدعوة للتطبيق والحاجة للتعديل، وبدوري ساهمت بعرض بعنوان :"دور الحوار الاجتماعي في تحقيق السلم الاجتماعي والتنمية الاقتصادية " من خلال محورين :
 
المحور الأول : المراحل التي مر منها الحوار الاجتماعي في المغرب منذ بدايته
المحور الثاني : المرحلة الحالية منذ توقيع اتفاق وميثاق 30 أبريل 2022
المحور الاول المراحل التي مر منها الحوار الاجتماعي في المغرب منذ بداته
 
من أجل الحديث عن الحوار الاجتماعي بالمغرب لا بد من الرجوع إلى مسار الحركة النقابية منذ نشأتها إلى الآن، وما عرفته من حالات مد وجزر والتي تقسم إلى ثمان مراحل ألخصها وفق ما يلي :
 
1- مرحلة الاستعمار الفرنسي :
نشأت الحركة النقابية بالمغرب في مرحلة الاستعمار الفرنسي من طرف العمال الفرنسيين، ثم التحقت بها الحركة النقابية المغربية وبعد سلسلة طويلة من المحطات من أهمها ما عرفته في المراحل الأخيرة انتفاضة 8 دجنبر 1952 على إثر اغتيال الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد وتأسيس الاتحاد المغربي للشغل في 20 مارس 1955، وخلال هذه المرحلة تم إصدار العديد من النصوص القانونية ومنها ظهير 19 يناير 1946 حول المصالحة والتحكيم والذي له علاقة بموضوع الحوار الاجتماعي وقد لعبت الحركة الوطنية دورا كبيرا خلال هذه المرحلة.
 
2- مرحلة بداية الاستقلال 1956-1960 :
عرفت مرحلة بداية الاستقلال 1956-1960 دينامية كبيرة من المبادرات حول الأوضاع المهنية والاجتماعية والاقتصادية بحكم طبيعة المرحلة ودقتها أدت إلى توسع كبير في عدد المنخرطين في العمل النقابي وإصدار عدد كبير من النصوص القانونية وإبرام العديد من الاتفاقيات الجماعية، ويعود الفضل في ذلك إلى وحدة المواقف بين الحركة النقابية والقوى السياسية الوطنية والتقدمية.
 
3- مرحلة 1960-1975 :
عرفت المرحلة الممتدة من 1960 إلى 1975 فك الارتباط بين الحركة النقابية والقوى السياسية التقدمية والتضييق على الحق النقابي والقمع والمحاكمات مما أدى إلى التراجع في عدد المنخرطين في العمل النقابي وهو ما يتضح حسب ما جاء في كتاب التطور السياسي للحركة النقابية بالمغرب للأستاذ عبد اللطيف المنوني والذي جاء فيه أن عدد المنخرطين في الاتحاد المغربي للشغل كان كما يلي :
 
سنة 1957 نجد 600 ألف عضو
سنة 1959 نجد 650 ألف عضو
سنة 1960 نجد 400 ألف عضو
سنة 1963 نجد 300 ألف عضو
سنة 1970 نجد 200 ألف عضو
سنة 1975 نجد 200 ألف عضو
 
4- مرحلة 1975-1978 :
عرفت سنة 1975 ثلاث أحداث كبرى تمثلت في انعقاد المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في شهر يناير 1975 وإعلان المسيرة الخضراء من طرف جلالة الملك الحسن الثاني يوم 16 أكتوبر 1975 واغتيال الشهيد عمر بنجلون في 18 دجنبر 1975 والذي قام بدور كبير على المستوى النقابي والسياسي، والذي كان يحظى بتعاطف واسع من طرف الطبقة العاملة والفئات الشعبية والمثقفين ويتضح ذلك من خلال نسبة القراء بجريدة المحرر الذي كان يشغل مديرها آنذاك، والتي كانت تقوم بدور كبير في التوعية وتثقيف الطبقة العاملة وباقي الفئات الشعبية، كما عرفت هذه المرحلة تنظيم الانتخابات الجماعية سنة 1976 والبرلمانية سنة 1977 والتي كان لها دور كبير في اتساع النقاش الفكري والسياسي مما أدى إلى ارتفاع عدد المنخرطين في العمل النقابي، وبالرجوع إلى ما عرفته مدينة فاس على سبيل المثال نجد أن نسبة كبيرة من العمال التحقوا بالعمل النقابي في إطار الاتحاد المغربي للشغل بما في ذلك عمال المعامل الصناعية الكبرى وقد امتد ذلك إلى باقي القطاعات بما فيها صناعة الأحذية والأواني الفضية والنحاسية وعمال الأفرنة التقليدية وغيرهم، وبالنسبة للقطاع العام تم تأسيس عدة نقابات وطنية بالإضافة إلى النقابة الوطنية للبريد والنقابة الوطنية للتعليم ثم انعقاد المؤتمر التأسيسي للكونفيدرالية الديمقراطية للشغل في شهر نونبر 1978 كما عرفت هذه المرحلة انعقاد المؤتمر التأسيسي للنقابة الوطنية للتجار الصغار والمتوسطين في نفس السنة 1978 بالدار البيضاء، ثم إعادة الشرعية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب بانعقاد المؤتمر 16 والذي تم في الفترة ما بين 31 غشت إلى 6 شتنبر 1979 بكلية العلوم بالرباط وقد تطلب وقتا طويلا للتحضير بسبب طبيعة القطاع والظرفية التي انعقد فيها.
 
5- مرحلة 1979-1990 :
عرفت المرحلة الممتدة من 1979 إلى 1990 العديد من الخطوات النضالية والتي ووجهت بمسلسل من القمع والتضييق على الحق النقابي وعلى الحريات العامة من خلال الاعتقالات والمحاكمات وقد استمر هذا الوضع إلى نهاية الثمانينيات، مع بداية 1979 تم المرور إلى خوض سلسلة من الإضرابات ومنها الإضراب العام ليوم الأرض 30 مارس 1979 تضامنا مع الشعب الفلسطيني، ثم إضرابات 10-11 أبريل 1979 ثم الإضراب العام 20 يونيو 1981، وقد ووجه هذا المسلسل من القمع والتضييق على الحريات النقابية أدى إلى تراجع عدد المنخرطين في العمل النقابي وإجهاض كل المجهودات التي بدلت رغم أن ذلك لم يكن له أي مبرر، وطيلة هذه المرحلة ظلت تعرف احتفالات أعياد الشغل فاتح ماي تعاطفا الكبيرا للطلبة وباقي الفئات الشعبية التي كانت تحضر بقوة في هذه الاحتفالات.
 
6- مرحلة 1990-2011 :
عرفت هذه المرحلة من 1990 إلى 2011 العديد من الخطوات النضالية أهمها خوض الإضراب العام ل 14 دجنبر 1990 بتنسيق بين الكونفيدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب إلى إحداث قفزة نوعية في المجال النقابي والسياسي، وفي الخامس من يونيو 1996 تم خوض إضراب عام ثاني أدى إلى إحداث قفزة أخرى جاء بعدها التوقيع على التصريح المشترك لفاتح غشت 1996 في مرحلة حكومة عبد اللطيف الفيلالي الثانية، وفي مرحلة حكومة السي عبد الرحمان اليوسفي تم توقيع اتفاق 23 أبريل 2000 (19 محرم 1421)، وفي مرحلة حكومة السي ادريس جطو توقيع اتفاق 30 أبريل 2003، وخلال نفس المرحلة تم توقيع محضر 28 يناير 2004 في إطار تفعيل اتفاق 30 أبريل 2003، وفي مرحلة حكومة السي عباس الفاسي تم إبرام اتفاق 26 أبريل 2011 والذي تطلب مجهودات كبيرة أمام الصعوبات التي عرفتها هذه المرحلة ولم يتم التغلب عليها إلا بعد احتجاجات 20 فبراير.
 
7- مرحلة 2012-2021 :
وكان يجب أن تتطور الأوضاع نحو الأفضل بعد الاستفتاء على دستور فاتح يوليوز 2011 غير أنه وقع عكس ذلك حيث عرفت فترة حكومة عبد الإله بنكيران 2012-2017 عدة محطات ومنها عقد عدة لقاءات للتنسيق تميزت بنقاشات طويلة وعميقة حول تاريخ الحركة النقابية وأهمية توحيد العمل النقابي بين المركزيات النقابية الاتحاد المغربي للشغل والكونفيدرالية الديمقراطية للشغل والفيدرالية الديمقراطية للشغل، ثم التحقت فيما بعد الاتحاد العام للشغالين بالمغرب نتج عنها تنظيم مسيرة الكرامة يوم 27 ماي 2012 ثم خوض الإضراب العام لـ 29 أكتوبر 2014 وقد عرفت هذه الفترة تراجع وثيرة الخطوات التي كان يسير بها الحوار الاجتماعي حيث لم يتم إبرام اتفاق اجتماعي، كما عرفت هذه الفترة مصادقة البرلمان على تعديل نظام المعاشات المدنية والذي كان بالإمكان رفضه بمجلس المستشارين لو تم التنسيق بين النقابات والمعارضة كما عرفت بداية العمل بالتعاقد في قطاع التعليم مما أدى فيما بعد إلى توتر الأجواء الاجتماعية.
 
- الفترة من 2017-2021 :
وقد عرفت فترة حكومة سعد الدين العثماني القيام بعدة خطوات أدت إلى إبرام اتفاق 25 أبريل 2019 وكان بالإمكان بدل مجهود أكبر من أجل أن يتم توقيعه من طرف جميع النقابات حيث لم يتم توقيعه من طرف الكونفيدرالية الديمقراطية للشغل كما لم يتم تفعيل اللجان الموضوعاتية رغم أهميتها، كما عرفت عقد اجتماعات مكثفة من أجل مراجعة نظام الوظيفة العمومية غير انه لم يتم التوصل فيها إلى نتائج .
 
- المحور الثاني : المرحلة الحالية منذ توقيع اتفاق وميثاق 30 أبريل 2022
ومباشرة بعد تنصيب حكومة السي عزيز أخنوش تم توقيع اتفاق 30 أبريل 2022 غير أنه لم يتم الإسراع بتنفيذ ما تضمنه هذا الاتفاق مما أدى إلى توثير الأجواء الاجتماعية حيث تم خوض عدة إضرابات في قطاع الوظيفة العمومية وبالأخص قطاع التعليم والصحة وغيرها، ومع نهاية شهر مارس وأبريل تم عقد عدة اجتماعات بين الحكومة والمركزيات النقابية والاتحاد العام لمقاولات المغرب أسفرت على توقيع اتفاق 29 أبريل 2024 والذي نص على:
 
الزيادة في الأجور بمقدار 1000 درهم في الشهر بالنسبة للموظفين على مرحلتين الأولى ابتداء من فاتح يوليوز 2024 والثانية ابتداء فاتح يوليوز 2025 و10% في الحد الأدنى القانوني للأجر بالنسبة للقطاع الخاص على دفعتين 5% مع بداية شهر يناير 2025 و5% مع بداية شهر يناير 2026 ومراجعة نظام الضريبة على الدخل ابتداء من فاتح يناير 2025، كما تم الاتفاق على القيام ببعض الخطوات وفق مقاربة تشاركية حول إصلاح منظومة التقاعد والقانون التنظيمي المتعلق بكيفية وممارسة حق الإضراب خلال سنة 2024 وعلى المراجعة التدريجية لبعض مقتضيات مدونة الشغل ومراجعة الإطار القانوني للتكوين المهني ومراجعة التدابير القانونية المتعلقة بالانتخابات المهنية.
ومن أجل الإسراع بإيجاد حلول للقضايا المطروحة يمكن القيام بالخطوات التالية:
1- إعمال الحوار وفق منظور شمولي من خلال :
- تفعيل وتقوية اللجنة العليا للحوار القطاعي
- تفعيل وتقوية الحوار الثلاثي الأطراف
- تفعيل وتقوية الحوار بقطاعات الوظيفة العمومية
- تفعيل وتقوية الحوار على مستوى الجهة أو الإقليم
- تفعيل وتقوية الحوار على مستوى القطاعات المهنية مع تقوية دور اتفاقيات الشغل الجماعية
- تفعيل وتقوية لجان البحث والمصالحة
 
2- تحديد القضايا ذات الأولوية والاهتمام المشترك مع تحيين الأسبقيات في كل جولة من جولات الحوار ومنها على سبيل المثال :
- تحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية للأجراء
- تفعيل وتقوية الحماية الاجتماعية
- تقوية دور قطاعات الوظيفة العمومية للقيام بمهامها المجتمعية
- حماية حقوق المرأة الأجيرة
- تقوية التماسك الاجتماعي وتحقيق الدولة الاجتماعية
- دعم المقاولة وتقوية الاقتصاد الوطني وتقوية رصيد الشغل
 
3- تفعيل وإحداث لجان موضوعاتية حول القضايا التالية :
1- ملائمة الأجور والأسعار
2- تعميم وتقوية الحماية الاجتماعية
3- إصلاح صناديق التقاعد
4- مراجعة نظام الوظيفة العمومية بما يحمي حقوق الموظفين وتقوية دور قطاعات الوظيفة العمومية
5- احترام ممارسة الحق النقابي وإقرار قانون النقابات المهنية
6- تطبيق مقتضيات مدونة الشغل وتعديل بعض مقتضياتها
7- حماية حقوق المرأة الأجيرة
8- تقوية رصيد الشغل
9- التوافق على قانون الإضراب
10- تنظيم ندوات علمية حول مختلف القضايا المطروحة بمشاركة الجامعات والهيئات ذات العلاقة بالموضوع.
 
 
عبدالرحيم الرماح، رئيس المنتدى المغربي للتنمية الاجتماعية